رستم حيدر في ثنايا التاريخ

166

رستم حيدر في ثنايا التاريخ

مؤامرة إنكليزية نفذت بأيدٍ عراقية وسط مكتب وزير المالية

عصام مجيد حسن العبيدي

بغداد

أن زخم الذكريات لربما قد أنساني مراجعة ولو جزء من التاريخ .. ولكي لا تبقى الأجيال القادمة في المستقبل تبحث عن الرجال العظام أمثال الشهيد رستم حيدر ولنبدأ بسرد ولو لجزء من حياة هذا الرجل العصامي

الكنية

ولد المرحوم محمد رستم حيدر عام 1889 في مدينة بعلبك اللبنانية . وقد انهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية . حيث اكمل دراسته في اسطنبول في المدرسة الشاهانية وتخرج منها عام 1910 .. ثم بعد ذلك الى باريس وفي جامعة السوربون التي تخرج منها بدرجة جيد جداً واثناء وجوده هناك . حيث عمل مع بعض الشخصيات العربية في المجال السياسي والوطني وبالاخص في جمعية (العربية الفتاة) وكان عضواً مأثراً في طرح القضايا العربية .. وفي سنة 1913 عاد الى وطنه من باريس ليعمل في حقل اتعليم في تلك الفترة كانت الثورة العربية في اوجها حيث التحق بالامير فيصل وكان الساعد الايمن له . لما يحمله من مؤهلات وثقافة وكان هادئ الطبع وذكياً بامتياز. وفي 22 / تشرين الثاني سنة 1918 غادر مع الامير فيصل متوجهين الى باريس لحضور مؤتمر الصلح وكان يرافقهما كلاً من نوري السعيد والدكتور احمد قدري وفائز الفصين وبعدانتهاء المؤتمر غادر الامير فيصل وحاشيته متوجهين الى لندن في 7 كانون الثاني 1919 وكان مندوب الحركة العربية رستم حيدر وكان كثيراً ما يهتم ان يدون في مفكرته لمجريات الامور الصغيرة منها والكبيرة لاسيما مابين 1918 و1921 ولربما تكون اسطر او صفحات او برقيات وهو حريص اشد الحرص على ذكر التفاصيل الدقيقة ولاسيما منها ما يتعلق ومايدور في المجالس الاوربية بخصوص الامة العربية وكان دائما متواصلاً مع الامير فيصل بهذا الشأن وفي 23 حزيران 1921 وصل الشهيد رستم حيدر الى بغداد وكانت هي زيارته الاولى الى العراق وكان له قدر كبير من الترحاب من لدن معارفه واصدقائه واول ما عمل قام به طلبه للجنسية العراقية . حيث تجنس بها وبعد مدة اخذ نجمه يسطع وقد تسلق وضائف الكبيرة في ظل حكم الملك فيصل الذي توج على العراق ملكاً وكان مقرباً جداً من الملك فيصل ومستشاره الخاص والامين وكان كاتب خطبه وتصريحاته وكاتم اسراره . وهذا مما اثار حفيظة اعدائه المتسترين من رعيل الساسة المنافقين حيث ان جلالة الملك فيصل الاول يعتبره من افهم وانبل موجهي السياسة العراقية للدولة الفتية.. وبهذه الصفات سنحت له الفرص ان يتسلق سلم الوضائف الكبيرة في بدايات ثلاثينات القرن العشرين حيث تسلم خلال فترة حياته (7) وزارات . المالية . والاقتصاد والموصلات ومنها 4 وزارات ترأسها نوري السعيد واثنان منها في عهد رشيد عالي الكيلاني . وواحد في وزارة جميل المدفعي ولكونه نزيهاً وذا كفاية وخبرة واخلاص واخلاق وبهذه الصفات الحميدة مما قد اوجد حقداً دفيناً في اعدائه الطائفيين والحاقدين حيث كان البعض من هؤلاء عملاء ومن تلاميذ ( لورنس) وقد حاولوا الصاق تهمة الطائفية به لكونه شيعي المذهب ويعرف جيداً تركيبة الشعب العراقي، وكثيراً ما طالب الدولة ان تضع جل اهتمامها بالتعليم والاوضاع الصحية للشعب وسعادة ورفاهية المواطن . والذي عانى ما عانى من اسباب التخلف . التدمير على يد الدولة العثمانية مدة اكثر من 400 عام ؟ وبما ان فعله هذا لا يليق بالحيتان الجدد الذين اخذوا الوراثة عن الدولة العثمانية وكانوا ابواقها امثال – ياسين الهاشمي – وجعفر العسكري – ونوري السعيد . وطه الهاشمي وكانوا فعلاً من اصولهم تعود الى الدولة التركية . كلهم او جزء منهم حيث شكلوا حزمنة عداء لهذا الرجل الشريف اليعربي . وبهذه المناسبة كثيراً ما كان يقف الند بالند لسياسة نوري السعيد الذي كان وزيراً في وزارته . وشعاره ( العراق والعرب والعروبة اولاً) واخيراً وهذا مما كان يتعارض مما ذكر اعلاه وفاتنا ان نذكر بأن حاشية الملك المرحوم تحسين قدري وناظر الخزينة الملكية ( صفوة باشا العوا ) وامين كسباني وعبد الله الحاج وطبيبه الخاص امين باشا . احمد قدري، وابراهيم الدباس ومن هؤلاء ما كان رئيس التشريفات ومنهم ما كان رئيس الديوان الملكي ومنه ما كان رئيس مرافق جلالة الملك

