رواية الطلياني لشكري المبخوت

136

رواية الطلياني لشكري المبخوت

التشظي في الإسترجاع والسياق

عبد الكريم حسن مراد

“الشكل الروائي في جوهره صورة لغوية سردية مكتوبة للعقل البشري كما يقول د. شكري عزيز في كتابه النقدي (أنماط الرواية الحديثة)، مع التعدد والتباين النسبي في تصدير الفعل البشري وتصويره، وبديهي إن الفعل حدث، والحدث حركة وفي مستوى من المستويات، يمكن القول إن الرماية في جوهرها حركة)، وهذه الحركة لم تأتِ اعتباطا ما لم يكن ثمة حدث، وإلاّ ما الذي يدفع بطل رواية (الطلياني) للروائي شكري المبخوت والمتمثل بشخصية عبد الناصر بن الحاج محمود أن يرتكب فعلاً شنيعاً وحماقة في نظر وتصور الآخرين، وذلك بضرب إمام جامع مدينته، والمتمثل بالشيخ علاله وزوج لالا الأجنبية المرأة المتمردة على سلوكيات زوجها في يوم قائظ هو يوم دفن والده الشيخ محمود، يقينا أن ضربه للشيخ لم يأتِ دونما أن يكون هنالك سبب، ففي لحظة ضربه انفصل عمّن حوله ليعود عبر لعبة الاسترجاعات (الفلاش باك)، ليقف عند لحظة الحدث، والتي كانت قبله ثمة حركة احدثها الشيخ، حيث اعترض طريق عبد الناصر الطفل ذي العشر سنوات في ذلك اليوم القائظ الذي كان فيه مع أصدقائه يلعب كرة القدم، والتي وقعت في بيت الشيخ الذي كان حينها خالياً من زوجته، لينفرد بالطفل في إحدى زوايا الغرفة ليحضنه بقوة، ويدير وجهه للحائط ويخترقه من الخلف، لتبقى تلك الحادثة وجعا مستمراً راح يكبر معه، حتى أتت الساعة لينتقم من ذلك الذي أحدث في جسده نقصاً (موت عذريته الرجولية)، والتي شكلت لديه عقدة تجاه كل الحركات الظلامية التي تخنق كل طموحات الشعب، فعبد الناصر اليساري المتمرد قد عاهد نفسه على محاربة قوى الشر.. وخاصة القوى الإسلامية المتطرفة (الإخوان المسلمون)، إذا فيساريته أتت بعد ظلم من قبل رجل يمثل الرمز الديني (الشاذ)، واليساري الذي كان متمردا حتى على تقاليد عائلته المتمثلة بالأب والأم زينب والأخت جويدة الذين كانوا ينظرون إليه على انه بذرة الشيطان، فتصرفاته وسلوكه تختلف عن أخيه صلاح الدين رجل الاقتصاد والمقيم في فرنسا والوحيد الذي كان يؤازر محنته مع شقيقته يسرا، فتمرده وقيامه بعدة مظاهرات في جامعته لكونه طالب حقوق قرنته من شخصية موازية له مع الاختلاف الطبقي، فهو من البرجوازية المتوسطة، وهي من الطبقة البروليتارية الرثة المتمثلة بالبطلة زينة طالبة الفلسفة المتحدية لكل أجهزة الدولة، وكذلك للقوى السياسية المناوئة للسلطة..

وهذا التقرب لم يأت فجأة إلا بعد مصادمات فكرية وعقائدية جرت بينهما، لقد وجدت زينة في عبد الناصر الجسر الذي سيوصلها ويحقق لها ما تبغيه من حصولها على الشهادة الجامعية في الفلسفة، لتعود إلى بلدتها الصغيرة وإلى أحضان أبيها الرجل البسيط الذي يحلم بحصول ابنته على شهادة لتتوظف بها ولتعينه على مواصلة رحلة العيش والحياة..

امرأة انتهازية

إن شخصية زينة تبدو غامضة، وذلك من سلوكيتها وعدم انضباطها في بعض تصرفاتها، ولكنها معروفة عن نفسها بأنها ( امرأة انتهازية اتخذت من الشعارات التي تطلقها وتحارب بها كل التيارات السياسية دون أن تفرق بين هذا التيار وذاك، والغرض من كل ذلك هو تكوين شعبية لها في الوسط الجامعي أولا، ولتظهر أمام الآخرين بأنها مناضلة من الطراز الأول ترفض كل المساومات والإغراءات مما يحدو بالآخرين على التوقي من الصدام معها، فهي سليطة اللسان، وغير متوازنة نفسيا.. إن ما كانت ترسم إليه هو التعويض عما أصابها من عملية اغتصاب، فهي تفعل ذلك لترمم من جدار نفسها المهشم، فعملية اغتصابها كان أليما بالنسبة لها، فقد اغتصبها رجل مولجا  بها من الخلف دون أن تتمكن من التعرف على ملامحه، فهي كانت وقتها أشبه بمخدرة، وقد شكلت لديها تلك الحادثة جرحا كبيرا، فقررت مع نفسها الانتقام من كل الرجال الموجودين على وجه الأرض..

