أيام ووقائع في نيودلهي 1

88

أيام ووقائع في نيودلهي  1

تجربة مع الطب الهندي.. هل تصلح يد المهراجا علاجاً للمرضى العراقيين؟

رزاق إبراهيم حسن

بغداد

اشعر انني قد واكبت الكثير من الوقائع، وقدمت عرضا متسلسلا عن علاقتي بالهند، وعن مشاهداتي للهنود في بلادي وعن الاثار والصروح الدالة عليهم، وعن الذين تسموا بهم، وما طبعوا في نفوس العراقيين مركزا على الجانب الثقافي وما عرفت من ثقافة الهند، وكل ذلك أوردته في الفصل الأول دون ان أرى الهند واتعرف عليها بشكل مباشر علني في كل ذلك قد اوحيت للقارئ بانني من الذين يطمحون  للسفر الى الهند، والتعرف المباشر عليها، وكنت اطمح ان يكون السفر مفتوحا على افاق واسعة من المتعة والثقافة والانطلاق والفرح، وان يتاح لي الحديث بكل حرية مع الهنود، وان لا يكون السفر اضطرارا بسبب المرض والشيخوخة والعجز والارتباطات الرسمية والوظيفية والسياسية والفئوية وبرامج الزيارات المقيدة، فهل حققت ذلك وما الذي جنيته من تحقيق فكرة لسفر؟

ومع انني كنت احمل الرغبة في السفر الى الهند في أي لقاء مع الهنود واي استذكار لهم، واي هاجس يذكرني بهم ومع انني كنت احلم بالسفر منذ زمن بعيد، ورافقني هذا الطموح على امتداد ما عشت من حياة الا انني وجدت نفسي مدفوعا الى تحقيقه دون توفر الفرصة المناسبة والظروف المناسبة بذلك، فقد كنت احلم بالسفر خالصا دون انشغالات أخرى وها انا اضطر للسفر لاسباب تحول بيني وبين السفر واغراض ثقافية وسياحية، وكنت اطمح ان اسافر شابا قويا، بل في زهو وحيوية الشباب ولكن مثل هذا الطموح متأخر عن اوانه، وكنت اريد السفر مدروسا ومخططا له ولكن ظروف دفعتني لان اقبل به كما هو، وان اتشبث بحباله حتى وان كانت تعاني ولا توفر الاماني لمن يحاول اتخاذها وسيلة للخلاص مما يواجه من مخاطر، فقد بلغت من العمر ما يوجب الخوف من النهاية وفوات الأوان والتفكير بالآمال والرغبات السعيدة الضائعة بواجه معظم كبار السن فيحاولون تحقيق ما يقدرون عليه ومصاحبة المؤجل والصعب والمستحيل الى العالم الاخر، ثم انني اذ اقدم على السفر لا انطلق من الخوف على ضياع الفرصة المتاحة لي. وانما لانني مريض ولان الهند قد اشاعت سمعة غاية في الايجاب عن تطورها الطبي، وعن خبرة ومهارة اطبائها وقدرتهم على معالجة الحالات النادرة والصعبة، وتسمع وترى ان هناك من اعلن الاستسلام لقدره ومرضه ولكن الأطباء الهنود اتاحوا له الحياة من جديد واستعادة حيويته وما فقد من صحته وجسده وهناك من يؤكد انه راجع الكثير من الأطباء العراقيين والكثير من المستشفيات والمراكز الطبية العراقية ولم يعرف مصدر معاناته وآلامه، ولكن الأطباء الهنود اوضحوا له حقيقة وضعه ووفروا له العلاج اللازم والحياة الجديدة. والحكايات كثيرة عن الطب الهندي يضاف لها رخضه بالمقارنة مع الدول الأخرى، ورخص الإقامة في الهند والعيش فيها، وان الأطباء يتساهلون مع ذوي الدخول الواطئة والفقراء والمعوزين من المرضى. والى جانب ذلك يشيد العراقيون المسافرون الى الهند باخلاق المواطن الهندي وانفتاحه الرائع على الغرباء واستعداده لمساعدتهم دون شروط وتردد وتوفر الأمان في أي وقت واي مكان من الهند.

