الصور الشعرية في ديوان همسات

579

الصور الشعرية في ديوان همسات

حياة مبدعة وكينونة يومية

سعيد الاسدي

الصورة الشعرية هي تشكيل لغوي يكونها خيال الفنان في معطيات متعددة يقف العالم المحسوس في مقدمتها فأغلب الصور مستمدة من الحواس إلى جانب ما لا يمكنه إغفاله من الصور إذ تنقل الصورة الشعرية إلى المتلقي عبر نسيج من ثناياها من صفات حسية وإن كانت شاعرية الشاعر تحملها بلغة شعرية إيحائية مشحونة بطاقات نفسية تنتمي في جوهرها إلى عالم الشاعر الباطني الذي يعبر عن رؤيته الباطنية للأشياء ناقلة أفكار يغذيها الإحساس سفير الشاعر إلى العالم الخارجي إذ يجود عليه بالمشاهد والمواقف المتعددة والمتنوعة مما ترصده حواس الشاعر فتنمي موهبته وتنعش إحساسه وتنصهر في وجدانه ممتزجة بمشاعره ومتفاعلة مع فكره وعميق إحساسه ومعبرة بتركيبة فنية جديدة عن مكنونه النفسي من خلال لغة شعرية متميزة يكتنزها الإيحاء والتأثير إذ إن الصورة الشعرية إعادة خلق مثالي للتجربة وواسطة لرؤية ما وراء الإدراك إلى داخل الأشياء فإن الصورة دائما غير واقعية وإن كانت منتزعة من الواقع لأن الصورة تركيبة عقلية تنتمي في جوهرها إلى عالم الفكرة أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع فهي ثمرة لقاء الحسي بالمعنوي لتنمو حتى تكتمل وتبدو ناضجة بشكلها الفني والفكري الجديد المتكون من ذلك المحتوى وهي ثمرة العمل الأدبي . ونحن بهذه الرؤية النقدية العميقة للصورة الشعرية سنحاول اقتحام العوالم الفنية والنفسية للشاعر المبدع رافع بندر في ديوانه “همسات في زمن صاخب” لقد إمتلك الشاعر إحساسا راقيا ومشاعر نبيلة كشفت في محتواها عن الشاعر الإنسان إذ مكنته موهبته المتميزة من التعبير عن مكنونات ذاته ومعاناته المكبوتة وإيصالها إلى المتلقي عبر هيئات وهياكل فنية انصهرت فيها إحساساته وانتظمت في وحدتها أفكاره ومعانيه لتأتي تلك الهياكل محملة بالطاقات المعنوية والأبعاد النفسية والظلال الإيحائية ومنضوية على شعور موحد يتنافى في صور جزئية متتابعة ترسم في مجملها عاطفته في كل تجربة من تجاربه الشعرية وقد تنوعت أساليبه ووسائله في بناء صوره الشعرية وإن كان الشاعر مولعا بتقديم صوره عبر الصور الإستعارية وقد تفاعلت كينونته مع صور الاستعارة المكنية القائمة على التشخيص تفاعلا كبيرا في تقديم صوره الرائعة المملوءة بعاطفته وإحساسه فنراه يضفي على السماء والسهام صفات إنسانية في غاية الروعة وعي تحمل مشاعر إنسانية نبيلة أفتقر إليها العتاة والطغاة في قصيدته يبقى الحسين (ع)

