عبد المنعم حمندي يجمع بين الاثنين

568

عبد المنعم حمندي يجمع بين الاثنين

السرد والصورة في الخطاب الشعري

خالد العزاوي

اي ناقد عندما يريد العودة الى الجذور التاريخية والعرفية لمفهومي السرد والصورة في اي خطاب شعري سيمكث طويلا في البحث والتقصي ليصل الى الاطار النظري بعد ان يضع تحليلا تطبيقيا لنصوص اي شاعر يمكن ان يختاره ..

وحتى يتمكن من الوصول الى طرح موضوع السرد والصورة عليه ان يختار بدقة تجربة شعرية لشاعر  متمكن له وضوح في تجربته .. كون البحث في عموميات شعراء عديدين لا يعطي نمط السرد ونمط الصورة واكيد لكل شاعر تجربته الخاصة ..

شاعرنا في هذا البحث هو الشاعر العراقي عبد المنعم حمندي والتجربة التي ستقودنا لايضاح صورتي السرد والصورة  عنده هي كل المجموعات الشعرية التي اسهمت ببناء تجربة حمندي .. ومن حسن الاختيار ان يقع بين ايدينا كتاب رائع يستعرض هذه التجربة الراقية للشاعر .. هذا الكتاب هو للناقد الاستاذ عبد الحسن صنكور وهو ناقد  نافذ ومقتدر وقد لازم اغلب الادباء والكتاب بدءا من سبعينات القرن الماضي وسهل مهمته تواصله الشخصي مع اغلبهم ..

الناقد صنكور ليس بحاجة لتعريف بقدرته على استيعاب اية دراسة خصوصا للشعراء .. وان كان قد سبق ان وضع لمسات النقد لكامل  في قصائد عبد المنعم حمندي لمجموعته الشعرية  ((تهجدات )) .. الا انه هنا تناول التكوين السردي والصورة في الخطاب الشعري لحمندي في كامل تجربته الشعرية صدور اول ديوان له عام 1986 وحتى الان مع ان حمندي معروف انه شاعر سبعيني  ..

ولا احد يختلف البتة في اهمية الموضوعين ( السرد والصورة ) في عملية البناء الشعري للقصيدة ذلك ان النص الشعري متماسك ويكمل اجزاؤه مع بعضها البعض ومنهجية النقد التي يتمتع بها عبد الحسين صنكور تعطي ثمارها كونه ناقدا متمرسا ويخوض في كامل تجربة الشاعر فيعمل على تاشير محاسن ونقاط الضعف ان وجدت ولن يجامل اديبا او شاعرا ..

موضوع شائك

من الامور المتعارف عليها ان السرد بمفهومه العام موضوع شائك ومعقد غالبا ما يفرز لها النقاد والاكاديميون والمنظرون مساحة واسعة من الاهتمام والنظر مع محاولة وضع قوانين واضحة في الجنس الادبي وعلاقته مع الاجناس الاخرى ومدى التشابك والتاثير المتبادل فيما بينها .. لذا صار الخوض في موضوعة السرد بتقنياته واشكاله تقودنا  للبحث في اسلوب وشكل الدراسات السردية نظريا وتطبيقيا من خلال نقاد يشار لهم بالبنان ..

نعود لنقول ان المشكلة التي تواجه اي باحث في مجال السرد في الخطاب الشعري هي كيفية فرز ( البنية المجازية ) وهو ما اقترب للخوض فيه عبد الحسين صنكور في هذه الدراسة النقدية للشاعر عبد المنعم بعد ان اخذ نماذج شعرية لكامل مجموعاته الشعرية التسعة  التي  ظهرت  منذ عام 1986 .. حتى الان.. ولا بد لنا  ان نعترف ان حمندي الذي قفز الى الافق العربي كشاعر بارع له تجربته الخاصة ذات التنوع الذي لم يبعده عن الالتزام بنموذج وشكل القصيدة الجميلة المتكاملة ..

وكان لزاما للناقد عبد الحسين صنكور ان يكون صادقا وباحثا اكاديميا علميا وملتزما لاستثصاء نماذج في جسد القصيدة الحمندية وبنائها الشكلي او اللغوي او المفاهيمي في المعنى والنص ..