آحاديث مشاعر

وكانت هذه الاحاديث تدخل مشاعري واحاسيسي بقوة وتمتزج مع كياني وتزيد حلمي بالسفر الى الهند حماسا وعنفوانا واندفاعا فاجد  نفسي مصوبا نحو هدفي السفر مأخوذا به عازما على تنفيذه ومتحدثا عن ذلك لاقاربه والأصدقاء وكانوا يعرفون خطورة المرض الذي اعانيه ويباركون خطوتي باتجاه السفر واختيار الهند للعلاج وهناك من غبطتي على زيارة الهند قائلا: انني اغبطك على زيارة بلد غاندي هذا البلد العظيم وبودي لو ارافقك ولكن ظروفي لا تسمح بذلك، وكل ذلك زادني عزما وتصميما على السفر للهند. ومن العوامل التي جعلتني اهرع للسفر اني ان احد الأشخاص الذي اعده صديقا اغراني بالسفر للعلاج اذ اكد لي انه عاد من الهند قبل أيام وانه اجرى عملية لعينيه كللت بالنجاح، وانه تعرف في الهند على شخص عراقي يراجع طبيبا هنديا مختصا بالاعصاب، وهو اختصاص يتعلق بالمرض الذي اعانيه وان هذا الطبيب استطاع ان يحرره من معاناة المرض بالعلاج الطبيعي والحبوب الهندية، طالبا منه شراء هذه الحبوب بما يكفي لستة اشهر من الاستخدام ليعود بعدها متحررا من المرض واعراضه وخطورته وكان الأطباء العراقيون يؤكدون ان الطب الحديث لم يصل الى الدواء المناسب لهذا المرض رغم ما حصل من تطورات دوائية وصحية وطبية مذهلة وقد اتصلنا بمركز طبي في المانيا عبر الانترنت مستفيدين عن إمكانية معالجة هذا المرض فجاء الجواب بوجود مثل هذه الامكانية من خلال الخلايا الجذعية وان ذلك يكلف (12000) يورو، وقد وضعنا هذا الجواب امام عدد من الأطباء العراقيين فاستغرب بعضهم من وجود هذا العلاج فيما نصحنا بعض الاخر من عدم نجاحه، وهناك ادوية عشبية لمعالجة هذا المرض وهي كما يقول احد العشابين يمكن ان تصلح لجسم ولا تصلح لجسم اخر، وهي قسمة ونصيب حسب المثل الدارج ومن الطريف ان احد الأصدقاء وكان صادقا قد نصحني باستخدام دهن المحولات الكهربائية المستهلك، وكانت المنطقة التي اسكنها تضم عددا من المحولات وحصلت بعد زيارة احدى المحولات على قنينة من الدهن المستهلك وقمت حسب النصيحة بطلاء جسمي ورأسي بهذا الدهن وجربت ذلك مرات عدة رغم احتجاج العائلة وقرفها من رائحة وتخلله الى الافرشة والملابس وارضية الغرف والبيت ومرة زارني احد الكتاب وهو صديق أيضا حاملا معه قنينة من الخل والحبة السوداء والدارسين والمسواك داعيا الى  مزج هذه المواد وشربها قبل الفطور ليتم بفضلها الشفاء من هذا المرض وقد عملت المزيج وجربته وجاءت النتيجة مخيبة للآمال ومن المعالجات المتبعة في العراق وبلدان عربية واجنبية ولها برامج وتجارب مصورة في الانترنت زراعة شريحة تحت الجلد وكانت الفرصة متاحة في بغداد لاجراء هذه العملية ولكنني خشيت ان تسبب لي مضاعفات أخرى، كما حذرني الكثير من الأصدقاء لانني قد لا استطيع تحمل تنفيذها بحكم عمري، وضعف جسدي، كما ان العملية تحتاج الى تحذير شديد الفاعلية وتأخذ وقتا طويلا، وهي أيضا كما أوضح احد الأطباء تقدم علاجا مؤقتا وليس دائما ومع ان هذه العملية اقرب الى المجانية ويقوم بها أطباء مجربون ولهم سمعة جيدة الا انني كنت اهرب منها مفضلا ما اعتدت عليه من حبوب وادوية تقلل من تأثير المرض، ومن ضغطه وتوفر للمصاب به فرصة ممارسة العمل والمشي واللقاء مع الأصدقاء. وكنت في طريقي الى الطبيب في احدى مستشفيات نيودلهي استعرض هذه المعالجات والعمليات في ذهني لعل الطبيب يشجعني على استخدام الأفضل والمجرب منها ويبعدني عن اية عملية جراحية، واعود الى وطني وبيتي بأسرع وقت وبشفاء دائم وبعد لحظات قليلة من استقبال الطبيب وجدته متحمسا لاجراء العملية بعد ان استمع الى شرح مفصل عن علاقتي بالمرض ومعاناتي منه، وما راجعت من أطباء ومستشفيات وعرض فلما عن عملية اجراها لاحد المرض وقد اغنته عن الادوية والمراجعات وجعلته ينسى انه كان مريضا، اذ تباع له ان يمارس حياته الاعتيادية، وبعد ان اوغل الطبيب في شرح حسنات العملية اعترضته بسؤال: ما الذي تكلفه هذه العملية؟ فأجاب انها تكلف ثلاثين الف دولار مع زمن يبلغ أربعة أسابيع، فقلت له وهل توجد طريقة أخرى للمعالجة غير العملية؟ فأجاب: نعم توجد اذ نرسلك الى قاعة العلاج الطبيعي لتمارس الرياضة وتجرى لك التمارين مع تناول حبوب هندية حسب توقيتات محددة، وعندما عرف الطبيب بعدم رغبتنا باجراء العملية رفض اكمال شرحه، وزودنا بوصفات من الادوية والحبوب، كما حدد خمسة عشرة يوما لاجراء التمارين الرياضية على ان نراجعه بعد انتهاء هذه المدة ما حصل من تحسن في وضعي الصحي، ونفذنا امر الطبيب وأجريت لنا التمارين الرياضية بشكل يومي وبساعات قليلة ومن السائد في العراق ان الطبيب يتفقد مرضاه كل صباح، خاصة الأطباء واستشاريون والطبيب الهندي يفترض ان يمارس التعامل نفسه لكنه تركنا للعاملين في قاعة التمارين الرياضية وكانت اغلب التمارين يدوية يشرف عليها وينفذها مع المرضى عدد من الشابات والشباب الهنود وكانوا في غاية اللطف والاريحية والشفافية والتنفيذ الجيد للتمارين ولم يحددوا اوقاتا معينة للتمارين اذ كانوا يستقبلون المرضى في أي وقت من النهار وكان في القاعة مرضى من سوريا والسعودية واليمن وافريقيا وكنت استغرب من اشخاص يخضعون للعلاج وهم تعرضوا الى اطلاق نار او دهس او جلطة دماغية وان احدهم غزته الامراض والشيخوخة ولم يعد قادرا على حمل جسده والسير به في قاعة التمارين، وقد مارس التمارين وان اغلبها يتم على اسرة نوم معدة للاستلقاء وتحريك الأعضاء في أوضاع مختلفة، كما مارست التمارين على جهاز يعمل بالكهرباء ويراد به التدريب على استقامة الجسم واستقامة الظهر وتعويد الجسم واليدين والرجلين على الحركة اذ يتم ربط المريض بحبال وانطقة محبوكة بقوة وشد الساقين من الأسفل واطلاق اليدين فقط، اذ تتمسكا بالجهاز وهو يتحرك في الأسفل والاعلى مركزا على تحريك الساقين وتثبيت الارجل وقد بقيت اتمرن على هذا الجهاز بعد انتهائي من التمارين الرياضية وعندما انتهيت من الفترة المخصصة للعلاج الطبيعي ذهبت الى الطبيب اخبره انني لم احصل على هذه التمارين والأدوية والحبوب الهندية على أية نتيجة إيجابية وان وضعي الصحي في حالة أسوأ من السابق، وكنت احسب انني كما هو حال الأطباء العراقيين اراجع الطبيب، وفي العراق تكون المراجعة مجانية ثم انني انفقت ما طلبوا مني من دولارات ومن عملة هندية وان من حقي ان احصل على مراجعة مجانية، وعندما دخلت على الطبيب طالبني ببطاقة الدخول وهي تكلف اكثر من مئة دولار بل مئة ونصف وقد اخبرته بانني لا اكلفه الكثير من الوقت، واصر على عدم سماعي دون بطاقة الدخول والانتظام في طابور المراجعين وإزاء ذلك ذهبت الى قسم الشكاوي وطلبت مقابلة الطبيب مجانا فاستجاب بذلك بعد الاستماع الى مجمل وضعي وذهب احدهم الى الطبيب طالبا منه استقبال ومعالجة وضعي فاخذ يتهرب من مقابلتي من العيادة الاسباب غير معروفة ثم اوعز بدخولي عليه في اليوم الثالث لمراجعتي إياه وبعد سؤال وجواب عن