غرام جورجيا الغوص في أعماق اللؤلؤ

غرام جورجيا الغوص في أعماق اللؤلؤ

طالب سعدون

بغداد

يبدو أن غرام جورجيا الذي وقع فيه الدكتور احمد عبد المجيد، دفعه بحسه الصحفي ومنهجه الاكاديمي الى اصدار كتابه الجديد، عن لؤلؤة القوقاز التي زارها بتشجيع من صديق وقع في حبالها، واتخذها، مقرا له.. فكانت زيارته لجورجيا، محطة جديدة في مسيرته الصحفية، وعلى قدر ما اسعفه الوقت، تمكن ببراعة قلمه، ودقةعدسته، ان يغوص مع تلك اللؤلوة، لأنه صائغ بارع وجواهرجي حاذق، جذبه بريقها وسحرها الأخاذ، وخرج من بحرها بذلك الصيد الذي تضمنه كتابه (جورجيا .. لؤلؤة القوقاز).

ورغم سهولة السفر اليوم، وتوفروسائل الاتصال التي اصبحت اكثر انتشارا، وان المعلومات متاحة بيسر، لكن تبقى فوائد السفرقائمة خاصة للصحفي والكاتب، لنقل تجارب تلك الشعوب في مجالاتها المختلفة، وحقق الدكتور احمد عبد المجيد بهذا الكتاب، اضافة نوعية للمكتبة العراقية وإغنائها بمعلومات عن بلد لم يكن لديها عنه الكثير، خاصة وان مواطني بلاده يستهويهم السفر اليها، ولهم وجود واضح يتقاسمونه مع الاتراك والايرانيين، في تلك البلاد التي توصف بانها أرض (سياحية بكر،ومازال فيها كثير من المجاهيل التي لم تطأها اقدام زائر عربي).

 لقد أخضع الكاتب الكثير مما اورده عن جورجيا الى المقاربة والمقارنة، مع واقع العراق من خلال حالات نورد بعضها ، ونترك ما تبقى للقارىء، على سبيل المثال قضية تأخر حقيبته وتفتيشها في مطارتبليسي الصغير، من دون ان يبعده الانتظار والملل عن هموم بلاده ويخرج منها بملاحظة، يتمنى ان تستفيد منها، وهي تعيش حالة من التدهور الامني والانفجارات، وما يرافقها من زحام ممل، وقتل مستمر، وخلاصتها أن يبدأ الفعل الامني من الحدود، كما يذكٌره نهر التكواري الذي يقسم العاصمة الى جانبين، ببغداد التي يقسمها نهر دجلة الى جانبي الكرخ والرصافة… والتقط عبد المجيد بفكر الاكاديمي وحس الصحفي ملاحظات اخرى تفيد السائح وتعطي تصورا عن التطورات في جورجيا، منها تغير السلوك عما كان عليه الحال قبل الحكم السوفيني، وخضوع المجتمع لقيم جديدة منها هيمنة النزعة الدينية وقداسة العمل وغيرها من التطورات التي تساعد السائح والمقيم.

 وتجد في الكتاب الإجابة عن التساؤل الذي طالما يتردد، وهو لماذا استقطبت جورجيا العراقيين واستثماراتهم، وذلك ما يتناوله المؤلف، بسبب تداعيات الوضع الاقليمي بعد إحتلال العراق والوضع في سوريا،وتحول اسطنبول الى بيئة للاستقطاب السياسي، والحصول على الوثائق الجورجية للتمهيد للعبور الى دول الاتحاد الاوربي قاطبة التي تستقبل المهاجرين لاسباب سياسية وانسانية، اضافة الى عوامل ترفيهية وصحية ودينية، والطبيعة الجميلة الأخاذة،التي يساعدها الانسان من خلال توفيرالخدمات البلدية الجيدة، وفي مقدمتها النظافة والمؤسسات الرقابية التي تضمن فرض القانون ومنع الزحف على الاملاك العامة، أو رمي النفايات في الاماكن غير المخصصة لها،وهي عوامل مشجعة للسياحة والاستثمار في هذا البلد. …فأين نحن الان من ذلك،بما في ذلك المناطق التي حباها الله بطبيعة جميلة، التي لا يمكن ان تعطي مردودها إن لم يمد الانسان يده اليها بالرعاية والتطوير، ولماذا يلتزم العراقيون بنظام تلك البلاد في النظافة،على خلاف حالة البعض في بلادهم، مما يعكس ازدواجية في الشخصية سبق أن تناولها الدكتورعلي الوردي..؟ واين بغداد من تلك الصورة وهي تنوء بتلال النفايات والاوساخ؟.

