ترنيمة إمرأة .. شفق البحر

908

ترنيمة إمرأة .. شفق البحر

رواية في ثلاثة نصوص وبدايتين

ليث الصندوق

كل النصوص الحافة أو الموازية في رواية ( ترنيمة إمرأة .. شفق البحر ) للروائي سعد محمد رحيم سواء ( العنوان المزدوج أو الإهداء أو العناوين الداخلية أو قائمة الأعمال – السردية تحديداً ضمن سيرة المؤلف المختصرة – أو المقطع النصي المنتقى في الغلاف الأخير أو صورة الغلاف الأول أو صورة الغلاف الأخير ) كل تلك النصوص مثقلة بإشارات تحيل إلى البحر ، سواء بالذكر العام أو بالأسم المخصوص ، أو تحيل إلى مخلوقاته أو أجوائه ، وما عدا ذلك فأنها تحيل إلى السفر والاتجاهات بصورة عامة . مع ملاحظة أن صورة الغلاف الأخير هي ذاتها صورة الغلاف الأول ولكن بألوان معتمة ، وقد أضفى تجريد المشهد البحري من الإضاءة على البحر جواً ليلياً كئيباً ، ومنحه دلالات غامضة للحزن والانتظار .

والبحر في الرواية ليس هو فحسب ذلك الفضاء المائي الغامض الذي ركبه الراوي المشارك هارباً من حطام وطنه ، وملبياً الدعوة للحب ما بين سوسة التونسية وأيطاليا ، بل هو كائن حيّ يتجلى في شتى مظاهره وتحولاته كلما استدعته ذاكرة الراوي ، فلا عجب أن يتجلى في بغداد رمزاً للحرية في الأغنية التي ترنمت بها حبيبته حنان المصابة بالسرطان جراء حرب اليورانيوم التي شنتها قوات التحالف ( أنا بعشق البحر ، أنا بعشق السما . ص / 77 ) . ولبحر الأغنية هذا دلالة هي أعمق من من كونها مجرّد ردّة فعل صوتية آنية وطارئة ، إذ يتنقل البحر / الرمز الذي تتمخض عنه الاغنية مع الراوي من بغداد المحرومة جغرافياً من البحر ، إلى السواحل الايطالية المحاطة بالبحر المتوسط مع تجلي كلوديا / الحاضرة في مقام حنان / الغائبة . والمفارقة أن هذا التعويض الذهني ما بين الشخصيتين ساهم في تحريف دلالة البحر من كونه رمزاً للحرية حين تم استحضاره في مدينة بلا بحر / بغداد ، إلى كونه رمزاً للأسى والفقدان حين استحضره الراوي في مونولوج مغرق في شعريته – كأغلب مونولوجات الرواية – وهو ما يزال في إيطاليا بلاد البحر ( كلوديا في غلالة أول المساء تغني ، ويجرحني الأسى – أنا بعشق البحر – ويخضل جسدي بالمطر الناعم يهمي في عيني حنان في أقصى بغداد . ص / (95.

مذاق بغدادي

ومع ذلك فهو أسى بمذاق بغدادي وليس بمذاق إيطالي ، فقد استعاد بحر الأغنية على لسان كلوديا صورة حنان . ويبدو أن الغاية من اتجاه رحلة الراوي من ( السعدية في ديالى – طرابلس / ليبيا – سوسة / تونس – إيطاليا ) هي الابتعاد إلى أقصى حد من اليابسة باتجاه البحر ، فلكل طرف من طرفي ثنائية اليابسة / البحر دلالته التي تجعل الفروق بينهما تتجاوز السطح إلى البنى العميقة للتاريخ والثقافة .

للرواية بدايتان ، وقد جاءت كلتا البدايتين على لسان الراوي المشارك ( سامر ) ، إلا أن البداية الأولى لم يقرها الراوي رسمياً بل فرضها منطق السرد باعتبار أن لكل حكاية بداية ، وباعتبار أن الرواية نص لغوي حواري ( حسب باختين ) وأن الصوت المميز الأول الذي افتتح الرواية كان صوت الراوي الذي دفع إلى الواجهة بالجملة الفعلية من الفعل الماضي المتصل ب ( تاء ) الفاعل ( تعرفت ) ، أما النهاية المتصلة بهذه البداية فتتقاطع وتتداخل مع البداية الثانية التي سنأتي إليها لاحقاً . والمسافة ما بين البداية الأولى ونهايتها ثلاثة عشر سطراً الأولى من الرواية ، وتلك المسافة النصية لا يمكن عدها مروية وذلك لأن السيرورة التي تنتظمها توفرت على عنصري البداية والنهاية بينما افتقدت إلى العنصر الوسطي المتمثل بوظيفة تحقق ما توقعته البداية أو ما اصطلح على تسميته ب ( الحبكة ) .  والمروي له في النص المحصور ما بين البداية الأولى ونهايتها شخصية مبهمة وغير محددة ، ربما يكون القاريء ، وفي ذلك يختلف هذا النص عن النصوص الأخرى التي ستأتي بها البداية الثانية .

