خمس معادلات شعرية عن علاقة الجنسين

534

 بين قصيدة النثر والقصة القصيرة جداً

خمس معادلات شعرية عن علاقة الجنسين

عبد الله بن ناجي

فاتحة المقال

في قراءة تبدو قصيدة النثر قصة قصيرة جدا، وفي أخرى تبدو القصة القصيرة جدا قصيدةَ نثر، ذلك أن العديد من المكونات البنائية التي يتأسس عليها وجود هذين النوعين في الكتابة تكاد تكون واحدةً في العديد من التجارب المعاصرة التي زاوجت في اشتغالها بين الكتابتين الشعرية والسردية. من الأسماء التي تلفت الانتباه في هذا السياق، الشاعر والقاص عبد الله المتقي، الذي راكم مجاميعَ شعريةً وقصصيةً تسمح بعقد مقارنة بين صيغتي الكتابة. إلى الآن يبدو الطرح مستغلقا، أو قل: إلى الآن لم أقل شيئا؛ لكنني سأبسط وجهة نظري من خلال النظر في متون دواوينه الشعرية ومجاميعه القصصية، معتمدا على البنى التركيبية والدلالية التي تشكل أساس صياغته النصية.

المعادلة الأولى: التكثيف والإيجاز في البناء النصي.

الملاحظة الأولى التي تطالعنا عند الوقوف على نصوص الشاعر والقاص عبد الله المتقي شعرا أو سردا، هي مسألة الحجم؛ ذلك أن مجمل النصوص لا تتعدى الصفحة الواحدة، بل ويتقلص النص أحيانا إلى حيّز لا يتعدى الجملة أو الجملتين، مما يجعل من البياض سمة مشتركة هنا شعرا وهناك سردا. وقبل الإفصاح عن الآليات التي تؤسس لهذا البناء، أعرض نموذجين أجعلُ منهما مُتكأً لبيان أوجه المعادلة.

 1.النص الأول: قيس

كتب للعامرية

وبثقة عمياء:

سأجن لألف قصيدة قادمة.

 2.النص الثاني:أرق

«علق معطفه على المشجب

خلع قبعته، ولبس منامته

تحت الفراش، شعرت المنامة بالدفء

احمرت عيناها، و.. نامت

فيما ظلت عيناه جاحظتين في ظلام كفيف .

النص الأول من ديوان: مساؤك بارد كالخيانة، بمعنى أننا أمام نص شعري؛ والثاني من مجموعة: مطعم هالة، الموسومة بقصص قصيرة جدا، وهو ما يعني أننا أمام نص سردي، لكن المقطعين معا اعتمدا الإيجاز في العبارة، وتكثيف المعنى، فالتعبير عن حالة الحب وديمومته في النص الشعري تم بجملة واحدة، تتخللها جملة اعتراضية، توزعت عبر ثلاثة أسطر شعرية، تختزل المعنى المأمول إبلاغه؛ والتعبير عنحالة الأرق، في النص القصصي، تم بسبع جمل مقتضبة ملأت بياض سبعة أسطر بمعدل جملة إلى جملتين في السطر، متجاوزا الإطناب في الوصف، مكتفيا، في أغلبها، بالعناصر الأساسية للجملة (فعل فاعل مفعول)؛ أي نعم، قد تختلف الآلية سردا أو شعرا باعتماد التجاوز والحذف في القص والتكثيف المجازي والكنائي في الشعر، إلا أن المحصلة على مستوى المبنى واحدة، وفي كليهما كان الشاعر مُوفّقا في تصوير حالة العشق، كما كان القاص موفقا في تصوير حالة الأرق.

المعادلة الثانية: التوزيع النصي.

