كفاءة الأداء الجامعي وضمان الجودة – سيف الدين محمد الحديثي

478

كفاءة الأداء الجامعي وضمان الجودة – سيف الدين محمد الحديثي

ان التطورات الحديثة والمتلاحقة في مجال القياس وكفاءة الأداء وضبط الجودة التي أخذت تحتل حيزا واسعا ومتميزا من اهتمام الهيئات الرقابية المحلية والدولية ومنها الجامعات ومراكز البحوث لتوظيفها في مختلف النشاطات الإنتاجية والخدمية ومنها التربوية والتعليمية لكي تضمن كفاءة مخرجاتها وتميزها لتلبية احتياجات التنمية المستديمة من الموارد البشرية المؤهلة وفق معايير علم القياس (المترولوجيا) اطلق عليها معايير الازو ISO ونماذج Swot  و Tqm ومع اهميتها فقد واجهت تطبيقاتها تحديات معاصرة ومتسارعة في عالم اصبح يعرف بالتسارع والانشطار من خلال تكنولوجيا المعلومات و دورها في مخرجات العملية الانتاجية كماً ونوعاً اي أن متغيراتها أصبحت ديناميكية لمواكبة تلك التطورات للمحافظة على مراكزها التنافسية في الاسواق والمعارض الدولية في ظل تعدد المنتجات وتنوعها والتغير المستمر في دخول واذواق المستهلكين ,  ومن ثم فان الاهتمام بكفاءة الاداء وضمان الجودة لم يكن بمعزل عن الحفاظ على القيم المجتمعة  في الصدق والامانة والعدالة المرتبطة بحقوق الانسان وشفافية التعامل معه لانه يشكل المحور الاساس للتنافس على كسب كل المؤسسات والشركات الانتاجية حتى اخذت تعتمده في مقدمة استراتيجياتها المستقبلية ومن ثم ستتضمن ديمومة بقائها وتعاظم ارباحها المادية.  ولكي تتحدد معالم هذه الدراسة يقتضي الإشارة إلى مفهوم كفاءة الأداء والذي هو (فحص موضوعي وحيادي يعتمد سياسات ونظم لإدارة المعلومات والعمليات الانتاجية للمؤسسات الخاضعة للرقابة والتقويم من خلال مقارنة الخطط والأهداف بالانجازات والنتائج وتأشير ايجابياتها (نقاط القوة) وسلبياتها (نقاط الضعف) ووضع المعالجات باتجاه تحقيق فاعلية وكفاءة أعلا وبتكاليف أقل).

وفق هذا المفهوم وضعت العديد من التعاريف لكفاءة الاداء لا تختلف في محتواها وأهدافها حاول الباحث من خلالها وضعها بالتعريف الاتي (مجموعة من الاجراءات المستخدمة من قبل فرق متخصصة في الدراسة والتقويم والاستقلالية لضمان الوصول الى نوعية عالية الجودة في الاداء والعمل والانتاج الفني والاداري من خلال تطبيقات معايير الجودة لتوظيف الموارد البشرية والمادية بغية الوصول الى نتائج ايجابية وفق الخطط والاهداف الموضوعة من قبل المؤسسة المعنية بالدراسة على ان تكون عملية التقويم والمراجعة سنوية).

أو بمعنى اخر (مقياس للعلاقة بين مدخلات ومخرجات المؤسسة من خلال الاستخدام العقلاني للمدخلات باتجاه خلق انتاجية عالية الجودة وبأقل التكاليف) , وهنا يجب أن نفرق بين  عملية التدقيق وفحص وتحليل البيانات للمؤسسة بما يمكن الحكم على نتائجها بكفاءة وفعالية ومعرفة الانحرافات واسبابها وحصر المسؤولين عنها من جهة واقتراح معالجتها ورسم السياسات المستقبلية السليمة من جهة أخرى , وعليه فأن عملية التدقيق تقتضي تطبيق معايير ثابتة نسبيا بينما عملية تقويم الاداء تكون معايير القياس فيها اكثر مرونة في الفحص والاختبار ولا تخضع لتوقعات محددة مسبقا ويجب ان تقوم على اختبار مستقل وغير مكرر ويعتمد تحليل المعلومات والبيانات وتفسيرها من خلال عدة نماذج (مناهج) استقصائية أن ميزة تقويم الاداء تقوم على التنوع والشمول وحرية الاختبارات لانظمة المؤسسة والعاملين فيها المراد تقويمها وان ما يعزز كلتا العمليتين التدقيق والرقابة وتقويم كفاءة الاداء وضمان الجودة هي كفاءة الاجهزة المختصة الموكول لها هذه المهمات غير السهلة من خلال استخدامها لتكنولوجيا المعلومات في تحليل البيانات بغية الوصول الى تدقيق او تقويم موضوعي ومحايد وموضع احترام الجهات المعنية بهذه المهام.

