صحفية بريطانية تطالبني بعشرة دولارات – ثامر مراد

27

thamer

صحفية بريطانية تطالبني بعشرة دولارات – ثامر مراد

الحياة زاخرة بالحكايات والصور والأحداث والقصص التي من الممكن أن تكون دروساً الى بعض ألأفراد الذين يحاولون ألاستفادة من تلك الدروس الحياتية على مر التاريخ . حكاية واحدة ربما تعيد كافة الحسابات التي كان الفرد يتبعها ويتبين فيما بعد أنه عليه أن يعيد حساباتهِ في هذه الحياة سواء كان ذلك في مجال العمل أو البيت أو في الحياة ألاجتماعية بصورة عامة. من الدروس التي حصلتُ عليها خلال عملي كمرافق للوفود الصحفية ألأجنبية من عام 1987 الى سنة 2002 تلك الحادثة التي حدثت لي مع الصحفية البريطانية – ليز ثركَورد- من صحيفة ألأندبندنت البريطانية خلال الثلاثة أشهر ألأولى من عملي. وقع علي ألاختيار لمرافقتها في سنة من سنوات الحرب – 1987- حيث طلبت في برنامجها السفر الى البصرة ومقابلة المحافظ في ذلك الزمن – أنور سعيد ألحديثي- وزيارة عوائل الشهداء والتجول في ألأسواق وأي شيء يمكن الوصول إليه في سفرتنا تلك ضمن قوانين الدولة المسموح لسفرة كهذه. كنتُ الدليل والمترجم ألأول لها في كل مقابلة أو تقديم شروح لها على طول الطريق من بغداد الى البصرة والعودة. كانت لاتضيع لحظة واحدة من أجل معرفة معلومة ما بالنسبة لي ربما تكون غير جديرة بألأهتمام لكن بالنسبة لها شيئا كبير جداً .لو حسبنا عدد الكلمات التي ترجمتها لها مجاناً في تلك السفرة لكانت تصل الى رقم خيالي لايمكن الوصول إليه ناهيك عن الضيافة التي كنت أقدمها لها أحياناً من نقود الوزارة وأحياناً أخرى من جيبي الخاص. كنتُ أحاول بشتى الطرق أن أصل الى درجة المثالية معها كي لاتقدم أي شكوى ضدي أمام مديري العام لأن أي شكوى ضد المرافق تضعهُ في باب من أخطر ألأبواب التي يواجهها موظف عراقي في ذلك الزمن.

بعد يومين من العمل معها والترجمة الفورية المجانية وبينما كنا نقترب من ضواحي مدينة بغداد في جنح الليل وقد أخذ التعب مني مأخذاً كبيراً جدا ومن أجل أن لانبقى صامتين على الطريق العام في ذلك الليل حاولت أن أخلق أي موضوع كي نستمر في الحديث. سألتها سؤالاً واحداً كنتُ اعرف سلفاً جوابه لكنني تظاهرت بمحاولة المعرفة منها باعتبارها بريطانية وناطقة باللغة ألانكليزية ألأم. سألتها عن الفرق بين كلمة – outskirt و suburb – وكلاهما تعني ضواحي المدينة مع إختلاف بسيط – حينما شكرتها قالت بطريقة تشبه الكلام الجدي ” ..ماذا أفعل بكلمة شكراً وهل أستطيع شراء بها علبة من الدخان؟ يجب عليك أن تدفع لي عشر دولارات خمسة لكل كلمة لأنني لاأقدم معلومات مجانية ” . ضحكتُ في البداية من كلامها لأنني تصورتُ أنها تمزح ولكن حينما شاهدتها تتحدث بطريقة جدية إرتعشت كل مفاصلي وقررتُ أن لاأغضب أبداً فقد أوصاني المدير العام أن لاأغضب على أي ضيف مهما تطاول أو تجاوز علي وعلي أن أقدم ذلك في تقرير رسمي لأجراء اللازم. قلتُ لها بهدوء – حسناً سأعطيك المبلغ ولكن عليك أن تحسبي عدد الكلمات التي قدمتها لكِ في الترجمة على مسافة يومين ذهابا وإياباً وكل اللقاءات التي أجريتيها مع الناس وإذا لم تدفعي سأطلب من الوزارة والمخابرات أن تصادر كاميراتك ودفاتر الملاحظات والأقلام لوجود شيء غير طبيعي فيها وأنك ضيف غير مرغوب فيه وسنضعكِ في القائمة السوداء ولن تستطيعي زيارة العراق مرة مادمتِ على قيد الحياة لأن توجهاتكِ صهيونية تجسسية من خلال ماشاهدته من طريقة طرحك للأسئلة على المسؤولين والمواطنين…وعليك أن تعطيني ذلك بالدولار وسأعطيك من المبلغ أتعابك لشرحك الكلمتين . إرتعش صوتها وراحت تعتذر مني لأنها كانت تمزح على حد قولها وأخبرتني أن كل راتبها لايكفي إذا حسبنا عدد الكلمات التي أطالب بثمنها. غيرت الموضوع بسرعة وقالت لي بأنني أستطيع أن أحقق ثروة كبيرة لو كان هذا العمل الذي أقوم به ألآن في دولتها لأنهم هناك يدفعون للمترجم على شاكلتي 100 دولار في الساعة وربما أكثر. أخبرت المدير بكل شيء وضحك وأخبرني أنها كانت تمزح ولكنها لم تدخل العراق مرة أخرى منذ ذلك التاريخ.

مشاركة