البضاعة المزجاة في متن صحيفة – شكيب كاظم

70

Unknown-1البضاعة المزجاة في متن صحيفة

معنى أن تعيش كتاباتك ساعتين؟

شكيب كاظم

في مقالته الجميلة الموسومة بـ (سايكولوجية الكتابة لمطبوع يعيش ساعتين)(1) يطرح المنشئ الأنيق والمترجم الدقيق (نجيب المانع) (1926-1991) قضية جديدة بالمناقشة ، عن جدوى الكتابة التي لا تدوم أكثر من ساعتين، وتذهب إلى الظلام، والمقصود هنا الكتابة في الجريدة اليومية، التي تحيا ساعات الصباح فقط، فإذا انتصف النهار، وجدت عزوف القراء عنها، فلقد تخطاها الزمن وأصبحت عبئاً على ربة المنزل، التي تكره القراءة والمجلة كرهها لضرة، حتى ان تراكم الجرائد كما يقول الأستاذ نجيب المانع يفتح باباً لأكثر من نزاع عائلي، فالزوجة أو الأم تريد بيتاً محتمياً بنفسه عن خضم العالم الخارجي ، بينما يريد الزوج أو الابن بيتاً يتلاطم ويتلاحم مع العالم .

إذن، ما السبيل إلى الوصول للقارئ، الذي هو الهدف الأساس من الكتابة وما كل القراء تواقون لقراءة الكتاب؟ تأتي المجلة الأسبوعية نقطة وسطى بين الجريدة والكتاب الذي هو الأبقى والأدوم في الذاكرة، لابأس بالمجلة الشهرية،ولذلك يميل الكاتب في المجلة الشهرية –  كما يقول المانع- إلى عبور الزمان الأوسع ظاناً أنه على مبعدة مأمونة من صندوق القمامة ، الذي هو المصير الحتمي للجريدة اليومية، وكان أكثر ما كان يؤلمني منظر الجرائد التي تصلنا يومياً، في المؤسسة الإعلامية التي عملت فيها، والتي كنت انا المتصفح الوحيد، أو القارئ لها، بعد ان غادرنا الدكتور حيدر جواد إلى مؤسسة إعلامية أخرى، يؤلمني منظرها وقد حملها المنظف نحو كيس القمامة، ولطالما حثثت زملائي على تصفحها بله قراءتها ، ولاسيما الشباب الذين لايقرأون أبداً ،وإذا قرأوا ، فأنهم يقرأون الأبراج والكلمات المتقاطعة!!

إذن ما السبيل للوصول إلى القارئ، سوى هذه الوسائل: الجريدة ، المجلة الأسبوعية، أو المجلة الشهرية، إنك راغب في الوصول اليومي للقارئ، تعرض بضاعتك عليه، لكن يقف هنا أمامك ذوق القارئ ، فما كل القراء براغبين في قراءة الأدب والشعر والثقافة، تعرض بضاعتك على قارعة الطريق، أو كشك لبيع الجرائد، بضاعتك المزجاة في بطن الصحيفة، ولكن كثيراً ما يعود الكاتب الذي يأخذ نفسه مأخذاً جدياً –  كما يقول الأستاذ نجيب المانع- في الجريدة اليومية حاملاً طبق بضاعته دون ان يثلم أدنى ثلم، فالناس المسرعون لا يرون ما في الطبق من منمنات ، وهكذا يرجع الكاتب إلى نفسه أشد إفلاساً في العلاقات القرائية مما كان قبل ان يكتب، مثلما تعود العجوز من السوق حاملة طبق المعجنات التي صنعتها دون ان تمتد يد مشترية.

وإذا كنا نحن في العراق، نأخذ معنا الصحيفة اليومية التي قرأناها، نأخذها معنا لبيوتنا عسى ان ينظر فيها أحد، أو تستفيد منها ربة المنزل، فاني

 حميد سعيد (ابو بادية) image

وجدت في سورية يوم انتقلت للعيش فيها، ظاهرة مؤسفة، تدل على استخفاف بالجريدة، فكنت تجدها على طاولة بمقهى ، أو حديقة عامة أو كرسي سيارة عامة، حتى إذا مررت بصاحب مكتبة في مدينة حمص ، لغرض عرض كتابي عنده، أفجعني قوله: مافي حيدا بيقرأ؟!