 مخلدا هذي السما نزلت إليه ولم تزل

 لليوم تمسح جرحه المتوقدا

 ودم به كل الدهور تخضبت

 يبقى يلوم بها البعيد الابعدا

كل السهام أتين نحوك لهفة

 قد كن للجسد المضرج قصدا

 يغرزن فيك لكي يزدن تقربا

ولكي يقبلن الإمام السيدا

 للحزن لون إن الأسى

 جعل العيون تسيل دمعا اسودا

 يا سيد الشهداء جرحك في الثرى

 أمسى لنا محرابنا المتجددا

ص16

 فالشاعر تمكن من التعبير عن عاطفته الحزن المتقدة في عميق ذاته عبر نسيج متلاحم في الصور الإستعارية التشخيصية الجزئية ليجعل من النص كائنا حيا يفيض حزنا وتأثيرا ولعل عاطفة الحزن مغروسة في ذات الشاعر وممزوجة في عميق كينونته يحركها الشعور الإنساني العالي الذي تميز فيه الشاعر تميزا كبيرا وواضحا في ديوانه ولعل قصيدته ” لله درك من قديسة” يصف فيها الشهيدة خالدة التي أحرقت نيران الانفجار ثيابها فأثرت إن تموت محترقة على أن تعيش عارية فنراه يستخدم الصور الإستعارية المتلاحمة القائمة على التشخيص والتجسيم:

 هذا حياؤك قد نادى وقد نطقا

النار ثوبك لما ثوبك احترقا

 وما صعقت وما هزتك راجفة

 لكن الدرس والتلميذ قد صعقا

 وما تهرأ من ثوب العفاف سوى

 وما كان منك التصاق الجلد قد لصقا

 والسن النار إذ أدمتك صابرة

 وإذ دماؤك ما أبقت بنا رمقا

 أنفاسنا بلظى أنفاسنا اختنقت

وريقنا ببقايا ريقنا شرقا

 فنجده يشخص المعنويات فيضفي عليها صفات إنسانية وبذلك جعل المعنويات تفيض إحساسا ومشاعر فالحياء ينادي وينطق بالحكمة وللنار السن وهي تحاول ان تصبر نفسها والانفاس تختنق ببعضها كما نراه يجسم العفاف فيجعل له ثوب وقد أسهمت هذه الصورة الاستعارية المتلاحمة في تقديم نسيج من الصور الجزئية المتلاحمة المليئة بعاطفة الحزن لتأتي الصورة المتلاحمة في تقديم نسيج من الصور الجزئية المتلاحمة المليئة بعاطفة الحزن لتأتي الصورة الكلية عميقة ومؤثرة تنحني لها مع التأريخ الذي شخصه الشاعر في قوله هذا الحياء الذي لا شيء يشبهه أمامه ينحني التاريخ منصعقا والشاعر يكثر في الصور الاستعارية التشخيصية التجسيدية في الإفصاح عن مكنون ذاته ومن ذلك قصيدته لوالده وقوله منها

ماتت حكايتنا حزنا على وتر

 من بعد صوتك لا صوت ولا وتر

 يا طيب الذكر بي شوق اليك

غدا كشوق طيرا كسير حلمه الشجر

 سر بقلبي إذا ما خيله انطلقت

 وحق عينك لا تبقي ولا تذر

 لو كان ماتحتوي تلك الصخور جوى

 لكان منها فؤاد الصغير ينفطر

 لقد ترفعت عن أخلاقهم شرفا

ترفع النسر عما ضمت الحفر

 إني لأشكو زماناً كله كذب

 ذوائب النار فلتهنأ بها سقر

 باركت نأيك حتى ما أسفت

 على فراق يوم فلا دمع ولا كســر

فأصبح لنفسك أمواجا وجارية

شراع عمرك قد يأتي به السفر

 فنلاحظ مجموعة من الصور الاستعارية التشخيصية فالحكايات كائن حي يحيا ويموت وقد ضمنها حزنا كبيرا وقلبه تحركه مشاعر قوية وجامحة والصخر إنسان له فؤاد يشعر به وهو إحساس مميز بموجودات الطبيعة التي تشاركه احاسيسه المتنوعة وقد ساندت هذه الصور التشخيصية صورا استعارية رائعة فالنار لها ذوائب والعمر له شراع وما الى ذلك من الصور التي تضاعف الإحساس تأخذ العاطفة التي يحركها الشاعر بفنه الراقي إلى حيث يريد .