منجزاته

عندما تولى الشهيد رستم حيدر وزارة المالية في العراق . كانت العملة المتداولة في البلد هي (الربيه الهندية) التي فرضتها حكومة الاحتلال البريطاني حيث بقيت عمله رسمية يتداولها المواطن العراقي، وبعد مدة وجيزة أقترح المرحوم رستم على الحكومة العراقية بأصدار عمله وطنية (اسمها الدينار العراقي ) وقد تم له ما اراد ومنذ 1 نيسان 1932 . أصبح الدينار العراقي هو العملة الرسمية للبلد. وهذا دليل ساطع على وطنيته واخلاصه. وحنكته، وخلال وجوده في الوزارة طور الكثير في الدوائر العائدة للوزارة ومنها ديوان الرقابة المالية ومشروع تأسيس مصارف وطنية وقانون الكمارك والجبايات والرسوم واوجد فسحة كبيرة لتطوير وزارته، ولا يسمح المجال الى ذكر ما انجزه هذا الرجل الطيب لكونها كثيرة وذات جدوى اقتصادية كبيرة .

سكنه في العراق

عند وصوله الى العراق لاول مرة كما ذكرت اعلاه استأجر داراً بسيطة جداً تحتوي على غرفتين وخدمات في منطقة الصالحية والقريبة من دار الاذاعة العراقية وبعد امتار من دار ملا عبود الكرخي بأجرة شهرية مقدارها 3 دنانير عراقية شهرياً؟!؟!