أما البداية الثانية فقد جاءت بإقرار وتحديد مقصودين من الراوي ( والكلام مع كلوديا مبتدأ الرواية . ص / 7 ) ? والنص المحصور ما بين البداية الثانية ونهاية الرواية أو نهاية المدونة فمكون من ثلاث روايات أو بالأحرى ثلاثة نصوص ، جاءت الثنتان الأخيرتان ( وسنطلق على أولاهما رواية الطيار الأمريكي ونطلق على الثانية رواية خالد إحالة للشخصيتين المحوريتين في كل منهما ) جاءتا متناسلتين من رحم الأولى ( وسنطلق عليها رواية كلوديا ) ولكن ضمن فضاءات تخييلية مغايرة حققت الانفصال التام عن مركزيتها ، من دون أن تعدم المسوغ من هذا التناسل عبر الاتصال في نقطة ما مشتركة بينها ، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً . وبذلك يحق لنا أن نميز ما بين المتن الروائي والمدونة ، وكالتالي :

ألمتن = ( البداية الأولى + النهاية الأولى ) + ( النص الأصل / نص كلوديا + النص الميتا الأول / نص الطيار الأمريكي + النص الميتا الثاني / نص خالد ) + النهاية الثانية

وبمعنى آخر أن المتن الروائي هو حاصل جمع كل النصوص المحصورة ما بين الغلافين . أما المدونة فتستثني البداية الأولى والنهاية الأولى لتتشكّل من النصوص الثلاثة إضافة إلى  النهاية الثانية . أي :

المدونة = النص الأصل / نص كلوديا ( بضمنه البداية الأولى ) + نص الطيار الأمريكي + نص خالد + النهاية الثانية

 والنهاية الثانية / نهاية المدونة ففيها يتحقق الحلم الذي من أجله سيعود الراوي من رحلة النسيان ( ولهذه التسمية دالة سنأتي عليها فيما بعد ) إلى جذوره ، وفيها سيعود كل الموتى إلى ذاكرة الراوي ( خالد وحنان والأم والأب القاسي ) ويعود كل الذين يجهل أين انتهت بهم  مصائرهم من زملاء المدرسة ورفاق الخدمة العسكرية ، ويعود معهم الأحياء أيضاً ، ولا ينسى في هذا الاستحضار الكرنفالي أن يستعيد حتى الأسير الإيراني الجريح الذي أخلاه إلى منطقة الأمان ( بهروز ) ليكتب كل هؤلاء معاً نصاً هو أقرب إلى الهذيان . أنه النص الضرورة الذي بدونه لم تعد الحياة ممكنة ( أكان بالمقدور أن نستمر أو أن نكون ، أن نحيا ونرحل ونأمل ونحلم من غير أن نحكي . ص / 240 ) ثمّ ( ما المعنى أن لم تكن لدينا الحكايات . ص / (240  . ولعل الفارق ما بين البدايتين هو في الكلام الذي تكتسب منه البداية مشروعيتها من الراوي ، فالبداية المنطقية الأولى كانت مجرّد تعارف مظهري بحاسة غير لغوية / البصر ما بين الراوي وكلوديا على سواحل سوسا في تونس ، ولأن هذا التعارف كانت يفتقد إلى اللغة / الكلام وهي أداة التواصل الرئيسة التي قرّبت ما بين الاثنين لذلك لم يقر الراوي رسمياً بهذه البداية وترك الأمر لنا نحن القراء الذين لم نبخسها بالتأكيد هذا الحق فهي قد مهدت الطريق إلى البداية الثانية / اللغوية ، وهي البداية الحقيقية ( إذ ذاك بدأنا أول رحلة الكلام ، والكلام مع كلوديا مبتدأ الرواية . ص / (7 .