يقول عبد الحسين صنكور في كتابه الذي صدر مطلع العام الحالي الموسوم ( السرد والصورة في الخطاب الشعري .. دراسة نظرية وتطبيقية في تجربة الشاعر عبد المنعم حمندي ) الصادر ببغداد مطلع العام الحالي ويقع في اكثر من (170 )  صفحة من الحجم الوسط  .. يقول ان مفهوم الصورة الشعرية قديم قدم وجود الشعر بسبب وجود ( تعابير ) شعرية في اغلب  النصوص النثرية ..

يقع كتاب صنكور في فصلين يتناول فيهما مباحث عديدة .. ففي الفصل الاول ( السرد في الخطاب الشعري ) ويشمل البحث في عناصر السرد وتقنيات السرد واشكال السرد ولعناصر السرد تطرق الناقد الى الاليات المستخدمة في السرد الروائي وسياقات تشكيل الفن الروائي وخصوصيته حيث يعتبر انها تشترك مع الخطاب الشعري السردي عبر استخدام (اللغة ) مع الاحتفاظ كل في خصوصيته في  (الزمكانية ) وهما عنصران اساسيان  في تشكيل بنية السرد واطاره العام.

تقنيات السرد

وفي موضوعة تقنيات السرد اذ يعتبرها الناقد البنية الكلية للنص السردي وجدرها الاصلي يكمن في النص السردي النثري وابرزه الرواية والقصة والمسرحية كما هو مؤشر في ديوان الشاعر عبد المنعم حمندي ( دخان الشجر ) الصادر ببغداد عام 1988 اما امثلة الناقد في اشكال السرد عند حمندي فتكمن في الوصف لشخصيات  محددة في اكثر من قصيدة ..

وفي المبحث الثاني من ذات الفصل يؤكد ان المتلقي اي القـارئ يجد بدءا من ديوان حمندي الاول  (اتيتك غدا ) وانتهاء بديوانه التاسع  (الادريس والهدهدة ) وجدا  منهجا سرديا مبثوثا في اغلب قصائد هذه المجاميع الشعرية .. وفــــي الوصف السردي بعنصريه الزمان والمكان يظهر واضحا وجليا  وناضجا فــــي ديونه ( أول النار )  كما في قصيدة ( فوق نصب الحرية )

(( الشارع يمتد .. ويمتد

والنصب الشامخ يعلو

  يتأمل بغداد

ويقرأ في تاريخ الروح

مثل كتاب مفتوح ))

حيث استند الشاعر في وصفه السردي على استخدام الفعل المضارع للتعبير عن الزمن الحاضر عبر استخدام ( يتأمل ) .. مع استعارة فن ( المونتاج السينمي )..

(( نصب الحرية يعلو

يمتد .. ويمتد

ويصعد مزهوا في الارجاء

وعلى قدميه يجثو

المخمورون من الفقراء

يستقبله العمال –  الباعة –  والعشاق

   سماسرة الليل … الشعراء

   تستقبله الاحلام ، الجوع

   دموع البسطاء

   هموم الناس

كابوس الخوف الجاثم فوق الاشياء ))

وفي الفصل الثاني الذي ( الصورة الشعرية في الخطاب الشعري ) بحث الناقد في الاطارين النظري والاطار التطبيقي وكان للصورة الرمزية في المحور النظري وضوح كبير حيث احتلت مكانا مميزا لدى الشاعــر عبد المنعم حمندي فـــــي عموم دواوينه ففي قصيدة ( مرثية ثانية للنهر ) فـــي ديـــوانه الاخير ( الإدريس والهدهدة ) ..وقد استخدم الشاعر ببراعة رمزيته ( للنهر) ودلالته ( الوطن )

(( في دمي نخل غريب

وشجون من بكاء النهر

تسمو بالبكاء

وهتاف الريح رايات

من الحزن

وامطار تبل الوجد

في ليل الرجاء ))

يبقى  ان نذكر ان الجهد الذي بذله الناقد عبد الحسين صنكور يشكل جهدا متميزا فقد استقصى في نحو اكثر من خمسين مصدرا عدا دراسته لكامل دواوين الشاعر عبر تجربته التي بدات منذ سبعينات القرن الماضي وحتى الان وهي تجربة شعرية متصاعدة اخذت مداها بتميز فاق الكثير من شعراء زمانه كما كان له استحقاق ان يكون من تناول البحث في دواويته ناقد تميز بالموهبة والاستيعاب مثل الناقد البارع عبد الحسين صنكور ..

واخيرا اقول شكرا لمن اثرى الشعر ووضع فيه خلاصة حقيقية لتجربة متميزة ونافذة اختـــــــرقت اطارها المحلي الى الاطار العربي.

مشاركة