وبهذه المناسبة طوال وجوده في العراق كان يروم الزواج من إمرأة عراقية، ولكن الحظ لم يسعفه بذلك حيث بقي أعزب ونظيف السيرة والسلوك طوال حياته ولم تكن عليه أي شائبة حتى استشهاده . وحينما توفي الملك فيصل الاول في 8 أيلول 1933 كان يشغل في حينها رئيس الديوان في البلاط الملكي . وبالرغم ان المرحوم رستم حيدر كان يستمد قوته من ثقة الملك فيصل به الذي كان سنده الرئيسي، فأنه قد احتفظ بمركزه المرموق في الدولة بسبب ما حققه لنفسه من مكانة ومن علاقات وثيقة بمعظم زملائه. وكان له رصيد في الشارع العراقي، ومحبوب من جميع الطوائف والمذاهب، وكثيراً ما كان يشك في الطريقة الذي توفى فيها الملك فيصل الاول الذي كان حامي ظهره وسنده، وعندما تولى المرحوم الملك غازي العرش بعد وفاة والده بقي المرحوم رستم حيدر في مكانه الوظيفي ومن المقربين اليه لكون الملك الشاب والطموح كان شديد الاعجاب به وفي طروحاته وارائه وكان يتناغم مع افكار الملك الشاب غازي وفي هذه الفترة العصيبة التي كان العراق يمر بها كان شعار رستم حيدر . ان يكون العراق دولة محايدة مابين صراع القطبين المحور والتحالف وان لايكون فريسة سهلة في مخالب المتصارعين وهذا مما جعل نوري السعيد يختلف معه اختلافاً كلياً ولكون نوري السعيد كان يؤيد وبحماس الحلفاء في هذه الحرب الضروس والتي ليس لنا فيها لا ناقة ولا جمل، وفي مصباح 4 نيسان 1939 اذيع من محطة راديو بغداد مقتل الملك غازي في حادث لا يخلو ابداً من الشك والريبة بطريقة قتله بواسطة عامود كهرباء . حيث هاج الشارع العراقي بهذا المصاب المحزن المؤلم والمدبر ؟! وكان في حينها نوري السعيد رئيس الوزراء ؟ ورستم حيدر وزيراً للمالية، وقد اخذت الامور تتداعى وبسرعة نحو الاسوأ، وأخذ المواطن العراقي يتهم اطرافاً معينة بهذا الحادث الأليم وهي معروفة ومؤكدة لدى القاصي والداني، حيث لا يمكن تمرير هكذا حادث اليم على الشعب العراقي مروراً طبيعياً، وبعد مقتل المرحوم الملك غازي وعملاً بالتقاليد الدستورية التي تقضي بأن تستقيل الوزارة السعيدية لاسيما عند انتقال العرش الى ملك جديد ولكون الملك غازي لا يملك الا ولداً طفلاً لا يتجاوز عمره 4 سنوات استقر الرأي على المناداة خاله الامير عبد الاله ولياً للعرش لحين بلوغ الملك الصغير فيصل الثاني السن القانونية لكي تؤله ان يكون ملكاً على عرش العراق . وفي هذه الفترة من الزمن الاغبر والتي سارت الامور على مسرح الاحداث وقبلها بمدة طلب المرحوم حيدر ان يعفى من اي منصب وزاري بعد ان تكشفت له الامنور بشكلها الناصع . ولكن المرحوم الملك غازي كان يعارض معارضة شديدة هذا الطلب وبعد الحاح وافق البلاط الملمكي على منحه اجازة مفتوحة

الوظائف الاخرى التي شغلها

في سنة 1929 كان اول ممثل دبلوماسي للعراق في ايران، وبعدها مندوب العراق في عصبة الامم لفترة معينة وعضو لجنة ولجان مالية دولية، وكان يعتبر الناطق الرسمي للبلاط الملكي ومقرباً الى القصر الملكي وقد شغل وكالة الوزارات التالية وزارة المالية والاقتصاد والخارجية والشؤون الاجتماعية لفترات معينة وشغل اكثر من سبع مرات وزارات طيلة وجوده في العراق

رستم حيدر في اقلام الشرفاء

لقد ذكر في مذكراته الرمحوم صلاح الدين الصباغ بأنه عملية تصفية المرحوم رستم حيدر هي من اخراج وتنفيذ نوري السعيد، والبعض من شلته كما ذكر خدوري بأن رستم حيدر قضى نحبه مظلوماً على يد الفاسدين كما ذكره المرحوم صالح جبر بأنه كالجندي الذي سقط في ساحة المعركة مدافعاً عن شرفه ووطنه ودينه . وهنالك رواية اخرى يرويها السيد سعيد يحيى واظنه كان مدير السجون العام او ما شابه ذلك وهي … ان القاتل الفاسد (المدعو حسين فوزي توفيق)وهو مفوض سابق في الشرطة ومفصول بسبب فساده وسرقاته واختياله طرد من وظيفته وليس لرستم حيدر اي علاقة بوظيفته او بفصله ان ذلك يعود الى وزارة الداخلية او مدير الشرطة العام وانه منسب الى هذه الدوائر يقول السيد سعيد يحيى، مايلي …؟! ان المجرم قد حكم عليه بالاعدام واثناء وجوده داخل السجن كان نوري السعيد يزوره ليلاً ويجتمع به على انفراد مرات عديدة وفي آخر زيارة لنوري السعيد له وهو في طريق خروجه من مقابلته، ( اخذ هذا القاتل المجرم يعيط بأعلى صوته ليلة اعدامه، السؤال الذي يطرح ماهي الاساب التي دعت نوري السعيد أن يختلي بالقاتل مرات عديدة؟!