ويبدو أن الراوي غير ملزم بالوقوف على الفارق ما بين طرفي الثنائية الألسنية (اللغة / الكلام ) بقدر ما هو معني بتحديد ملامح البداية الحقيقية لعلاقته مع كلوديا ، تلك البداية التي حركت مياه اللغة الراكدة في الذاكرة وبلبلت القيم والمفاهيم النظرية وأزالت الفارق ما بين اللغة والكلام ( تورط الذاكرة في لعبة اللغة ومكرها ، ومأزق اللغة وهي تتقصّى في متاه الذاكرة . ص / 7 ) بل أن تلك البداية جعلت من اللغة الطبيعية بصرف النظر عن جنسها وانتمائها المرجعي الأساس البنائي للعلاقة المقبلة ما بين الاثنين ، ففتح حدود التفاهم ما بين ثلاث لغات هو فتح لأبواب الحب أمام الراوي للدخول إلى عالم كلوديا :

1 – قالت أنها إيطالية ،

2 – تتقن الانكليزية جيداً ،

3 – وتستطيع التفاهم مع من يفهمها بالعربية . ( ص / (7

ولعل الراوي المشارك لا يُحكّم علاقته باللغة من أجل تحديد البداية فحسب ، بل أنه يمضي إلى أعمق من ذلك مانحاً اللغة قدرات حدسية فوق طبيعية لتخمين أسم صديقته الإيطالية الجديدة قبل أن تبوح هي له بإسمها ، مستعيراً لهذا التخمين قاعدة الأيقونة ( أو المثل )  السيميولوجية القائمة على مبدأ التشابه ما بين الدال والمدلول . فمن بين كل مفردات اللغتين العربية والانكليزية اللتين يجيدهما الراوي خمّن أن أسمها روز / الوردة واضعاً الدال / وردة في مواجهة المدلول / وجه ( وجهك يوحي بهذه الكلمة ، حين فوجئت بوجهك أمام ناظري وأنت تبتسمين هناك في وسط البحر ، قفزت إلى ذهني هذه الكلمة ، وردة تتفتح للشمس والبحر والهواء . ص / (8  وحين تكشف له أن هناك خللاً في التخمين وأن أسمها كلوديا وليس روز ، وهذا يعني أن ( داله ) لم يعد مطابقاً ل ( مدلولها ) هي ، عندئذ يصرّ على صحة استنتاجه من القاعدة السيميولوجية التي لا تكذب أبداً ، لكنه يعمد إلى تعديل طفيف على الدال من أجل التوفيق ما بين الدالين ، فيجمع كليهما في أسم واحد دامجاً بعض حروف الأسمين في سلسلة إحتمالية من الأسماء .

والولع باللعب على جسد اللغة – كما يحلو لكلوديا أن تعبر عنه – يبقى مقصوراً على الراوي الذي تخفق كلوديا في تخمين أسمه ، فهي لا تستعين بالقواعد اللغوية أو الماورائية ، بل تستعين بخزينها الثقافي الذي لم يسعفها مع كثرة الأسماء التي خمنتها . وبالرغم من إخفاق هذه المثاقفة اللغوية الحضارية في تخمين الأسمين ، إلا أنها قدمت دليلاً على أن الشخصية المهيمنة للراوي المشارك لا تعفيه من التسمية كما هو الحال في الكثير من الروايات ، وأن أسمه هو ( سامر ) . وبهذه التسمية تكون الرواية قد وفرت الملمح الأول لهذه الشخصية المحورية .

واللغة على اتساعها لا تُسعف الراوي أحياناً لينقل إلى كلوديا ما يمور في دخيلته ، ويعبر عن هذا العجز بجملة إستفهامية يستهلها بأسم الاستفهام الظرفي ( أنّى ) فاتحاً بها للقاريء أفق انتظاره وترقبه لمعرفة السر الذي يتكتم عليه ( أنّى لي أن أقول لها أنني جئت إلى هنا لألملم نثاري ، وأنتشل ما تبقى مني ، وأخرج من عبء موت شاسع في داخلي . ص /  (11  ومن الواضح أن الفعل في المقبوس ( جئتُ) يفصل زمن الحكي إلى قسمين ( ما قبل ) و ( ما بعد ) ، فالزمن الأول يبدأ من نقطة في الماضي لم يحددها الراوي ، وينتهي في لحظة وصوله إلى سوسة . بينما يبدأ الزمن الثاني من لحظة مجيء الراوي إلى سوسة ويمتد مع امتداد الأحداث التالية في الرواية . وتعقب الفعل ( جئت ) في المقبوس ، بل تتمخض عنه سلسلة ثلاثية من الجمل الفعلية المستقبلية مسبوقة بلام التعليل للفعل الأول ، تعوّض عنه واو العطف للفعلين الأخيرين ( ألملم / أنتشل / أخرج ) بضمير فاعل مستتر تقديره الراوي ذاته . وما يميز تلك الجمل أن العلاقات اللغوية في داخلها هي علاقات غياب تسببت بانزياح المعنى عن حالة المعيارية التي يتوقعها القاريء وبذلك لم يعد بمقدوره استيضاح القصد بتلقائية ويسر من جهة ، لكنها من جهة أخرى أفرزت بعض الظلال الدالة على وجود خطب ما في حياة الراوي الذي قطع كل تلك المسافات من أجل تبديده . ولتبيّن ظلال المعاني تلك سنقف على تحليل تلك الجمل:

ألجملة الأولى / ( ألملم نثاري ) :

فالفعل ( ألملم ) متضمناً فاعله المستتر وضع في موضع الضد من المفعول به في شبه الجملة من المضاف والمضاف إليه (نثاري ) ، لأن ما يُنثر ستتم لملمته ، ومن الواضح أن هناك حالة تهديم حدثت في الزمن الماضي ( ما قبل ) تعبر عنها المفعولية ، في مواجهة حالة بناء متوقع في الزمن الحاضر ( ما بعد ) يعبر عنها الفعل . ووجود حالة التهديم بحد ذاتها هي الموجّه الذي يُدلّ القاريء على الخطب المستتر في ماضي الراوي .

ألجملة الثانية / أنتشل ما تبقى مني :

هذه الجملة تتوفر على نوعين من العلاقات ، الأولى علاقات تناظر دلالي وليس تركيبياً مع الجملة الأولى التي سبقتها ، وهذه العلاقة تشكلت من وضع الفعل ( أنتشل ) في الجملة الثانية في مواجهة الفعل ( ألملم ) في الجملة الأولى ، ووضع ( ما تبقى مني ) في الجملة الثانية في مواجهة ( نثاري ) في الجملة الأولى . والعلاقة الثانية هي علاقة تضاد في داخل الجملة ذاتها تم التعبير عنه من خلال وضع الفعل ( أنتشل ) الذي يعبر عن حالة إنقاذ وتخليص ، في مقابل الجملة الموصولة ( ما تبقى مني ) التي تشير إلى حالة فقد وضياع .

ألجملة الثالثة / أخرج من عبء موت شاسع في داخلي :

وهي الجملة الأطول من الأخريين والأكثر إيغالاً في حالة الانزياح ، ومع ذلك فأن تحليلها اللغوي والدلالي يضعها في حالة تقابل وتناظر مع الجملتين السابقتين عليها . فالعل المضارع ( أخرج ) يدل على الرغبة في التحرر من قيد المكوث ، والتدليل على طبيعة هذا القيد ساقته شبه الجملة التالية التي تموضعت في مقام المفعولية ( من عبء موت شاسع في داخلي ) وبذلك فالفعل ( أخرج ) يناظر الفعلين السابقين ( ألملم / أنتشل ) بينما شبه الجملة ( من عبء موت … الخ ) تناظر شبه الجملة ( نثاري ) وتناظر في الوقت ذاته الجملة ( ما تبقى مني ) .

وما نكاد نتجاوز حالتي الغياب والانزياح تلك حتى يوفر لنا الراوي المفتاح الذي يفك تلك المغاليق اللغوية والدلالية وهو يقف مع كلوديا عارياً – أو ربما يقف كلاهما عاريين – في مواجهة البحر فيكون عري الجسد مناسبة لكشف أسرار الروح ( خمس عشرة شظية ناعمة الآن تحت هذه الندوب التي تداعبها أصابعك . ص /  (11    و ( بل ست وثلاثون أو أكثر ، شظايا قنبلة من العيار الخفيف أستخرجوا حفنة ، وبقيت خمس عشرة . ص /  (39  وبهذا يكون الراوي قد تخلى لكلوديا ولقارئه معاً عن المفتاح الأول الذي سيفتح خزانة الأسرار ويُمهّد لمعرفة أسباب الحطام الروحي الذي ينوء تحته والتي ساهمت في جعل هروبه من وطنه هدفاً .

صياغة اسباب

ثم تتوالى الإشارات / المفاتيح التي صاغت بمجملها الأسباب والأهداف معاً :

–        هل عرفتِ ذلك الإحساس الحاد الباهظ والمؤسي بالفقدان . ص / 15

–        تخرجني من نزيف الليل ، من وحشة المكان ، من هذا التيه المديد ، ومن نحيب الروح ، من ظلالي الكئيبة وفزع الأحلام . ص / 25

–        أبحث دوماً عن مكان آخر هرباً من مكاني ونفسي . ص / 26

–        ما الذي تُخفيه ؟ أيّ سرّ ؟ أيّ عذاب ؟ وما الذي يُضنيك ، ويُبهظ روحك ، كأنك خارج من محنة ، أو هارب من خطرمداهم ؟ ص / 28