وتقف الشخصية الجورجية، وراء تلك الصور المشرقة التي عرضها الكاتب ومن بين صفاتها، تقديس العمل وعده قيمة كبيرة، وليس وسيلة للاثراء، والحرص على المال العام وإستثمار الوقت حتى عند الفراغ،بامور مجدية وغير تافهة خاصة لدى الشباب، من دون تداخل في الاعمار أو إحتكاك او إزعاج، فيما تعد الموسيقى هي اللغة المشتركة بين الجميع.. وبهذا الوعي والاخلاص وبتلك الروحية التي يحافظ بها المواطن على نظافة الشارع، مثلما يحافظ على نظافة بيته،تمكن الجورجي من أن يعالج إفرازات التحولات السياسية التي مر بها، ويعبر المرحلة، ويعدل المساربسلام وسرعة،وينجح في عملية الانتقال الى اقتصاد السوق و ممارسة أليات الديمقراطية وفق سياقاتها الصحيحة، من دون انفلات، واعتداءعلى حقوق غيره، والحصول على مكاسب غير شرعية، ومما يؤكد ذلك، استمرار عمل الموجودات الثابتة باداء دورها، ومن دون ان تتعرض متاحفها وكنائسها واثارها ومؤسساتها التعليمية الى تدمير منظم وسرقة، كما استمرت الخدمات العامة للفقراء باوطأ الاسعار من دون توقف.

ويبدو ان الكاتب عبد المجيد يرى أن صورة جورجيا الحقيقية لا تكتمل ان لم تأخذ بعدها الاخر الكامن في التاريخ، فقام بزيارة مسقط رأس جوزيف ستالين في مدينة كوري التي تبعد 100 كم من العاصمة تبليسي، والمتحف المشيد في الاربعينات من القرن الماضي فوق اطلال منزله الذي يوحي بانه واحد من ابسط مباني الطبقة التي تنتمي اليها عائلة ستالين المعدمة، ذلك الرجل الفولاذي الذي بنى الامبراطورية الجديدة على انقاض روسيا القيصرية الغارقة بالفوارق الطبقية والفساد متتبعا حياة ستالين والادوار التي قام بها، وغلب عليها طابع التحدي الذي شكل منطلق الثورة.ويبدو ان بقاء المتحف هو نوع من التفاخر بشخصية ولدت من رحم أرض جورجيا وأسهمت في تغيير وجه العالم، وأن المحافظة على تراث هذه الشخصية الملهمة، يعد مهمة وطنية لها، ولذلك يرى الكاتب أنه من المفيد اشاعة ثقافة الابقاء على حقب التاريخ ورموزه وعدم اهدار مخلفاتها أو تضييع الوثائق الدالة عليها، لانها ملك للاجيال ومن العار على شعب الاستخفاف بتاريخه أو إنكاره أو إخفاء معالمه سواء كانت في السلب او الايجاب.

وهو يعرض ما يراه ايجابيا في جورجيا، لا يغفل الكاتب وهو يغوص في قاع المدينة، الاهمال الحكومي للطبقة الفقيرة، وابقائها خارج دائرة الرعاية وتحسين الاوضاع،وهويستذكر حالة سيدة من الباعة المتجولين،عندما داهمت الشرطة المكان الذي تعرض فيه بضاعتها عند مدخل احد محطات المترو، وهي تتوسل برجل الامن لاعادة حاجاتها، ولكن من المشهد نفسه تولد لديه انطباع أخر بوجود حالة من الامن والاطمئنان لانتشار عناصر الامن في المحطات، ووجود اخلاقيات في المترو تتطلب من الشباب اتاحة الفرصة للنساء والطاعنات في السن والحوامل والمسنين، باشغال الكراسي في المترو وهو الوسيلة المفضلة من قبل الطبقة الوسطى والزوار والمقيمين والموظفين، ومن بينهم كبار الموظفين والنساء لضمان الوصول بالوقت المحدد من دون اختناقات مرورية.

ومن تلك الانطباعات يتوصل الكاتب عبد المجيد الى ملاحظة جوهرية وهي أن الحرية هناك ليست مكفولة فقط وانما مقدسة طالما الشخص يتحرك في حدود المقبول والتقاليد الاجتماعية، اضافة الى احترام الجورجيين رموزهم، كما يظهر في احترامهم للملك دافيد الذي نصبوا له تمثالا في المدخل الشمالي بوصفه موحدا للبلاد التي تعرضت الى احتلالات عديدة، كان اشدها وطأة الاحتلال المغولي، وقد شاركتها في هذا المصير مدن واصقاع بعيدة بينها بغداد التي تشترك معها في صفحات متشابهة عندما يستعيد المتابع قراءة مراحل الاحتلالين الصفوي والعثماني.

كتاب (جورجيا..لؤلوة القوقاز) شدني للقراءة، لكي اتعرف منه على سبب اقبال العراقيين على السفر الى جورجيا، وقد وجدت فيه متعة السياحة وفائدة المعلومة، من دون ان يغفل المقارنة والمقاربة مع بلاد الكاتب وبلدان اخرى، ويقدم صورة عن تلك التجربة للبلدان التي تمر بالظرف نفسه، تفيد السياسي وتثري القارىء وتغني السائح بما يريد معرفته عن تلك البلاد علها تساعده في دقة الاختيار ونوع الاهتمام.. كتاب تبقى مشاهده مطبوعة في الذاكرة كما طبعت مدينة متسخيتا بصمة في ذاكرة المؤلف بكنائسها وشوارعها وطبيعتها الجميلة التي تجد في كل بقعة منها اثرا لهذا الجمال.. تلك مجرد ملاحظات سريعة واترك للقارىء متعة السياحة مع كتاب (جورجيا..لؤلؤة القوقاز) لمؤلفه الدكتور احمد عبد المجيد.