كنت ألاحظ من يأتي المقهى أو الحديقة العامة، حاملاً صحيفة، حتى إذا فرغ منها وغادر المقهى تركها ثاوية على الطاولة،وإذا كان العراقيون يعولون على المجلة الشهرية بوصفها الأبقى والأكثر ديمومة ، فان المصريين يرغبون في نشر كتاباتهم في الجريدة اليومية، واضعين في الحسبان ان خيرة كتاب مصر كانوا ينشرون في الجرائد ، ولا أدل على ذلك من ان طه حسين نشر فصول كتابه (حديث الأربعاء) في جريدتي (السياسة) و(الجهاد) اليوميتين، فكان قد خصص له يوم محدد، احتراماً له واحتراماً للقارئ، كي يستطيع متابعة كاتبه المفضل، فكان يوم الأربعاء، فضلاً عن مقالات عباس محمود العقاد وسلامة موسى ، ويجب ان لاننسى ان نجيب محفوظ، قد نشر روايته الإشكالية (أولاد حارتنا) نشرها بدءاً مسلسلة في جريدة ( الأهرام) اليومية ، قبل ان تثور ثائرة الأزهر عليها، يوم أراد نشرها بكتاب بعد سنوات من نشرها مُنَجّمَةً في الأهرام، فأضطر إلى التوجه إلى دار الآداب اللبنانية، فضلاً عن كتابات توفيق الحكيم ومحمود أمين العالم ورجاء النقاش وغيرهم، ولقد تأكدت من هذا التوجه والنزوع لدى قراءتي مقالة كتبها ابو بادية الشاعر حميد سعيد منذ سنوات، واصفاً زيارة له لمصر العربية في عقد السبعين من القرن العشرين، واحتفاء الأدباء والكتاب المصريين به، والطلب إليه ان يزودهم بإحدى قصائده واختيار المنبر الإعلامي الذي يرغب بنشر قصيدته فيه، وتواؤماً مع توجهات العراقيين في أهمية النشر بالمجلة الأسبوعية ، فانه رغب ان تنشر في إحدى المجلات، وأظنها المجلة التي كان يرأس تحريرها الكاتب أحمد عباس صالح (الطليعة) ، فكان رأيهم ان النشر في الجرائد، ولاسيما (الأهرام ) يحقق للشاعر حميد سعيد حضوراً أكثر، بسبب سعة انتشارها، وكثرة عدد المطبوع منها، فاستجاب لرغبة أصدقائه وزملائه من كتاب مصر المحتفين به، ولعل المنشئ الأنيق نجيب المانع، يتواءم –  كذلك- مع آراء المصريين بضرورة النشر في الصحيفة اليومية، التي على الرغم من السويعات القليلة التي تمكث في باصرة القارئ، قبل ان تأخذ طريقها نحو العدم ، فأنه يرى ان كتاباً ومؤرخين وعلماء وجدوا في الجريدة اليومية معبراً إلى جمهرة من القراء، ما كانوا ليجدوهم إذا خاطبوهم بين طيات كتاب، فاسمهم الفخم على الصحيفة يوجد لهم مزيداً من القراء الذين يبحثون فيما بعد عن كتاب تصنعه مساهماتهم الصحفية، فالمقالة وعد بكتاب، والكتاب تنفيذ لهذا الوعد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

تراجع ص 136 من كتاب (جسارة التعبير) الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد في ضمن سلسلة (وفاء) بطبعته الأولى سنة2011، وأحتوى على مقالات كتبها نجيب المانع، وقدم لها وحررها الشاعر والمترجم العراقي المغترب في لندن الدكتور صلاح نيازي.

مشاركة