–        أرى رفّة الحزن فيك حتى في ساعة متعك وانشراحك . ص / 29

وسرعان ما يتبدّى الهدف الثاني لضياعه عبر الجغرافيا والذي يتوافق مع البداية الثانية اللغوية / الكلامية التي سبقت الإشارة إليها ، فالراوي قد جاء إلى سوسة ليكتب ( ص / (12 . وهذا هدف يستحق أن يثير حيرة وشك كلوديا التي بدأت تدرك تدريجياً أنها دخلت في علاقة حب لغوية – إن جاز التعبير – مع كاتب تُشكّل اللغة إحدى أهم مجساته لاكتشاف العالم . ولا عجب أن يكون تهريبها له إلى إيطاليا عبر السفينة التي يملكها أبوها كان بهدف إُخراجه من حطام عالمه ، وإدخاله إلى نعيم عالمها من أجل أن توفر له فرصة أن يستلهم من العالمين مادة مشتركة لبناء عالم لغوي ثالث هو عالم روايته المقبلة ، أو روايتيه المقبلتين كما سنكتشف ذلك بخلاف ما كان قد وعد . وسرعان ما يتبيّن أيضاً أن الهدفين السابقين ( ترميم حطام الروح وكتابة الرواية ) ليسا سوى ممرين يُفضي التقاؤهما إلى هدف واحد هو النسيان ( لكن ما ستعجبين له هو أنني في نهاية المطاف ربما أبغي النسيان ، أن أدخل ذاكرة الورق والحاسوب ، أن أدخل ذاكرة كل رجل وكل إمرأة ، وكل جيل وأن أنسى . ص / (63 . والذاكرة مزدحمة بالمحطات المقترحة للشطب والنسيان :

–        نسيان مآسي الحروب العبثية .

–        نسيان الطفولة الشقية في ظل أب قاسٍ وظالم .

–        نسيان كوارث الحصار وانغلاق أبواب الأمل .

–        نسيان الميتة الفاجعة لحنان المصابة بالسرطان .

كل هذه المنضومة المركبة من المحطات تشكّل ذاكرة الراوي ، وبشطبها أو نسيانها يكون الراوي قد شطب على نفسه أيضاً . وبذلك لا تتبقى منه ، ولا من ذاكرته أو ماضيه سوى الرواية (أن تحضر الرواية ، وأن أتوارى أنا . ص / (63  . أنه الوجه الآخر من نظريه ( موت المؤلف ) ربما يصح أن نسميه ب ( قتل المؤلف ) لأن حالة الغياب في القتل واعية ومقصودة ، وتتطلبها حالة الإبقاء على البديل / الرواية .

وما كان النسيان سيغدو هدفاً سواء بالنسبة للراوي أو لصديق طفولته خالد أو للطيار الأمريكي لولا الحروب ، فهي التي أوجدت الكوارث ، وأوجدت معها النسيان كمسكّن وهمي وزائف ، ولكن يبدو أنه حتى لهذا المسكّن سطوته وقوته بالنسبة للراوي ، وان تلك القوة والسطوة قابلتين للتوجيه حسب إرادة الضحايا وليس حسب إرادة القتلة ، لذلك فهو كضحية يسمح لنفسه أن يستعين بقوة النسيان للهروب من مآسي الماضي والموت والكوارث ، إلا أنه يرفض للنسيان أن يُتخذ وسيلة لتقليل ألآم القتلة ومسح ذاكرتهم ، وتعبيراً عن هذا الرفض فهو يُجرّد النسيان من قوته وسطوته حين أراد الطيار الأمريكي الاستعانة به لمواجهة الموت : –       أنتَ تُسرف في الشرب

–        لأخدع الموت

–        ألموت هو الشيء الوحيد في الوجود الذي لا يمكن خداعه

–        يمكن نسيانه

–        هو لا يُنسى

( ص / (171

والنسيان الذي يجد مسوغه في المعاناة التي عاشها الراوي ، والذي يتحوّل إلى  فعل هروب لا يلبث في النهاية – وبعد أن يتحقق الهروب – أن يثير – ومن دون مسوّغ منطقي ولا إبداعي ، ولكنه ربما يكون بحثاً عن حلم قديم – في الراوي المشاعر النقيض . ولذلك يقرر العودة إلى الجذور ( أما أنا فسأخوض البحر المتوسط بحثاً عن حلم قديم ما زلت أؤمن أنه عالق بهدب بغداد . ص / (229 .