مقتله رحمه الله

في يوم 18 كانون الثاني 1940 وكان في مكتبه في وزارة المالية دخل عليه خلسة هذا القاتل المجرم واطلق عليه 3 رصاصات اصابته اصابة مباشرة وبعد ثلاثة ايام انتقل الى جوار ربه . وفاتني أن اذكر بأن الاستاذ نجدة فتحي صفوة السياسي المخضرم قد ايد ان مؤامرة قتل المرحوم رستم دبرت من قبل الانكليز وعميلهم الاول المعتمد في الشرق الاوسط نوري السعيد، وبمابركة وتأييد الحكومة البريطانية خوفاً من تعاظم ونفوذه ولكي لا يكون عائقاً امام اهدافهم الخبيثة واطماعهم السيئة.. وكانوا بذلك يضربون عصفورين بحجر قتله لكونه شيعياَ معارضاً لهم ولسياساتهم وبذلك يشعلون الفتنة مابين السنة والشيعة وهذا يمثل مكسباً كبيراً لاصحاب منابر الفتنة من اصحاب النفوس المريضة والتي لاتعتاش الا على دم العراقين المباح وما أشبه الامس باليوم ..؟! وبعد مقتله اصدرت الحكومة الالمانية بياناً جاء فيه مايلي ( أن ظروف الاغتيال يحيط بها الغموض ولكن هنالك اعتقاد راسخ بأن وراء تصفيته المخابرات البريطانية لمواقفه امذكورة اعلاه) وقد رثاه الشعراء والادباء والسياسيين الاحرار ومنهم بالذات قصيدة للشاعر خليل مطران والرصافي ويقال ان الجواهري قد رثاه، وكذلك احمد شوقي الشاعر المصري، وكان لمقتله صداى كبير في الاوساط العربية والاجنبية، كما كان يتمتع بمؤهلاته وعلماً غزيراً ولا سيما في المجال السياسي على نطاق العراق والوطن العربي والاسلامي، وهنا يشدني الشوق والرغبة ان اضيف الى ماذكرته في هذه السطور هذه الكلمات التي تليق بالشهيد، ومن قدر العراق ان يفقد امثال هذه الشخصية الفريدة، بما أن الامة يسودها الجهل وانعدام المعرفة، هي في ضياع دائم وان الشعوب الحية هي التي تصنع المجد وهي التي تبني عقول الرجال المبدعين كما وان الذي كان يحدث في العراق هو نتاج من عوامل التقاطع ما بين طلبة الحق ورواد الباطل من طواغيث ذلك الزمن، ولما لاتتعض من الدروس والعبر، وعلينا اولاً واخيراً ان نعي بأن التاريخ الناصع يصنعه الرجال الشرفاء والوطنيين الذين عاشوا جروح الوطن .. وليس من طواغيث الطائفية من عملاء الابتكار. وحيث المعروف، انه لا يوجد قانون اخلاقي في هذه الدنيا يبيح قتل وتصفية الرجال المبدعين من علماء ومفكري الانسانية، الا في بلدنا، وللاسف ؟! حيث الخراب والتدمير والنهب والقتل، انصب علينا حصراً.؟ وهذا اصبح علينا عصياً، ما دامت مصائرنا قد اصبحت بيد جهلة قومنا، وحيث اصبحت الوطنية لنا والوطن لهم ؟ وهذا ناتج عن الصراع الازلي ما بين البداوة والحضارة وشكراً لشاعرنا المبدع ( المتنبي) حيث انشد

(اذا رأيت نيوب الليث بارزة

فلا تظنن ان الليث يبتسم

ولقد سجلت ارقى معاني الوفاء والنزاهة والشهادة فقد كنت مخلصاً لوطنك وعروبك يا أيها الشهيد الخالد.

مشاركة