دولة المترجمين في المستشفيات الهندية – 3

86

دولة المترجمين في المستشفيات الهندية –   3

صراع خفي للحصول على المرضى والعراقيون بالمقدمة دون تحسّن

رزاق إبراهيم حسن

بغداد

أوضحت في اللقاءات السابقة من رحلتي الى الهند انني خرجت من مطار (انديرا غاندي) وذهبت الى احد المستشفيات للعلاج، وخرجت منها دون أي تأثير إيجابي ودون الحصول على أي تحسن صحي، كما أوضحت انطباعاتي عن احتفاء الهنود بعيد الأضحى وخروجهم من البيوت والأماكن العامة والخاصة الى الجامع لاداء صلاة العيد وتبادل التهاني بالمناسبة، والان اريد العودة للمطار لانني اجد انه اكبر من المساحة التي يوجد فيها وانه يقدم وقائع ومشاهدات وانطباعات جديرة بالتوثيق والاستذكار ولكي اثقل على القارئ بهذه الوقائع والمشاهدات واقدم له وصفا مسهبا وتفصيليا عن المطار ومحتوياته ومساحته.

 فانني افضل ان ابدأ من نهاية المطار اذ انتهيت عن كل الإجراءات القانونية التي تتيح لي شرعية الدخول الى نيودلهي والنوم في فنادقها، والتجول بارضها وطلب العلاج في مستشفياتها، وإذ تضع اقدامك على نهاية المطار تشاهد وراء حاجز جمهورا من اجناس شتى وهم يرفعون لافتات اغلبها من الكارتون، وهي لافتات اعدت على عجل، اذ لا تحمل أي ملامح وعناصر جمالية، ولا تحمل أي شعارات ومطاليب وليس لها أي علاقة بالسياسة وليس فيها سوى أسماء من الذين حملتهم الطائرة العراقية من بغداد الى نيودلهي. وقد يظن البعض ان هذه الجموع من حاملي اللافتات انما جاءت في منتصف الليل للترحيب بالضيوف العراقيين ومساعدتهم بتوفير السكن والطعام والاحاديث الودية، وتنظيم جولات لهم لمشاهدة ما تضم نيودلهي من اثار ومواقع سياحية، وقد يذهب البعض الى ابعد من ذلك وان هؤلاء الهنود وغير الهنود من رافعي اللافتات هم من أقارب اصحاء الأجسام الذين غادروا الطائرة العراقية الى نيودلهي ولعل هناك من يشعر بالوحشة والعزلة لانه لم يجد من يستقبله من الأصدقاء والاقارب الهنود وغير الهنود، اذ تعرف بعد ان تحل في نيودلهي ان هؤلاء الأشخاص من حاملي اللافتات هم طريقك الى المستشفيات وهم الذين يجعلون كلامك مفهوما في المستشفى اذا كنت لا تعرف اللغات السائدة في الهند وخاصة الإنكليزية والهندية وقد يصاحبك بعضهم منذ لحظة وصولك للهند الى لحظات وداعها ويحصل ان يدلك عليه احد اصدقائك واقربائك في العراق، وان يزودك بهاتفه وبريده الالكتروني وكل الوسائل المتاحة للاتصال له والتعرف اليه ذلك ان المترجم يحاول جاهدا ان يجعل علاقته بك قوية ومستمرة وان يحصل من خلالك على مرضى اخرين يكون مترجما لهم، ويحصل أيضا علاقتك لسنوات طويلة، وان تتبادل معه المشاعر والتهاني في المناسبات السعيدة وان يزودك بما تطلب من ادوية عند نفاد ما حملت من الهند من ادوية، كما يحرص على توفير الأجوبة عند استفسارك وسؤالك عن ادوية وامراض وعلاجات معينة وانت في بلدك وبين اهلك واصدقائك يكون الاتصال حميميا ومكثفا وعمليا عندما تكون انت المريض او تكون قد وفرت المترجم مريضا او اكثر من مريض، اذ يحصل ان يتولى مترجم معين الترجمة لعدة مرضى وان يوزع وقته بين اكثر من مريض ويتعزز ذلك عندما يكون المريض من بلد واحد او من عائلة واحدة او من منطقة واحدة او يعانون من حالة معينة، ويمكن ان يرافق المترجم مرضاه في جولات خارج او