ويسالونك ماذا ينفقون ؟

311

ويسالونك ماذا ينفقون ؟

 جمال العطاء

لا اهدف من المقالة ان افسر القران لكني احاول ان اكتشف بعض المفاهيم والمعاني التي قد يكون البعض وانا منهم غافلا عنها حتى من الله علي بفهمها من خلال كتابه العزيز

يقول الله تعالى في سورة البقرة اية 215 (يسالونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم) وفي الاية 219 (ويسألونك ماذا ينقون قل العفو )

حين يجتمع العقل الجمعي لمجتمع على مفهوم فكرة او مبدا سيكون كل سلوكه متوافقاً مع فهمه لتلك الفكرة او المبدا وان كان يشوبه بعض الانحراف او القصور , وتبقى تطبيقانه سارية المفعول في المجتمع ومقبولة جتى تنبري رؤية جديدة ومفهوم اخر او كشف للقصور في اصل المفهوم وهو ما يحتاج الى وقت وجهد كبيرين ليحل المفهوم الجديد محل القديم ويرسخ في الاذهان ويصل الى التاثير في توجهات السلوكيات الاجتماعية ويعتبر مفهوم الانفاق مثالا واضح على هذه الرؤية التي سقناه فحينما يطلب من احد ان ينفق شيئا حتى يتبادر الى ذهنه ان المطلوب منه ان يصرف او يقدم جزءا من ماله ليصرفها في ما يحتاجه او في احتياج غيره.

سورة العطاء

وقد سئل النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وسلم نفس السؤال حين امر الناس ان ينفقوا, كما جاء في القران الكريم في سورة البقرة الاية 215  (ويسالونك ما ينفقون) فكان جوابه من خلال قول الله تعالى وفي نفس الاية ( قل ما انفقتم من خير) بمعنى انفقوا بعض الخير الذي عندكم , واجاب ايضا ( قل العفو) في الاية (219) وعليه يكون الانفاق من الخير ومن العفو , وهو ما لا يتضمن اي اشارة الى المال , وقد يقول احدهم ان الاموال هي من الخير ونقو ل ان الخير المقصود بينه الله تعالي في الاية 215 بقوله ( وما تفعلوا من خير فان الله به عليم) وهذه الجملة تدل على ان الخير هو شيء يفعله الانسان ويقدمه الى غيره وهو بهذا المنظور فعل عمل وهذا ما يبين لنا حقيقة ان الانفاق يكون بتقديم العمل الخير الصالح وليس تقديم اي نوع من انواع الاموال او الاشياء .

ان تصور الانفاق تقديم المال وهو حال تصور اغلبية الناس يعكس سوء الفهم وانحراف التصور عن المعنى الحقيقي له وبالتالي قصور السلوكيات الاجتماعية التي تعبر عنه وتوجهها الى موارد غير صححيحة وفقدان المغزى والفائدة من امر الانفاق , وعلى هذا الاساس لابد من ان نميز بين الانفاق وبين كل الاوامر االصرف او العطاء التي تامر بتقديم المال كالزكاة والصدقة والخمس والقرضة الحسنة .  فالانفاق بمعنى تقديم العمل الخير لمستحقيه وفي مقدمتهم كما جاء في الاية ( وما تنفقوا من خير فللوالدين والاقربين واليتامي والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم ) وهي تشير الى معنى ان مورد الانفاق احد هؤلاء وكل منهم له من الاحتياجات التي تتطلب منا افعالا وليس اموالا وان اقتصار تقديم الاموال لاحدهم او كلهم لا يفي باحتياجاته الذي فرضها الله على الاخرين ان يؤدوها لهم , وهذا يعكس منظور اخر للانفاق وهو ان الانفاق العملي اعمق معنى من الانفاق المالي كون الاول يبذل من جهد الذات الانسانية بينما الثاني هو رزق من الله وهو ما كتبه الله للانسان وهو شيء حبب للنفس البشرية ولا يحتاج الى جهد كبير لبذله بل انه يبذله في لحظة واحدة يستطيع ان يتحمل المها بينما الانفاق العملي يحتاج الى جهد اكبر ومستمر ويتطلب صبر وتحمل اكثر لاحتاج تقديمه الى وقت اطول

والوجه الاخر للنفاق هو العفو كما في الاية 219 (ويسالونك ماذا ينقون قل العفو) بمعنى ان الانسان يقدم االعفو من نفسه للاخر التي تعرضت للاساءة او اللاعتداء او الظلم بعد تمكنه منه وهو امر يحتاج الى جهد نفسي كبير ومعالجة لكثير من هوى النفس البشرية ووسوسة الشيطان لذا كان انفاق العفو للاخر المسيء الظالم بعد تمكن المظلوم او توبة الظالم واعترافه بجريرته وظلمه , اذن انفاق العفو يكون من اصل الذات البشرية امر كبير وعظيم.

جسد ونفس

ويمكننا ان نرى ان الانفاق بوجهيه العملي والعفو انك تبذل من ذاتك الانسانية جسدا ونفسا وهو فعل ينم على البذل النفسي والجسدي وفيه نشاط واستعداد للمثابرة والصبر للمنفق والمنفق عليه بينما اعطاء المال تحت مسمى الزكاة او الصدقة يكون من خارج الذات الانسانية من شيء اضيف او اعطي لها وهو المال فالمعطي يحتاج الى مجاهدة نفسية بدرجة اقل ويفضي في اغلب الاحيان الى نوع من الكسل لدى المعطى له وهو ما نلاحظه في مجتمعاتنا من ظواهر الاستجداء وهو ما نلاحظه في مجتمعات اخرى من انتشار ثقافة المساعدة العملية والتبرع بالخدمة العامة وتقديم الخدمات حتى ان بعض عقوبات الجرائم او الجنح تكون من خلال التزام المجرم او الجانح بتقديم خدمة عامة لفترة معينة لما لها من اثر في تنقية النفس البشرية وترويضها للاحسان وتقوية احساسها بجمال العطاء للاخرين.

ستار مجبل طالع – بغداد

مشاركة