إن نصوص أعمال الشاعر والقاص عبد الله المتقي تعتمد توزيعا نصيا عموديا للجمل الشعرية والسردية على السواء، وقلما يلجأ إلى التوزيع الأفقي،حيث ولجت الصيغة المعتمدة في توزيع الجمل الشعرية المتداولة لدى شعراء التفعيلة وقصيدة النثر إلى ساحة السرد من باب القصة القصيرة جدا.ومما لا شك فيهأن العودة إلى السطر في النص الأدبي تتحكم فيه مقتضيات ذات أبعاد دلالية، فالاسترسال في الكتابة خطا، ليس هو ذاتُه حين يكتفي الشاعر أو القاص بجملة مقتضبة تامة المعنى، يَستأنِفُ ما بعدها، في السطر الموالي، عمليةَ صياغةِ النسيج الكلي للنص. وبالرجوع إلى النصين السالفين يتبين أن تنظيم الوحدات والجمل في كليهما اعتمد الصيغةَ ذاتها؛ أي تأثيث الفضاء النصي وفق توزيع شعري، يجعل من الصعب، إذا ما أغفلنا عتبات التجنيس، الفصلَ بين الشعري والسردي أثناء قراءتهما. وللأمر أبعاد دلالية وتداولية مترابطة، تبرز الأولى في تخليص الجمل من تعدد التأويلات المحتملة؛ والثانية في توجيه انتباه القارئ لأجل تتبع المسار الدلالي المقصود.

المعادلة الثالثة: دلالة الخطاب الإيحائي.

إن التكثيف الدلالي الذي تستند إليه الطبيعة الاختزالية للجنسين: قصيدة النثر والقصة القصيرة جدا، ينسجم مع آليات الخطاب غير المباشر، إذ يعتمد الجنسان على الإيحاء بالمعنى المراد تبليغه، بدل الإغراق في الشرح والمبالغة في الوصف والاسترسال القائم على المعنى الحرفي؛

وفي ما يلي نموذجين يوضحان طَرَفَيْ المعادلة:

 1.النص الأول: رتابة الوقت

صديقي الطيب حميد

قال لي: الأحد كالسبت

ليس لدينا ما نفعله.

 2.النص الثاني: مساء العيد

«عاد الطفل إلى البيت جذلانا

بماله وملابسه وقبل أن تضع أمه مائدة العشاء يلاحقه صوتها:

هيا.. اخلع ملابسك للعيد الماجي» .

إن التعبير عن حالة الفراغ التي يروم النص الشعري تصويرها لم يَرِدْ بالدلالة الحرفية للمنطوق، بل وَرَدَ إيحاء من خلال المعنى الثاني المحتمل المتضمن في للنص، وكذلك الأمر في النص القصصي حيث أن توصيف حالة الفقر التي تعاني منها الأسرة غير وارد في صريح اللفظ لكنها قُدِّمَ إلى القارئ تلميحا؛ والملاحظ في هذا البناء الإيحائي أن العبارة الأخير في النصين كليهما: الشعري (ليس لدينا ما نفعله)، والقصصي (اخلع ملابسك للعيد الماجي) هي ما يتضمن المعنى الإيحائي المقصود.

المعدلة الرابعة: الإيقاع الداخلي للنصوص.

الإيقاع الداخلي مكون بنائي في استراتيجية البناء النصي لقصيدة النثر، لكن هذا المقوم الشعري أصبح حاضرا بقوة التداول في النص القصصي القصير جدا؛ بلورة الإيقاع الداخلي على مستوى البناء تتم بصيغ شتى، أساسه الأول، وليس الوحيدَ طبعاً، التكرير أو التكرار: تكرار المقاطع الصوتية وتجاورها أو تكرار الكلمات والجمل أو تكرار الصيغ الصرفية.. وغيرها من الصيغ التي تسمح بخلق توازياتٍ في فضاء النص؛ للوقوف على المعادلة الإيقاعية بين قصيدة النثر والقصة القصيرة جدا في تجربة الشاعر والقاص عبد الله المتقي أعرض الشـــاهدين الآتيين:

 1.النص الأول: مقهى الغروب

«ماذا تركت مقهى الغروب للبحر؟

غير امرأة بلا مستقبل

وقصائد نرويجية لثورن بورجي

ترفرف لها الأوردة من تحت الجلد

ماذا تركت مقهى الغروب للبحر؟

غير ولاعة زرقاء

أوراق مهترئة

جنون Roman Kovar

وعلبة سجائر خضراء (…)» .