داخل المدينة او في المعابد والمناطق السياحية او في جولات داخل الأسواق التجارية المهمة. والمترجمون لا يفرضون على المرضى ولا يوجد شرط قانوني او غير قانوني للاستفادة من دورهم وخبراتهم، وانما يختارهم المرضى او يكون الاختيار من المستشفى اذا كان المريض لا يتحدث اللغة الإنكليزية ولا يكون مرافقا ملما بهذه اللغة، كما ان المترجمين ليسوا من الهنود فقط وليسوا من العراقيين فقط وانما هم من العراق والهند واليمن وعمان، ويمكن ان يكون المترجم مرافقا للمريض ومن أبنائه واخوانه وأصدقائه ويمكن ان يكون المريض نفسه مترجما لنفسه اذا كان يجيد اللغة الإنكليزية او يجيد اللغة الهندية، ولكن اللغة الإنكليزية هي السائدة في مستشفيات الهندية ولان الترجمة مغرية وذات مردودات مادية جيدة فان من الطبيعي ان ينشأ صراع بين المترجمين وان يحاول كل مترجم الحصول على اكبر نسبة من المرضى وان يكون له مدافعون في بلدان عديدة وخاصة البلدان التي تعاني ضعفا في الخدمات الطبية وقدرة على ارسال المرضى الى الخارج كالعراق والصراع بين المترجمين ليس ظاهرا ولم يكن مدفوعا للعنف وخارجا عن نطاق الادب والأخلاق وانما هو صراع محافظ على الحوار وحتى المريض في اختيار المترجم واستبداله، او استبدال المترجم والطبيب معا، لان سمعة المترجم مرتبطة بسمعة الطبيب، وبما يختار من أطباء لمرضاه إضافة الى حسن سلوكه مع المريض طوال اقامته في المستشفى او في مدينة نيودلهي. واغلب المرضى القادمين من خارج الهند يأتون بتشجيع وتحفيز من أصدقاء المترجمين في بلدانهم وقد تعرفت على شخص عراقي من مدينة السليمانية في نيودلهي قال لي: انه زار الهند ثمانين مرة وفي كل مرة يأتي بعدد من المرضى العراقيين لمعالجتهم في المستشفيات الهندية، وقد اكد لي ان الناس في السليمانية يفضلون العلاج في الهند بدلا من العراق كما انهم يفضلون الادوية المصنعة في الهند فهي افضل من الادوية المعروضة في الصيدليات العراقية، وقد اكد لي صديق عالج نفسه في الهند انه جاء بتشجيع صاحب محل لبيع الاحتياجات المنزلية في منطقته ببغداد، ولست شاذا عن ذلك فقد لجأت الى المستشفيات الهندية بتشجيع من صديق اكد لي انه حصل بعون الله على العلاج المناسب لي والذي يؤدي الى شفائي، حيث تعرفت على طبيب يوفر هذا العلاج دون تدخل جراحي او عملية جراحية وان نتائج هذا العلاج ظهرت منذ الليلة الأولى، وان الطبيب أوضح للمريض بانه سيتعافى بعد مرور ستة اشهر على ان يدام على تناول الحبوب والأدوية الهندية ولا يتناول غيرها، وان يأخذ معه منها ما يحتاجه للمرة المذكورة. والمترجمون والذين يقفون وراءهم من المبشرين بالطب الهندي لا يعملون ذلك من اجل الثواب وخدمة المرضى والسفر المجاني، وانما يعملون ذلك لقاء مبالغ معينة. ومع ان الهنود يتحدثون اللغة الإنكليزية ويمارسون أعمالهم اليومية بالتواصل والتفاهم بها، ومع انهم يعانون بطالة اعداد كبيرة من الذين يتقنون هذه اللغة والا ان المستشفيات الهندية مضطرة للاستعانة بالمترجمين من غير الهنود اذ يأتي المترجم غير الهندي ومعه عناوين لمرضى من بلده، مستعدين للرحيل الى أي مكان من اجل الحصول على الشفاء التام مما يعانون من امراض والام وهو فضلا عن هذه العناوين يقيم علاقات مع اشخاص من اهل بلده، تكون ممرا لعلاقات مع مرضى جدد.