بموت حنان يكون الفراغ في المعادلة الوجودية والابداعية بحاجة للتعويض عنها بولادة جديدة لمولود جديد ، وهذا المولود يتمثل بالرواية المنتظرة للراوي ، أما هذه  الولادة فهي ذات طبيعتين بايولوجية وبلاغية معاً تزول فيها الفواصل التي وضعها رولان بارت ما بين الرواية والحياة ، والخيال والواقع ، ويتمازج فيها الحبر والورق مع اللحم والدم . فبعد مخاض طويل وعسير يضع الراوي الخطوط الأولى لروايته ، ويكون موت حنان هو نقطة الاتصال ما بين النص الميتاسردي الجديد والرواية الأصل التي سنسميها رواية كلوديا أو نص كلوديا . ومن أجل تمكين الراوي من تحويل هذه النقطة إلى بؤرة تنير المناطق المظلمة وتدل على المناطق الواقعة خارج حدود البصر ، كان لزاماً عليه أن يبدأ البحث عن الإبرة في جبل من القشّ أو البحث عن القاتل المفترض – الذي لا يملك أية قرينة تدل عليه باستثناء خصب الذاكرة – بل أن صفة الإفتراض الملحقة به تجعل من المستحيل الاهتداء إليه ، وهذا القاتل هو الطيار الأمريكي الذي ألقى قنبلة اليورانيوم المنضب التي تسببت في إصابة حبيبته حنان بالسرطان ، وتتبّع مسير حياته في بيئته الأم متوغلاً في اعمق منطقة من فضاء التخييل .

والغريب أن الوصول إلى هذا القرار السحيق من منطقة التخييل يضع المتخيّل في مواجهة الواقع ( لطالما فكرت بالرجل الذي أطلق ذلك الصاروخ اللعين ، والذي من ذراته أصيبت حنان بمرضها ، كما لو أنني أراه الآن ، أتخيله حتى ليكاد أن يغدو أشدّ حقيقة من أي من هؤلاء الذين يجلسون في المقصف . ص / (100  ولكي يُقنع الراوي كلوديا / المروي له بأن الرواية الميتا الثانية التي هو بصددها لا تعدو أن تكون إنعكاساً أو ارتداداً لصوت أو صدى الرواية الأصل بما يحرمها من احتمال أي ربط مع الواقع ويجعلها نوعاً من اللعب على الورق ، لذلك فالخطوة الأولى الموازية للحقيقة والمتقاطعة معها في ذات الوقت هي أن يؤكد على أن ما يقدم عليه هو ضمن شروط اللعب ، ثم يباشر بعد ذلك بتحديد المواصفات الشخصية للطيار الأمريكي في لحظة الكتابة ( الآن ) المرتبطة عضوياً بصفته (كشخصية روائية ) بما يعني أنه ليس هو – نفسه – قبل هذا التحيين ، فعالم الحكي لم يكن قد أوجده بعد بالرغم من احتياله على زمن الايجاد هذا من خلال تتبع سيرورة حياته بدءاً من سن العاشرة ، لأن تلك السيرورة القبلية لا علاقة لها بالشخصية الروائية المرتهنة إلى لحظة الآن . ولكن الطيار الامريكي / مايكل هو بالتأكيد ذاته بعد هذا التحيين ما دام تيار زمن السرد ما زال مستمراً بالتدفق بدءاً من لحظة الآن مانحاً أياه دور شخصية روائية (مايكل الأن ، شخصية مختلفة ، شخصية في رواية . ص / (101 .

بدءاً من الفصل الموسوم ( حين دخل مايكل ونيكول روايتي ) يشهد السياق تحولاً تدريجياً عن النص الأصل أو عن ( روايتي ) كما ورد في عنونة الفصل ، دون أن يتسبب هذا التحول بقطيعة مفاجئة وحادة عنه أو عنها . فالنص الجديد المختوم بإسم الطيار الأمريكي / القاتل المفترض – مايكل ، وصديقته نيكول هو بشهادة الراوي ليس كل الميتارواية الموعودة بتمامها وكمالها ، بل هو ( نتف وقصاصات وملاحظات ومشاهد مبعثرة . ص / (226  . وقد واجهت الراوي عدة معضلات سردية في كتابته ، وفي لمّ هذه البعثرة وفي مقدمة تلك المعضلات أن النص الجديد يتطلب – كما أشرنا سابقاً – بحثا وتقصباً في فضاءات مكانية لا نهائية عن شخص لا يعرف منه حتى إسمه . ولعل الحلول التي وضعها الراوي لمعالجة هذه المعضلة تمثلت بخيارين : الأول اعتمد لعبة سردية معاكسة أغنت الراوي عن حملات البحث في جبل القشّ ، وجاءت بالإبرة إليه حيث يُقيم مؤقتاً في إيطاليا . أما الخيار الثاني ، فيتمثل باستثمار طاقة المصادفة التي وضعت الطيار في مواجهة الراوي بتوسط شخصية ثالثة طارئة / الطبيب الامريكي روبرت ، وتلك الشخصية قادت لعبة المصادفة لعقد لقاء مفاجيء مع الطيار الأمريكي عبر شبكة علاقات ثنائية أو ثلاثية الأطراف  :

