مخاطر الانتقال من الحوار إلى التفاوض

فاتح عبدالسلام

 

يقال دائماً في الخطب السياسية الرائجة إنّّه، نحتاج إلى حوار وطني لإنقاذ بلداننا التي تعيش أزمات سياسية. وفي سوريا والعراق أزمتان كبيرتان متفاوتتان لهما طابع طائفي ومسلح أحياناً أو غالباً. وتظهر لافتات الحوار الوطني بدعوات حكومية مرةً ومن أطراف في المعارضة مرّة أخرى. لكنَّ شيئاً لم يتحقق ولم تنجز عملية الحوار إلاّ بما يشبه شخصاً يكلم نفسه ويتمنى عليها شيئاً لتفعله أو لا تفعله كما في الحوار الوطني السوري الذي تبنته الحكومة السورية حيناً والحكومة الإيرانية حيناً آخر قبل شهور.
في سوريا لم يعد مفهوم الحوار له وجود أصلاً، وفي العراق لا يزال يوجد أمل في إنجاحه لكنّه ليس أملاً كبيراً وربَّما كان ضعيفاً في توقعات أصحاب الشأن المعنيين بالسياسة في العراق.
في سوريا المفاوضات قد تكون أقرب إلى الواقعية فيما لو اقترب الجانبان الحكومي والمعارض من زاوية ذات بعد غير عسكري وتدميري. أمّا في العراق فإنّه تتقلص كل يوم فرص الحوار بمعنى الشراكة والبحث عن حلول ترضي الجميع. وتتجه الأوضاع نحو الانتقالة سريعاً من أمنيات الحوار الذي كذبت فيها كل الأطراف إزاء ضرورة الحوار والعمل على تحقيقه إلى صراع له طبيعة دموية في بعض الأماكن، والأمر تتخلّله الحاجة أكثر ممّا سبق إلى مفاوضات لإحداث تسويات لا يمكن حسمها بمنطق القوة.
في سوريا هناك تلميح إلى قبول الحوار مع صف المعارضة المسلحة بشروط وعبر مناورات سياسية، لكنّ في العراق لا تزال السلطة تعيش حالة شدّ وحل مع البرلمان بوصفه جهة تصلح لعقد تحاور معها، بتجاهل واضح لكون الأزمة خرجت من إطار العملية السياسية العرجاء إلى مساحات بشرية وجغرافية وسياسية بعيدة لا تخضع لمواضعات ومواصفات انتجتها فترة توافقات تثبيت الاحتلال الأمريكي والافادة من إمكاناته. منطق التفاوض غير المشروط لا تقبله السلطة في العراق وقد تضطر إليه السلطة في سوريا بضغوط دولية وبسبب ضغط الخسائر العسكرية والحكومية.
سيبقى الوضع مشدوداً إلى خيط المناورات الواهن الذي إذا انقطع تضيع إثره السيطرة على الأوضاع ونتجه إلى فوضى عارمة لا يحتملها وضع العراق مرة أخرى وقد حدثت مرتين في عامي 1991 و2003 وأن تكرارها في هذا العام أو الذي بعده احتمال سيء بين احتمالات ليس لها تأهيل رأب الصدع وإعادة اللحمة والأمن إلى النسيج الاجتماعي العراقي.