ادارة الجودة الشاملة في التعليم الجامعي

في خضم الاهتمام العالمي بمعايير ادارة الجودة الشاملة وكفاءة الاداء الجامعي الامر الذي حفز الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث الى مواكبة التطورات العلمية وتكنولوجيتها التي نقلت المجتمعات الصناعية الى مجتمعات المعرفة من خلال ثورة المعلوماتية والاتصالات معتمدة على تطبيق معايير كفاءة الاداء وادارة الجودة في التعليم الجامعي  لتساهم مخرجاتها في رفد التنمية المستدامة من الموارد البشرية  واستمرار تطور مجتمعاتها.

ولم يقتصر هذا الاهتمام على الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث في دول العالم بل دعت عدة منظمات اقليمية ودولية() للاهتمام بمعايير الجودة والقياس في انشطتها ونشر تقاديرها السنوية مؤشرة ملاحظات تتعلق بالرصانة العلمية للجامعات حسب نقاط القياس الحاصلة عليها من خلال الاهداف التالية :

– تقييم المناهج الدراسية لمختلف الاختصاصات (وحدات وساعات) ومدى مواكبتها للمتغيرات والتقدم العلمي والموضوعي لهذه المناهج ومتطلبات التنمية البشرية في الدول .

– تقييم كفاءة الاداء  للهيئات التدريسية كلا حسب اختصاصه ودرجته العلمية للوقوف على مدى ملائمة التدريس للمادة التي يقوم بتدريسها والجديد في طرائق التدريس ونشاطهم البحثي الذي يجب أن يتلائم مع احتياجات المجتمع ومؤسساته ونسبة التدريسيين الى اعداد الطلبة وتشخيص حالات الانحراف ونقاط الضعف وتحديد مسؤولية الادارة المسؤولة عنها ووضع المعالجات لتحديد ذلك ونقله الى نقاط القوة والرصانة .

– تقييم مخرجات العملية التعليمية من طلبة الدراسات الاولية والعليا ومدى توافق الخريجين وتأهيلهم للعمل الوظيفي في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية .

– تقييم البنى التحتية للمؤسسات التعليمية (مبان وقاعات دراسية ومختبرات ومكتبات وأقسام داخلية ونوادي للطلبة ومراكز الانشطة الرياضية والفنية وحدائق متطورة ومتكاملة تتناسب واعداد الطلبة وذلك يقع ضمن رعاية الشباب وتأهيلهم ليكونوا قادة المستقبل وبناة الاوطان حتى أن هذه الرعاية دفعت بالدول الى التنافس بينها في هذا المجال باتجاه استقطاب اصحاب المواهب والمتميزين من الطلبة من الدول الأخرى.

– مدى تشجيع المبادرات الابداعية والاختراعات التي يتوصل اليها التدريسيين من خلال الطلبة ومشاريعهم البحثية ومنحهم الحوافز والمكافآت التشجيعية ونشرها بالمجلات العلمية ومناقشتها في الندوات والمؤتمرات العلمية.

– ايجاد قنوات فاعلة للتنسيق والتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث في الدول الاخرى وخاصة التي تتمع بالمكانة العلمية المرموقة والتي تحظى بتقييم عال من المنظمات المختصة الدولية وذلك من خلال المشاركة في مؤتمراتها العلمية وتبادل الزيارات بين الهيئات التدريسية لالقاء محاضرات أو حلقات النقاش أو ورش العمل المشتركة وبمشاركة المتميزين من الطلبة والاستفادة من تجاربها في مجال قياس كفاءة الاداء وضمان الجودة في التعليم الجامعي وكذلك الاستفادة من التعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة.

– رفد المراكز البحثية في الجامعات للمؤسسات الانتاجية والخدمية بخبراتها الاستشارية ودراسات الجدوى الاقتصادية والفنية في مراحل تنفيذ المشاريع او تقويم كفاءة الاداء وضمان الجودة.