علاقة طويلة

ويضاف الى ذلك ان المرضى انفسهم يحرصون على ان تكون العلاقة مع المترجم طويلة وان يكون المريض في بلده رسولا وداعية للطب الهندي، وان يساعد مرضى بلده على الرحيل للهند لطلب الشفاء لهم، وذلك ما يحصل فاغلب المرضى العراقيين يأخذون طريقهم للهند من خلال الاتصال المباشر مع المترجم من خلال وسيط عراقي يجمع بين المريض والمترجم. وقد يكون الوسيط من الناس الذين يمارسون الوساطة للثواب وبدواعي الصداقة والقرابة وعمل الخير والمعروف، وقد يتم ذلك بهدف الحصول على مبالغ معينة، تؤخذ في اغلب الأحيان من حصة المترجم. ان المترجمين الذين يحملون جنسيات مختلفة قد استطاعوا ان يسهموا بدور بارز في تحسين صورة الطبيب الهندي وتفوقه على الأطباء والاخرين، وقاموا بدور بارز في تحسين واهمية الادوية الهندية اذ تجد من يؤكد لك بانها افضل وانجح الادوية في العالم وأكثرها إيجابية ووسيلة للصحة والشفاء ويبدو ان مكافأة الأشخاص الذين يجلبون المرضى والمشترين للمستشفيات والمحال التجارية امر شائع في الهند، ومن الأمثلة الملموسة التي توضح ذلك اننا طلبنا من سائق سيارة اجرة ان يوصلنا الى سوق يقع تحت الأرض لشراء ملابس وأدوات منزلية وقد تصور السائق انه حصل على أجانب يحملون أموالا طائلة، وانه سيحصل من خلالهم عل مكرمة كبيرة فبدلا من السوق قادنا الى محل ملابس واقمشة غاية في الجمال والاغراء، ولكننا رغم استمرارنا في التجول داخل هذا المحل واندفاع العاملين فيه لعرض بضاعتهم لم نشتر أي شيء، ولم ندفع للسائق كامل أجرته، وحصل على التوبيخ بسبب ذلك وفيما كنا نتعامل مع احد سواق الأجرة للوصول الى احد الأسواق رضي احدالسواق بادنى مبلغ وتوخيا من ذلك ايصالنا الى احد الأسواق الذي يمكن عده من محال المناطق والاحياء وتجولنا في السوق وخرجنا منه دون إعطاء السائق وأصحاب المحال اية مبالغ نقدية ناجمة عن الشراء. وقد تصور احد السواق باننا من ذوي الاهتمامات الفنية الدينية، واننا مثل السواح الاوربيين نبحث عن ملاذات ومعتقدات دينية قديمة، فاقترح علينا زيارة محال تجارية قريبة من المعابد او تابعة لها.