وضعي وعن العلاج الطبيعي والحبوب اوعز بتكرار العلاج الطبيعي مرة ثانية كما اوعز بادوية وحبوب إضافية وقد عرفنا ان هذا الطبيب ليس مختصا بالاعصاب وامراضها وانما هو طبيب جراح، واخبرتنا عائلة سورية بانها طلبت استبداله بطبيب اخر لانه كما أوضحت هذه العائلة لم يكن بالمستوى المطلوب فبادرنا الى تقديم الطلب باحالتنا الى طبيب اخر، فاستقبلنا هذا الطبيب وعرضنا عليه ما اصابنا من الطبيب السابق، وما وصف لنا من علاج وادوية، فاكد صحتها باستثناء بعض الحبوب لانها حسب رايه من المسكنات ولا علاقة لها بوضعي. وكنت اظن ان العلاج الطبيعي المكرر للمرة الثانية سيكون مجانيا لانه بمثابة تصحيح لاخطاء وان فشل هذا العلاج للمرة الأولى يتحمله الطبيب وعندما سألت عن كونه مجانيا ام لا جاءني الجواب بان هذه المستشفيات لا تعرف المجانية ولا تقدم اية خدمة دون مقابل وقد اتضح لي بانني عند تكرار العلاج الطبيعي للمرة الثانية ساكون قد قضيت اكثر من شهر في نيودلهي عاصمة الهند وهي مدة طويلة تعادل ضعفي أيام الاجازة الممنوحة لي من الجريدة، كما ان هذه المدة تتطلب مبالغ إضافية للنوم والغذاء والنقل وهي غير متوفرة بما يلزم لذلك، وإزاء ذلك لم اعرض وضعي على مستشفى اخر وطبيب اخر وفضلت الرجوع الى العراق دون معالجة حقيقية مؤثرة وشافية. ولكنني اود ان اذكر انني لست المريض الوحيد الذي عاد من الهند دون علاج او بحالة أسوأ من السابق، فامرأة عراقية جالسة على كرسي متحرك وكانت في حالة يرثى لها من الارتعاش والاصفرار واليأس وعندما سألت عن وضعها كان الجواب انها تعاني من مرض الشلل الرعاشي وقد جاءت الى الهند مرتين وفي المرة الثانية أجريت لها عملية يفترض بها ان توقف المرض ولكنها خرجت من العملية بوضع أسوأ وهي العملية التي أراد الطبيب الهندي اجراءها لي فشكرا لقلة النقود لانها دفعتني الى عدم اجراء هذه العملية ولو كنت املك ثلاثين الف دولار لاقدمت عليها، كما انني وجدت أشخاصا يدخلون الطائرة ويخرجون منها وهم جالسون على كراس متحركة ويصف لهم حالاتهم بانها أسوأ من السابق، ويقول شخص فقد عينيه لقد زرت نيودلهي اربع مرات وانفقت الكثير من الدولارات ولكن عيني ظلت مفقودة ولم احصل على ومضة من أي ضوء. وذلك لا يعني ان العلاج مفقود في نيودلهي بل شاهدت وسمعت العديد من الأشخاص وهم يكيلون الكثير من الثناء والمديح للاباء الهنود لانهم حرروا هؤلاء الأشخاص مما يعانون من الامراض والآلام الموجعة والمستعصية وفتحوا امامهم افاق الحياة والامل والعمر الجديد وقبل ان اختتم هذه الصفحات المكرسة لعلاقتي بالمستشفى الهندي وطبيبها الجراح اود ان اشير الى ان المرضى العراقيين الذاهبين الى الهند غالبا ما يعللون ذلك بسوء وتدهور الطب العراقي وسوء معاملة الأطباء العراقيين ويقدمون امثلة على نقص وعدم صحة التشخيص الطبي في العراق ومعالجة الأطباء الهنود لهذا النقص الذي يتعلق بعمليات جراحية خطرة وباعضاء ذات أهمية كبيرة في حياة الانسان، وذلك يزيد من تدهور وتشوه سمعة هذا الطب، ويزيد من اندفاع العراقيين الى طلب العلاج خارج العراق، والامر الذي يتطلب من وزارة الصحة دراسة هذا الواقع وتأثيره على الاقتصاد، وعلى مستقبل الطب في العراق، ثم لمن وجدت في المستشفيات والمراكز الصحية المنتشرة في انحاء العراق كافة اذ كان المواطن لا يثق بها ولا يعدها صالحة للمراجعة وطلب الشفاء ولمن تقام ابنية جديدة وشاهقة لمستشفيات ومراكز صحية!