وهنا تقتضي الضرورة ان تكون الادارة العليا للجامعات والمعاهد على درجة عالية من الايمان بتطبيقات ادارة الجودة واهميتها كونها تشكل احدى منطلقات الحداثة والتغيير لتطوير التعليم الجامعي من خلال تحسين نقاط الضعف (السلبيات) ومعالجتها وادامة زخم نقاط القوة (الايجابية) وصولا لحصر مسار الانحراف وتصحيحه.

ولابد من الإشارة هنا إلى بعض الملاحظات على القادة الميدانيين في مجال التعليم الجامعي الحكومي والاهلي في العراق تتعلق بمفهوم القائد الاداري الذي لايقتصر تميزه الاكاديمي والاداري فقط وانما يمتلك القدرة على توظيفها من خلال تفاعله مع المشاركين معه في العملية التربوية والتعليمية وان يعمل باتجاه نقل معارفهم وخبراتهم لتطوير المؤسسات التعليمية منطلقين من الادراك بان اعتماد معايير القياس لكفاءة الاداء وضمان الجودة سيؤدي الى فرز كفاءات علمية جديدة وشابة لتحل محل تلك التي لا تزال تتشبث بكل الوسائل والاساليب للبقاء في مراكزها على الرغم من تقادم قدراتها حتى ان البعض وصل مرحلة من التخلف بالمقارنة مع من يعملون معهم (هذا على الرغم من وجود تعليمات مركزية بشأن هذه النقطة ولكنها وظفت باتجاه تدوير المناصب بين القادة الإداريين انفسهم  وليس تغييرهم ) وهذا يصب في جوهر كفاءة الأداء وضمان الجودة في التعليم الجامعي من خلال اعتماد فرق مؤهلة لوضع برامج ومناهج ومعايير للقياس وتطبيقاتها على ان تكون هذه الفرق لها من الاستقلالية والحياد وغير مرتبطة بادارة الجامعات موضع الدراسة وهنا نشير بالدور القيادي الذي تقوم به أجهزة ديوان الرقابة المالية التي دأبت منذ عقود على توسيع نشاطها في التدقيق والرقابة المالية والمحاسبية للحفاظ على المال العام اتجهت لتقويم كفاءة الأداء وضمان الجودة لمؤسسات الدولة ومنها الجامعات من خلال تطبيق معايير ومبادئ الشفافية في الرقابة والتقويم وفق معايير متعارف عليها دوليا ومنها Swot  وTqm  وكذلك منظمة الانترساي IDI حيث تصب مناهجها وبرامجها في قياس مدى الملائمة بين مواردها البشرية والمادية (مخرجاتها الداخلية) وتوظيفها بما يتناسب ومتطلبات البيئات الخارجية التي تعمل فيها للوصول الى اهداف ونتائج (مخرجات) ضمن منظور فلسفة كفاءة الاداء وضمان الجودة الشاملة للاداء الجامعي الذي يضمن تحسينالاداء وتطوره وبالتالي ضمان التنافس مع غيرها من الجامعات وبما يحقق لها المكانة المرموقة بين الجامعات العالمية.

الأمر الذي يتطلب التنسيق مع فرق العمل Team Quality Works تختارها الجامعات المؤهلة وفق المواصفات الآتية :

– من أصحاب الشهادات العلمية الأولية والعليا بالإضافة إلى امتلاكهم الخبرة والكفاءات في مجال الرقابة والتدقيق وتحليل البيانات والتقويم وصفة الإبداع والتميز والشجاعة في تشخيص حالات الانحراف والقدرة على الحوار وإقناع الآخرين ومقاومة التحديات والمغريات التي قد تأخذ طريقها إليهم للتأثير على قراراتهم .