محال كبيرة

وهذا ما حصل اذ اطلعنا على محال كبيرة وصغيرة، بعضها يبيع منتوجات فنية تصور الالعهة والقديسين باوضاع مختلفة، وبعضها يبيع تماثيل هذه الالهة باحجام مختلفة، كما ان بعضها يقدم اعمالا نحتية عن الالهة وعن المعابد والاثار وبعضها مصنوع من الفخار والبعض الاخر من الخشب ومواد أخرى بلاستيكية ونحاسية وغير ذلك، ومع ان العاملين في حد هذه المحال رحبوا بنا كثيرا ووضعنا امامنا أنواعا من المنتوجات الفنية الدينية التي وضعوا لها اسعارا مختلفة الا اننا لم نرغب بشراء اية شيء ولعل أصحاب المحل والعاملون فيه شعروا بخيبة مل كبيرة إزاء أجانب لا يحبذون شراء أعمالهم الفنية التي تعد من المقدسات لانها تستلهم وتصور الالهة وهم في اقدس واهم اللحظات وبعضهم يعد من اقدس وابرز الالهة. وتنتشر المحال المخصصة لبيع مثل هذه التحف الفنية في الكثير من مناطق نيودلهي وخاصة بالقرب من المعابد او في الطريق اليها وفي الاساق التجارية وهناك مجمعات للتحف والتماثيل الفخارية، وهناك محال ومجمعات كبيرة للتحف والتماثيل غير الفخارية وفي كل ذلك فان الهنود مبدعون في رسم الهتهم وما يتعلق بها من جوانب ومعتقدات دينية، وهم يستخدمون في رسمها الوانا توحي بالقداسة والنور والاشراق. والهنود الهندوس يعظمون هذه التحف والتماثيل وينظرون اليها باحترام وتقدير كبيرين ويحيونها بالسلام والصلاة عند مرورهم عليها وهي في المعابد الصغيرة والكبيرة والمحال التجارية. والذهاب للمعابد وزيارتها والتجول فيها من الاعمال المهمة في الهند، ولذلك يحصل السائق والدليل المترجم على مبالغ نقدية من التجار وأصحاب المحال على مكافأة نتيجة قيامه بجلب عدد من الأجانب الراغبين بشراء واقتناء بعض الاعمال الفنية الدينية من تحف وتماثيل ولقى مختلفة وقد وجدت ان بعض السواق معروف في أسواق ومحال عدة الامر الذي يجعلني أتساءل هل ان هؤلاء السواق من العاملين لدى تجار هذه السواق والمحال وهل هم مكلفون بقيادة السيارات وجلب الأجانب للشراء؟ ثم ما الذي يحصل عندما لا يرغب الأجانب بشراء أي شيء.. هل يكافأ السائق بمبلغ معين؟ وما هو المبلغ المتفق عليه في هذه الحالات؟ وهل هناك نسبة معينة من المبالغ تدفع للسائق من المبالغ المستحصلة من الأجانب؟ وهل هي النسبة نفسها التي يحصل عليها المترجمون من المستشفى والطبيب والصيدلي والمريض عند قيام المترجم بايضاح ما يريد المريض طرحه على الطبيب؟ ان ما يطلق عليه بالعمولة مسألة موجودة في الكثير من بلدان العالم، ولكنها منتشرة في الهند بشكل واسع، وكنا نسمع ان بعض الأطباء العراقيين يتفقون مع الصيدليات على دفع مبالغ معينة لقاء ايعازهم للمرضى بشراء الدواء من هذه الصيدليات.

مكاتب عقارات

ويمكن القول ان مكاتب العقارات تتوسط بين البائع والمشتري لقاء الحصول على نسبة معينة من المبلغ، ولكن المبالغ التي يدفعها المريض لقاء معالجته يبقى مرهقا له في اغلب الأحيان حتى وان كان قادرا على دفعه فكيف يكون الحال مع المرضى مطالبين بدفع مبالغ الذهاب والإياب بالطائرات ودفع اثمان علاجهم بشكل مضاعف بالمقارنة مع المبالغ التي دفعها المواطن المحلي عند مراجعته المستشفيات في بلده؟ وهل تصلح الامراض لتكون عملا تجاريا؟

مشاركة