مَا العَمَل؟

489

زمان جديد

عبد الحق بن رحمون

من‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تطل‭ ‬عليَّ‭ ‬أعناقها‭ ‬الوارفة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬غفوة،‭ ‬أو‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬بعض‭ ‬سير‭ ‬تاريخ‭ ‬الزعماء،‭ ‬أجدني‭ ‬أطيلُ‭ ‬البصرَ‭ ‬والنَّظر‭ ‬في‭ ‬سطور‭ ‬كتاب‭ ‬أصدره‭ ‬‮«‬‭ ‬لينين‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬فيه‭ ‬أفكاره‭ ‬حول‭ ‬التنظيم،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنه‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية،‭ ‬لازالت‭ ‬محتوياته‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بتاريخنا‭ ‬المعاصر‭. ‬ومن‭ ‬هُنَا‭ ‬ما‭ ‬العمل‭ ‬فيما‭ ‬تعانيه‭ ‬الشّعوب‭ ‬المغاربية،‭ ‬والمشرقية‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حكومية‭ ‬من‭ ‬صحة،‭ ‬وتعليم،‭ ‬وعدل،‭ ‬وتجهيزات‭ ‬أساسية،‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬وهشاشة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطرق‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬النخب‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬ماتزال‭ ‬مصرة‭ ‬على‭ ‬نظريات‭ ‬‮«‬دفنا‭ ‬الماضي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الدعوة‭ ‬لتجديد‭ ‬‮«‬الماضي‭ ‬اليائس‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬الثورة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬وانفجارها‭ ‬المذهل،‭ ‬تعرضت‭ ‬المجتمعات‭ ‬التقليدانية‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬مريبة،‭ ‬وانطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬صار‭ ‬لزامًا‭ ‬عليها‭ ‬محاربة‭ ‬الأمية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الأمية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محصورة‭ ‬على‭ ‬تعلم‭ ‬الأبجدية‭ ‬قراءة‭ ‬وكتابة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬صار‭ ‬الوقوف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬‮«‬البكاء‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬حبيب‭ ‬ومنزل‮»‬،‭ ‬مضحكة،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬هو‭ ‬اليأس‭ ‬بعينه،‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬أقلل‭ ‬من‭ ‬عبقرية‭ ‬قائل‭ ‬هذه‭ ‬المعلقة،‭ ‬فلكل‭ ‬عصر‭ ‬معلقاته‭ ‬ورجالاته،‭ ‬وظروفه‭ ‬الخاصة،‭ ‬وتصورات‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات،‭ ‬لأن‭ ‬السُّرعة‭ ‬تقتضي‭ ‬ذلك،‭ ‬وتدعو‭ ‬عدم‭ ‬استخدام‭ ‬أي‭ ‬عاطفة،‭ ‬أو‭ ‬إضاعة‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬الأطلال‭ ‬بدون‭ ‬فائدة‭ ‬أو‭ ‬مردودية‭.‬

ولهذا،‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬كائن‭ ‬بشري‭ ‬قوى،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يشغل‭ ‬ذاته‭ ‬بتنظيم‭ ‬محكم،‭ ‬ويجدد‭ ‬طاقته،‭ ‬حسب‭ ‬مراحل‭ ‬العمر‭ ‬ويحرض‭ ‬شخصيته‭ ‬على‭ ‬التجدد‭ ‬باستمرار،‭ ‬ليضمن‭ ‬تواجده‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬ويتفاعل‭ ‬ويقتنع‭ ‬بالتحولات‭ ‬والصيرورة‭ ‬التي‭ ‬يتطلبها‭ ‬الوقت،‭ ‬وبحسب‭ ‬ما‭ ‬يقتضيه‭ ‬النظام‭ ‬الطبيعي‭ ‬للعيش،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحيّة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أهملت‭ ‬نشاطها،‭ ‬فإنها‭ ‬تصدأ‭ ‬بسرعة،‭ ‬وتصدأ‭ ‬قواها‭ ‬وتفكيرها‭ ‬وقدراتها‭ ‬البدنية،‭ ‬ولعلّ‭ ‬هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬انتشار‭ ‬أمراض‭ ‬الروماتيزم‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬المفاصل‭ ‬والعقل‭ ‬البشري،‭ ‬وأيضا‭ ‬تصيب‭ ‬الأجهزة‭ ‬الالكترونية‭ ‬التي‭ ‬يدعو‭ ‬دائما‭ ‬صانعيها‭ ‬بدوام‭ ‬تشغيلها‭ ‬يوميا،‭ ‬ويحذرون‭ ‬عدم‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬ذات‭ ‬البرودة‭ ‬الشديدة‭. ‬ولتفادي‭ ‬الإصابة‭ ‬بالروماتيزم‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬وكي‭ ‬لايتطور‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬أخذ‭ ‬الاحتياطات‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬التهاب‭ ‬اللوزتين‭ ‬باستعمال‭ (‬Pénicilline‭)‬،‭ ‬ولهذا‭ ‬سوف‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬الروماتييزم‭ ‬بتفصيل‭ ‬وبشكل‭ ‬غير‭ ‬ممل‭.. ‬كيف‭ ‬ذلك؟