 2.النص الثاني: أنفاس

«الصباح مضرب عن مائدة الفطور، بمقهى محطة البنزين، فقط،

رجل في جيب قميصه مسودةٌ مطويةٌ بعناية

المسودة قصة؛

القصة أنفاس؛

الأنفاس مستقطعة من زمن ولى.

اليوم الجمعة،

ولمساء الجمعة قلبان صغيران» إن الآليات الإيقاعية تتعدد داخل النص الواحد من النصين المقترحين، لكنني لستُ مَعْنيّاً، هنا، بالإيقاع الداخلي داخل كل نص على حدة، بل غايتي القُصوى هي الكشف عن هذا المشترك الذي يجول هنا شعرا وهناك سردا. وكما أسلفتُ الذكر آنفايُعدّ التكرير بؤرة الإيقاع الداخلي في نصوص الشاعر والقاص عبد الله المتقي؛ في النص الشعري (مقهى الغروب)، عمد الشاعر إلى تكرار جملة الاستهلال (ماذا تركت مقهى الغروب للبحر؟) مما سمح بخلق التوازي الإيقاعي بين مقاطع النص، ولمحة تأمل عابر للجانب الصوتي داخل النص ذاته نلاحظ سيادة وحدات معجمية تبتدئ بالصامت ذاته متبوعا بصائت، أو بمعنى آخر تقريبيٍّ وَفْقَ كتابةٍ عروضية (حركة يليها سكون)، من ذلك وحدات (ماذا، مقهى، مستقبل، مهترئة..)، إذ يُشكل التجاور بين حرف الميم المتحرك باعتباره صامتا، متبوعا بحرف ساكن آلية إيقاعية داخلية تعتمد المشاكلة؛ والأمر ذاتُه نجده حاضرا بقوة في النص القصصيّ (أنفاس)، حيث يشكل تكرار بعض الوحدات المعجمية مع تناوب في التنكير والتعريف (مسودة، المسودة، قصة القصة، أنفاس، الأنفاس) بنية إيقاعية تمنح النص انسجاما تركيبيا ودلاليا، كما أن التكرار الصامِتِيَّ والصائِتِيَّ على مستوى الأصوات يُسهم في بلورة هذه البنية، بشكل يكاد يتماهى مع ما ألفيناه في النص الشعري، من ذلك وحدات (مُضْرِب، مَقهى، مُسودة، مُستقطعة). إن حضور المقومات الإيقاعية ذاتِها على مستوى النصين الشعري والقصصي يجعل منهما معادلة ذاتَ حَدَّيْن متساويين على مستوى البناء الإيقاعي شعرا وسردا.

المعادلة الخامسة: الصورة الكلية.

تقدم نصوص الشاعر والقاص عبد الله المتقي صورة كليّة، حيث إنّ مكونات النصوص الجزئية لا تحمل غاية في ذاتها، وإنما هي لبنات لمشهد كلي عام لا يدرك القارئ معناه ومغزاه إلا في شموليته، ومتعة التلقي لا تَحصلُ إلا بعد قراءة آخر تفصيل من تفاصيل النص. لتوضيح بنية هذه الصورة الكلية أقدم نموذجين، الأول نص شعري والثاني نص قصصي:

 1.النص الأول: في المرآة

يمينا…

ثمة صديق شاعر

يكتوي بحرقة القصيدة

يسارا…

ثمة رفيق

يحلم بشمال أبعد

بينهما كومة رماد

وثمة كؤوس باردة»

 2.النص الثاني: مكيدة

(الأشجار حافية من العصافير، الممرات تصطبغ بأوراق صفراء، فقط، رجل متقاعد يتأمل خريف الحديقة، ويتحايل على الموت بعصافير شاحبة، وبأطـــفال يتقافزون فوق العشـــــــــب كما السناجب).