روبرت – كلوديا

كلوديا – الراوي

روبرت – الطيار الأمريكي

روبرت – كلوديا – الراوي

روبرت – الراوي – الطيار

يمتاز النص الميتا الجديد / نص الطيار الأمريكي بتدفقه المتقطع والمتداخل بالنص الأصل مع احتفاظ كل نص باستقلاليته عن الآخر . ولكنها استقلالية لا تدوم ، إذ سرعان ما يتولى الراوي مناوبة كل من كلوديا مرة والقاري ( أو بالأحرى مجموعة القراء ) مرة أخرى على إداء دور المروي له ، محاولاً الدفاع عن نفسه أمامهم ، وكسب ثقتهم التي قدّر أنه ربما سيفقدها جراء العلاقات التلفيقية التي يقدم على عقدها بين الشخصيات ( ستتهمونني بالتلفيق ، حسناً أليس العمل الروائي برمته في نهاية المطاف محض تلفيق طالما هو وليد المخيلة . ص / 153  ). والغريب أنه لا يكتفي بمنح كلوديا دور المروي له ، بل أنه ينقلها مع دورها ذاته من الرواية الأصل إلى روايته الميتا ، وبهذا التداخل تتسع الرواية / المتن وتصبح بنية إطارية داخلية تضم عدة بنى سردية مشتركة مع بعضها سواءً في الشخصيات أو في الأحداث . تبرز في نص الطيار الأمريكي ظاهرة تعدد الخطابات ، بشكليها الخطابات الداخلية والخطابات الخارجية ، فالخطابات الخارجية جاءت أشبه بالتلصيق ( الكولاج ) وذلك بانتقاء خطابين من كتاب توثيقي ( توصيف حالة التعرض لليورانيو المنضب ) لـ (دان فاهي ) كشهادتين خارجيتين الأولى على الأثار السلبية لليورانيو المنضب على السكان المحليين ، والثانية على أفراد قوات التحالف .أما الخطابات الداخلية فتمثلها الرسالة التي أرسلها الطيار الأمريكي عبر البريد الألكتروني إلى الراوي ، وهي رسالة طويلة نسبياً استغرقت ست صفحات من النص ، حاول فيها مرسلها أن يُسوغ ما حصل ، ويفلسف دور القاتل ، ثم يختمها بالاعتذار وطلب الغفران . ولكن الراوي لا يملك دليلاً على صحة ادعائه بتسلم الرسالة ، ولا دليلاً على صحة الاعتذار لأن الرسالة مُسحت لسبب مجهول من ذاكرة الحاسوب .

وفي موقعين – على الأقل – شهد هذا النص قطعاً إستثمره الراوي لإنجاز عدة وظائف منها  :

–        إما لتأكيد قصدية الميتا رواية (هاأنا ألاحق شخصياتي المبتكرة بسلطة الراوي كلي العلم . ص / (108

–        أو لتنشيط وتفعيل دور المروي له (سأتخيل مايكل ذاك في طائرته ، لا تضحكي كلوديا ، لستُ ثملاً . ص / (101

–        أو لضخ مفاهيم وقيم وأفكار نظرية في الكتابة والسرد تشتغل في إتجاهين ، الأول باتجاه الرواية الأصل ، والثاني باتجاه الرواية الميتا ( ولكن يجب أن تعرفي أن الخيال هو مقولة الواقع أيضاً ، ومقولة التاريخ ، لا شيء ينبع من العدم . ص / (101  ومن البدهي أن وجود كلوديا في المقبوس ضمن اشتغال الفكرة النظرية بالاتجاهين ، الرواية الأصل ، والميتا رواية باعتبار أن كلوديا شخصية مشتركة فيهما.

نص الطيار

ومن الظواهر التي تواجهنا في النص الميتا / نص الطيار الأمريكي ظاهرة الاسقاط المتقابل للشخصيات والأحداث مع نص كلوديا حتى ليبدو النصان أحياناً وكأنهما نص واحد يستعيد أحداثه وشخصياته بأكثر من شكل ومظهر :

–        عُمر صديقة الطيار الأمريكي / القاتل المفترض نيكول يقابل عمر حنان ( أما نيكول ، صديقة مايكل ، ولنختر لها هذا الإسم ، فولدت في اليوم ذاته الذي ولدت فيه حنان . ص / (101 . هذه المقابلة العمرية ما بين صديقة القاتل وضحيته هي محاولة لإجراء موازنة على الخسائر والأرباح ، ألخسائر بالنسبة للضحية / حنان ولحبيبها الراوي ، والأرباح بالنسبة للطيار ، بالرغم من عدم إنسانية هذه الموازنة لأنها مرتهنة بأعمار الناس وأرواحهم .