– إيجاد وحدة للدراسات والبحوث الى جانب التدريب والتأهيل تكون مسؤولياتها تطوير العملية العلمية في الجامعات من خلال نشر بحوث وعقد الندوات وحلقات النقاش وورش العمل لمتابعة تنفيذ المناهج الدراسية وتطويرها والجديد من طرائق التدريس لرفع القدرات لدى التدريسيين بالاتجاه الذي يمكنهم من متابعة التطورات المتواصلة في أساليب الإدارة وتكنولوجيا المعلومات وصولا الى مخرجات التعليم الجامعي يمتلكون علوم ومعارف تحتاج اليها التنمية المستدامة في قطاعاتها المختلفة وهنا تبرز أهمية نشر ثقافة الجودة الشاملة وإشاعة القدرات التنافسية بين الجامعات والكليات الحكومية من جهة وبينها وبين مثيلاتها الأهلية التي أخذت اهتماما واسعا وخاصة بعد تشريع قانونها الجديد رقم (25) لعام 2016 والتي اصبح تميزها بالكثير من الظواهر السلبية وليس الايجابية في جوانب كثيرة ومنها امتحانات الرصانة العلمية الأمر الذي يتطلب الإسراع بتشكيل فرق تقويم علمية مهنية ومحايدة لتقويم كفاءة أداء هذه الكليات ومناقشة تقارير التقويم في ندوات يشارك فيها الإطراف المعنية بهذه الكليات (التعليم الأهلي وديوان الرقابة المالية والهيئات المؤسسة ومجالس الكليات ونخب مختارة من التدريسيين العاملين فيها).

– اعتماد عدة نماذج للقياس ومعايير كفاءة الاداء ضمان الجودة للتعليم الجامعي ومنها:-

– نموذج ادارة الجودة الشاملة اعتمادا على توجيهات الادارات العليا للجامعات والكليات مرورا بالاقسام العلمية والوحدات الادارية ومما يؤخذ على هذا النموذج انه يعتمد على تنفيذ قرارات صادرة له من جهات اعلا بعيدا عن  مناقشاتها مع الاقسام والادارات الوسطية أو الادنى.

– نموذج يعتمد على رؤى مقترحة من قبل الاقسام العلمية والوحدات الادارية على ان تمتلك مرونة من الصلاحيات ما يمكنها من تقديم المقترحات المطلوبة لعملية تطـــــــوير الاداء الجامعي وبالتنسيق مع الفرق المعنـــــــية بقياس كفاءة الاداء.

– لدى الباحث الكثير من هذه الظواهر على احدى الجامعات الرئيسية الحكومية وبعض الكليات الاهلية.

ويرى الباحث أن الأخذ بالنموذج الثاني سيكون أكثر فاعلية لأنه سيرفع بالافكار الجديدة للقيادات الشابة لتي تعمل وفق منظور المتغيرات والبيئات والظروف التي أخذت تسود العالم في ظل عصر تكنولوجيا المعلومات مع الاستفادة من تجارب القادة ورواد الإدارة ممن لديهم القناعة بأهمية فلسفة ادارة الجودة الشاملة التي تهدف الى الحداثة والتطوير تضمن تحقيق اهداف الجامعة ورسالتها التربوية والعلمية التي تعزز العلاقة بين :-

– العلاقة بين الجامعات ومستلزمات ادارة الجودة الشاملة

– العلاقة بين الأهداف الإستراتيجية للتعليم الجامعي مع متطلبات ادارة الجودة الشاملة

– العلاقة بين البيئات الخارجية للجامعات وتوظيفها لخدمة ادارة الجودة الشاملة

– العلاقة بين أجهزة الرقابة والتقويم وإجراءاتها وضرورة التعامل بشفافية مع مستلزمات إدارة الجودة الشاملة

يخلص الباحث الى ان يتطلع الى اليوم الذي يجد فيه جامعاتنا وكلياتنا الحكومية والاهلية فيها من التطور العلمي والإداري ما يحولها الى مراكز إشعاع ثقافي وعلمي الى جانب محافظتها على قيم مجتمعنا وان تأخذ مكانا متقدما في تقويم المنظمات الدولية وهذا يتطلب من قادتها الإداريين ان يرتقوا الى مستوى القادة الستراتيجية وعلماء فكر وثقافة بعيدا عن المنافع الشخصية ويعملوا مع جحافل التدريسيين الذين يعملون بمعيتهم لتكون مخرجاتهم من الطلبة مسلحة بمعارف وعلوم متقدمة يمكن الاستفادة منها في مؤسسات الدولة وهذا يعني ان تكون الستراتيجية في التعليم الجامعي تقوم على تنفيذ خطط نقل المعرفة لتحقيق أهداف في انتاج المعرفة وتطويرها ووضعها في خدمة المجتمع.

مشاركة