إن الصور الجزئية الواردة بالنصين هي نسيج متكامل يُشكل مشهدا كُليّا، تسهم في بنائه مكوناتٌ ذاتُ طبيعة سردية: الفضاء وما يتضمنه من أمكنة (يمينا، يسارا، شمال، بين، الممرات، فوق)،والحركة النفسية أو الفزيائية التي تدل عليها الأفعال الواردة في النصين (يكتوي، يحلم، يتأمل، يتحايل، يتقافزون)، والوصف (كومة رماد، كؤوس باردة، الأشجار الحافية، الأوراق الصفراء..)، وهي تفاصيل لا تحمل من القيمة إلا مقدارَ إسهامها في رسم اللوحة التصويرية للنص؛ هذا النّحوُ نحوَ بناء صورة كلية في النصين: الشعري والسردي، يسمح بجعل هذا المنحى (أي الصورة) أساسا في المعادلة بين قصيدة النثر والقصة القصيرة جدا.

خاتمة المقال

إن ما سبق القولُ به لا يعدو أن يكون إشاراتٍ وتأملاتٍ لا أدّعي أنني أتيتُ بمُنتهاها على مستوى البحث، إذ لا شك أن هناك من المقومات المشتركة الشعرية والسردية على السواء، بين قصيدة النثر والقصة القصيرة جدا، مما لم آتِ على ذكره، بفعل إكراه ضيق الوقت جَرّاء انشغالات تعوق هذا السعي الحثيث للخوض في الموضوع؛ ومما أغفلته في هذه القراءة، وإن كان حاضرا على مستوى الذهن ونية البحث والتقصّي أذكر مقومات مشتركة أخرى، منها: تقديم المفارقة والاحتفاء باليومي وشخصية الشاعر في مقابل شخصية السارد.. هذه وأخرى آمل أن تسعف اللحظة في تناولها في القادم من المقالات إغناء لهذا المسعى في نقد تنظيريّ بناء وفاعل.

وتجدر الإشارة إلى أن الوعيَ حاصل لديّ بكون ما سبق القول به، قد لا يشكل بنيةً مشتركة لنوع القصة القصيرة جدا وقصيدة النثر معا، لأن الأمر يحتاج مزيدا من الدراسات المقارنة في الموضوع، سواء في تجربة الشاعر والقاص عبد الله المتقي، أو في تجارب أخرى قد تسمح بإجراء مقارنات بين نصوص شعرية (نثرية) وأخرى قصصية في الاتجاه ذاته؛ بل يمكن التأكيد على أن هذه الإشارات هي بنياتٌ نصية خاصة بالشاعر والقاص عبد الله المتقي إلى أن يُثبت البحثُ عكس ذلكَ.

الهوامش:

-المتقي،عبد الله- مساؤك بارد كالخيانة (شعر)- التنوخي للطباعة والنشر والتـــوزيع- الرباط، المغرب- ط 1- 2010- ص: 36.

– المتقي، عبد الله- مطعم هالة (قصص قصيرة جدا)- منشورات اتحـــــاد كتاب المغــــــــرب- الرباط- ط 1- 2011-ص: 54.

– المتقي، عبد الله-قصائد كاتمة للصوت (شعر)- منشورات وزارة الثقــــــافة- الربـــــــــاط، المـــــغرب- ط 1- 2003-ص: 18.

– المتقي، عبد الله- الكرسي الأزرق (قصص)- منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة- الدار البيضاء- المغرب- ط 1- 2005- ص: 16.

– المتقي،عبد الله- مساؤك بارد كالخيانة (شعر)- التنوخي للطباعة والنشر والتـــوزيع- الرباط، المغرب- ط 1- 2010- ص: 177.

-المتقي،عبد الله- قليل من الملائكة (قصص قصيرة جدا)- التنوخي للطباعة والنشـــــر- الرباط، المغرب- ط 1- 2019- ص: 688.

– المتقي، عبد الله-قصائد كاتمة للصــوت (شعر)- منـــــــشورات وزارة الثقافة- الربـــــــاط، المغرب- ط 1- 2003-ص:26.

– المتقي،عبد الله- قليل من الملائكة (قصص قصيرة جدا)- التنوخي للطبـــــاعة والنشر- الرباط، المغرب- ط 1- 2019- ص: 300.

مشاركة