إن وصولية زينة وانتهازيتها بدأ يكتشفها عبد الناصر بعد ان تزوجها زواج الصداق أي على الورق فقط، وبرغم دخوله بها لكن سلوكيتها بدأت تتغير مع عبد الناصر الذي كان يتجاوز كل اخطائها لأنه كان يحبها، ولكن دون جدوى فإهمالها جعلته يبتعد عنها تدريجيا، واتخاذ صديقتها له كعشيقة ليعوض عن خسارته لامرأته وليمارس الجنس معها، فهي الأخرى (أي العشيقة) قد تعرضت لحالة عنف حين زوجوها لرجل كبير بالسن، مما جعلها تهرب منه بعد طلاقها، لتعمل في إحدى الصحف وتحت إشراف السي عبد الحميد الذي كان رئيسا لأكبر الصحف في البلد والمقرب من السلطة أي سلطة الرئيس الحبيب بورقيبة، وكانت قد تعرفت على عبد الناصر في تلك الصحيفة من خلال رئيس تحريرها الذي ناصب العداء لعبد الناصر في البدء كونه قد وجد له اخطاء في اللغة في إحدى مقالاته، لكن تلك الحادثة قربتهما من بعض (أي عبد الناصر وسي عبد الحميد)، وليكون الأول الساعد الأيمن للآخر، والذي أغاض الآخرين، فعبد الناصر صحفي ناجح، ويساريته كانت السلطة والإخوان المسلمين والآخرين، لكن كل ذلك لم يغير وجهة نظر سي عبد الحميد فيه، فراح نجمه يعلو ويسطع، أما نجم (زينة) فقد أخذ يأفل بعد فشلها في الحصول على الشهادة الجامعية، مما حدا بها أن تتهم رئيس القسم (قسمها) بأنه حاول إغواءها، لكن كل ذلك لم يقنع الآخرين، فالتغييرات السياسية التي حصلت في البلاد والتي تمثلت بإعفاء الرئيس بورقيبة من منصبه كرئيس للبلاد، والتي أتت من تقرير طبي حمله له وزير داخليته (زين العابدين بن علي) ليزاح، ويستلم هو سلطة الدولة ويكون رئيسها بثورة بيضاء دون دم، كل تلك التغييرات ادّت بزينة لطلب الطلاق من عبد الناصر، وكان هذا قرار الأخير الذي أصرّت عليه زينة، لأنها لم تعد تستطيع الوصول معه حياتيا، لكن عبد الناصر أحبّ أن يعطيها فرصة أخيرة، لعلها تتراجع عن قرارها، ولكن دونما جدوى، فهي بقيت على موقفها مما جعله يطلقها لكي ينفك من أنانيتها ووصوليتها التي توضحت لديه أخيرا وإن كان ذلك سيحدث شرخا في حياته لأنه يحبها بجنون، فهي المرأة الأولى في حياته والتي شاركته محنته بكل تفاصيلها والأولى التي علمته أبجدية السرير، لم يكن يدرك عبد الناصر أن طلاق زينة منه سيدفعها للهجرة لخارج الوطن والسفر نحو فرنسا لتتزوج برجل يكبرها سنا قد تعرفت عليه في تونس لزيارة الأخير ضمن وفد جاء لحضور مؤتمر دولي، فكانت المفاجأة له حين أرسلت له عبر شبكة الأنترنت وعلى موقعه رسالة مطولة تخبره بذلك الزواج، تلك الرسالة حملته ليبتعد عن جميع أصدقائه والإغراق في العمل ضمن إحدى الوكالات الأجنبية بعد تضيق الخناق عليه من قبل اجهزة الدولة ومن بعض ممن يعملون كأبواق لدى صحف السلطة، لقد اتخذ قراره بالابتعاد عن كل هؤلاء والإغراق بالجنس والشرب والعمل مع تلك الوكالة، لقد ادرك أن الثورة التي أتت  قد سرقت أحلام ثوارها، ولم تعطهم حقهم بالحياة، فلقد سرق من الثوار بغفلة وأطيح بكل ثوارها، وزجوا في السجن والنفي خارج البلاد، لتبقى الثورة المسروقة بيد زين العابدين بن علي وعائلته وجلاوزته وسماسرته، ولينفرد هو بها ويبني عليها دكتاتوريته.. كل تلك الأحداث استرجعها بطل الرواية عبد الناصر يوم حضور جنازة والده ودفنه ولحظة ضربه للشيخ علال أمام العشرات الذين حضروا مراسيم الدفن، وبطريقة الـ(فلاش باك) يعود بنا إلى نقطة البداية وهو يوم دفن والده، لينصرف بعدها مع صديقه الراوي والسارد الذي سرد لنا كل تلك الأحداث والوقائع لأنه العليم بكل شيء، فهو صديق البطل منذ مرحلة الطفولة وحتى لحظته الآن، وقد تشكل صوته (أي صوت السارد)، ولم يكن واحدا في العمل وصوتا خاصاً، بل هو كان يسرد ويعلق ويرسم لنا مشاعر الآخرين.. انفعالاتهم.. توجساتهم.. حزنهم.. فرحهم.. لحظات النشوة الجنسية.. ويشاركهم أفراحهم وطروحاتهم وإعطاءهم رأيهم كما في حالات عبد الناصر وزينة، وكذلك ينتقل معهم عبر الأزمنة والأمكنة، ويصف كل شيء حوله..  لقد أرّخ لنا الكاتب والروائي شكري المبخوت ومن خلال احداث روايته (الطلياني) الفائزة بجائزة البوكر/ النسخة العربية عام 2015  مرحلتين مهمتين من تاريخ الشعب التونسي (مرحلة الرئيس الحبيب بو رقيبة ومرحلة الرئيس زين العابدين بن علي)، والتي أنهى الكاتب كتابة روايته عند تلك المرحلة..

          { رواية (الطلياني)/ شكري المبخوت/ دار التنوير/ تونس.. الرواية الفائزة بجائزة البوكر / النسخة العربية/ عام 2013

مشاركة