وقد عضد هذا النسيج المتلاحم صور أخرى تشبيهية تلاحمت لإبراز عاطفة الحزن التي كانت تتابع كسيل

يتدفق برفق ليجسد ابعادها في صورة تتكامل أجزاؤها.

ولعل من اجمل الصور الاستعارية التي ابدع في إخراجها الشاعر اذ تتعاضد الصور التشخيصية مع الصور الاستعارية في صورة رائعة

 بيني وبينك شمس لا حدود لها

وكيف يحجب ضوء الشمس غربال

 حتى اشتعلنا بجمر الشوق تبصرنا

 عين العذول وكم في الحب عذال

 لكنها ضحكة ماتت على فمنا

وقد يموت بصوت الناي موال

 ولعل هذا السيل الرائع من الصور الاستعارية ازداد رونقا وجمالا بانصهاره مع موجودات الطبيعة التي تشارك الشاعر إحساسه العميق ليجعل الشاعر من النص قطعة فنية تشع روعة وبهاء وحياة.

قلوبنا حطمت من بعض سطوتهم

 كما يحطم صخور الأرض زلزال

 تلك التماثيل من صخر مشاعرها

 وقد يحرك بعض الحب تمثال

 ان قطعوا بيننا دربا وبارقة

ان العصافير لأشواق مرسال

 قتلا أفي الحب مقتولين من زمن

 ونحن نعلم إن الحب قتال

 رن الهوى خافقي مذ كنت مبصرها

كما يرن بساق الغيد خلخال

 إلا جمالك في قلبي يلازمني

 الجاه يذهب والأصحاب والمال

 إني لأعشق فيك الكون اجمعه

 والناس في الحب أطوار وأحوال

 كنا كما الغيث كحلنا مشاعرنا

 كما يكحل قلب الأرض شلال

 إذ نقلت لنا هذه الصور الاستعارية المتلاحمة نصا متجانسا ينبض بالحياة فكانت مشاعر الشاعر تتدفق حتى أصبحت متوهجة اذ قدم لنا لوحة تفيض إحساسا جسدت عاطفة الحب بأبهى صورها وقد تطغى عاطفة الحب فتستحوذ على كيانه فيلجأ إلى نسيج من الصور الاستعارية التي تخرج عاطفة الحب على قطرات من  معين ذاته حتى تصبح فيضا يغطي ذروة إحساسه فنحن نراه يعاضد بين صور التشبيه البليغ الذي يعد من أجمل صور التشبيه للتداخل الكبير بين المشبه والمشبه به وبين الصور الاستعارية الرائعة ,

 اقول بأنك كل الدنيا

 لأنك قطرة

 ماء الحياة

 تكحل عين جذور القلب

 لأنك اول ضوء بهي

كان ينير ظلام الدروب

 لأنك أنت حبيبة روحي

 لأنك مهما يطل الزمان

 تظلين مضمار قلبي الفسيح

وكيف اخبي شوقي إليك

 وكيف أموت

 وبعض خدودي

 بين يديك

 فأنت سفينة أيامنا

شراع المحبة في بحرنا

 وحتى بداخل أحلامنا

 ونحن نلاحظ صوره التشبيهية لاتقل روعة وجمالا عن صوره الاستعارية فقد قدم من خلالها صور رائعة تفيض إحساسا وإيحاء ولعل الصور التشبيهية الجزئية التي قدمها في قصيدته ” سلام على الزهراء ” من اروع صوره التشبيهية

كانت لأشبه بالنبي إذا مشت

 خطوا وأخشع عابدٍ في معبدِ

 كانت كمسجد أمة يأوي له

 صوت الأذان ومصحف في مسجدِ

 ونحن في هذه الصفحات القليلة لا يمكن أن نغطي صور الشاعر الرائعة التي قدم من خلالها تجربته الشعرية في هذا الديوان الذي قدم لنا مع تلك الصور المعبرة صورة الشاعر الإنسان الذي يتفاعل بما يمتلك من مشاعر نبيلة مع هموم الآخرين التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من كينونته وعن إرهاصات حياته اليومية.

مشاركة