إذا‭ ‬أصيب‭ ‬جسم‭ ‬حيّ‭ ‬بالروماتيزم‭ ‬أو‭ ‬تهالكت‭ ‬قواه،‭ ‬فقل‭ ‬على‭ ‬الدنيا‭ ‬السلام،‭ ‬والروماتيزم‭ ‬هو‭ ‬مرض‭ ‬غير‭ ‬معدي‭ ‬وغير‭ ‬وراثي،‭ ‬لكن‭ ‬يصيب‭ ‬العظام‭ ‬وتشعر‭ ‬بالضياع‭ ‬والعياء،‭ ‬وقد‭ ‬يصف‭ ‬الأطباء‭ ‬أدوية‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مسكنات‭ ‬ومهدئات‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬لايصبح‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬مفعول‭ ‬أو‭ ‬جدوى‭.‬

والروماتيزم‭ ‬يصيب‭ ‬أيضا‭ ‬الكتب‭ ‬والمكتبات،‭ ‬ومع‭ ‬توالي‭ ‬الأيام‭ ‬تصبح‭ ‬عظام‭ ‬الكتب‭ ‬هشة،‭ ‬ويضيع‭ ‬معها‭ ‬الحبر‭ ‬ويصبح‭ ‬مشردا‭ ‬وباهتا،‭ ‬كما‭ ‬يصيب‭ ‬الروماتيزم‭ ‬بعض‭ ‬الدوائر‭ ‬الحكومية‭ ‬لذا‭ ‬لاغرابة‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬بناية‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬لكن‭ ‬جدرانها‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬تثير‭ ‬الشؤم‭ ‬والاشمئزاز‭.‬

والروماتيزم‭ ‬يصيب‭ ‬أيضا‭ ‬أنظمة‭ ‬الشعوب،‭ ‬ويصيب‭ ‬الأحزاب،‭ ‬ويصيب‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬مزاجية‭ ‬بحسب‭ ‬فصول‭ ‬السنة،‭ ‬وهنا‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الأفواج‭ ‬الهائلة‭ ‬من‭ ‬كوادر‭ ‬الأطباء‭ ‬التي‭ ‬تحرقُ‭ ‬زهرة‭ ‬عمرها‭ ‬في‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي،‭ ‬فقد‭ ‬وجد‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬الشفاء‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬الروماتيزم‭ ‬عند‭ ‬مكي‭ ‬الصخيرات،‭ ‬الذي‭ ‬ادعى‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬شفاء‭ ‬الناس‭ ‬بلمسة‭ ‬يد‭ ‬أو‭ ‬بجرعة‭ ‬ماء،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬صدقه‭ ‬وآخرون‭ ‬كذبوه‭. ‬والله‭ ‬أعلم‭ ‬فيما‭ ‬يدعيه‭.‬

وحمّى‭ ‬الروماتيزم‭ ‬تصيب‭ ‬العظام‭ ‬والمفاصل،‭ ‬والحلقوم‭ ‬واللسان‭ ‬وباقي‭ ‬الحواس،‭ ‬وتتسبب‭ ‬أمراض‭ ‬القلب‭ ‬الروماتيزمية‭ ‬في‭ ‬الوفيات،‭ ‬وإن‭ ‬الإكتشاف‭ ‬المبكر‭ ‬للروماتيزم‭ ‬في‭ ‬الشعوب‭ ‬المتحضرة‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬الشفاء‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬العصر،‭ ‬ويساعد‭ ‬أفرادها‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬السلام‭ ‬والتسامح‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وهذه‭ ‬الشعوب‭ ‬تدعو‭ ‬أفرداها‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬البناء‭ ‬وعدم‭ ‬الاستكانة‭ ‬للأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬التي‭ ‬لاطائل‭ ‬من‭ ‬انتشارها،‭ ‬فالوقوف‭ ‬على‭ ‬الأطلال‭ ‬وهدم‭ ‬الأصنام‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يجدي‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يصدق‭ ‬الأوثان‭ ‬القديمة‭ . ‬فالعصر‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الذكية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬عقل‭ ‬بشري‭ ‬لأنها‭ ‬محفز‭ ‬ليلمع‭ ‬باستمرار‭ ‬ويقاوم‭ ‬الصدأ‭ ‬والفيروسات‭ ‬الغبية‭ ‬من‭ ‬اختراقه‭.‬

 

مشاركة