–        ألكوابيس التي صارت تؤرق الراوي جراء موت حنان / الضحية ، تقابلها الكوابيس التي صار يشكو منها الطيار الأمريكي / القاتل المفترض

–        الأورام ألسرطانية التي أصابت حنان / الضحية ، يقابلها المرض الغامض الذي صار يعاني منه الطيار / القاتل المفترض

–        إنفلات النص / الميتا وفقدان مركزيته جراء تمرّد الشخصيات ضد إرادة وسلطة المؤلف / الراوي ( ص / 109 ) يقابل إنفلات الرواية الأصل وفقدان مركزيتها جراء تناسل النص الميتا منها .

–        دور الطيار الأمريكي كقاتل مفترض في الميتا رواية يتقابل مع دور الراوي ( في الرواية الأصل ) ليس كضحية هذه المرة ، بل كقاتل مفترض أيضاً ، وهذه الرؤية المتقابلة لم تكن بحسبان الراوي قبلاً لولا أن نبهه إليها الطيار الأمريكي . فالراوي أيضاً سبق أن كان جندياً في حرب أخرى ( مع إيران ) والحرب ، كل حرب تصنع القتلة كما تصنع الضحايا ( … وأنت كذلك لست بريئاً / 178 ) و ( … ولا تنسَ أنك أيضاً مسؤول عما حصل ، وأنت أيضاً بحاجة إلى العزاء والغفران . ص / 178  ).

وعلى عكس النص الميتا الأول / نص الطيار الأمريكي الذي سبقته عدة إشارات تمهيدية بدأت تتواتر مع بداية النص الأصل ، إلا أن النص الميتا الثاني / والذي سنطلق عليه نص خالد خرج فجأة من دون أية استعدادات كتابية ونذر تمهيدية ، ومن دون أية تلميحات إلى النية في إفراد نص مخصوص بخالد رفيق طفولة الراوي وفتوته ، بالرغم من أنه قبل هذا النص ، وبعده أيضاً أسهب في استرجاع هذه الشخصية . ولكن نص خالد المعنون باسمه ( خالد في الصحراء ) لا علاقة له بماضي خالد كما يوهم العنوان ، بل بما انتهت إليه مسيرته الحياتية هارباً وضائعاً هو الأخر بعد صديقه الراوي من خراب وطنه . ولعل مفردة الصحراء في عنونة الفصل تلمح إلى المصير المأساوي إلذي انتهت إليه مسيرته .

شخصية هلامية

ألراوي في نص خالد شخصية هلامية ، غير محددة بوضوح ، ومع ذلك فهناك ثمة إشارات متأرجحة وقلقة تضع هذه الشخصية في دائرة التساؤل ، وربما يُبيح تأرجح تلك الإشارات ما بين الغموض والوضوح تأويلها بأن الراوي هو ذاته ( سامر ) في النصين ( الأصل و الطيار الأمريكي ) . ولكن الفارق ما بين طبيعة شخصية الراوي في نص خالد عما سبقه أنه هنا راوٍ مفارق ، يرصد تحركات خالد في متاهات الصحراء دون أن تكون له أية مشاركة له معه فيها .

أما شخصية خالد في هذا النص أو ما يمكن أن نسميه بشخصية خالد في التيه ، فهي مفارقة تماماً لشخصية خالد التي أسهب الراوي في التعريف بها من قبل / ومن بعد أيضاً من داخل فضائها المكاني / السعدية في ديالى  ، فكأن الشخصية الروائية تُمسخ أو تُستبدل بالنقيض حين تغادر فضاءها الأم ، متخلية عن كثير من ملامحها المميزة ومستعيرة ملامح ليست لها . وتلك ملاحظة جوهرية يمكن تأكيدها في التغيير الذي طرأ على شخصية الراوي أيضاً بعد وصوله إلى إيطاليا ، مع تبيان أن طبيعة التغيير ارتبطت سواء بالنسبة لخالد أو بالنسبة للراوي بطبيعة المكان الجديد ، فانغلاق شخصية خالد في المكان الجديد / التيه مقارنة بشخصيته المتفتحة المرحة في بيئته الأم تجد نقيضها في الراوي الذي انتقلت شخصيته من الانغلاق تحت تأثير ظروف الحرب والحصار في وطنه إلى الانفتاح في البيئة الأوربية الجديدة ، بالرغم من أن هذا الانفتاح لم يجلب له السعادة التامة ، وتلك قضية أخرى ، ولذلك قرر العودة .

{ ترنيمة إمرأة .. شفق البحر – رواية – سعد محمد رحيم – دار فضاءات للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى / .2012

مشاركة