الهند خارج حدودها

انطباعات وذكريات عن الهنود داخل العراق

عندما اعود الى نفسي وذاكرتي استطيع ان أقول: انني لست غريبا على الهند وانني اعرف شيئا عن هذه الامة وعن خصائصها وعن بعض أدوارها وما تركته من انطباعات رغم انني كنت احلم بزيارتها ولم اتجاوز حدود الحلم. وقد جاءت معرفتي بالهند من خارج ارضها وحدودها الجغرافية، فقد ولدت وعشت في مدينة النجف الاشرف، وكنت مبهورا بجامع كبير، يحتل مساحة كبيرة ومهمة من سوق الحويش يسمى بالجامع الهندي وهو مفتوح لعامة الناس ولست في موقع الباحث عن تاريخ ومؤسس هذا الجامع ولكنه طبع في نفسي صورته البهية وانه يرمز الى تدين الهنود وانتمائهم للدين الإسلامي وعرفت فيما ان النجف تضم خانا كبيرا يسمى خان الهنود وظهر فيها شعراء يلقبون بالهندي وهناك عائلة كبيرة تلقب بالهندي وهي معروفة باصولها العربية. وتحضرني في هذه اللحظة مشاهدات متفرقة وغير مقصودة وغير محددة بمواعيد معينة لهنود يقصدون العتبات المقدسة في العراق اذ يأتون بلهفة متوشحين التقوى والخشوع مرددين الادعية والآيات القرآنية معهم رجل دين بعضهم من الهنود، واحسب انني قد تمكنت من الدخول الى اعماقهم وذواتهم ورأيتها وامسكتها، وكانت نقية من غير سوء، خالصة للايمان عامرة بالاخلاص وكنت احسبهم من الذين اختارهم صاحب المقام وجاءوا اليه بمواعيد ورؤى مسبقة معلنين الولاء والبيعة والإصرار على الثبات وما دمت اتحدث عن هنود النجف فانني أرى ان حشود الهنود القادمة من بلدانها الى زيارة العتبات المقدسة في العراق مازالت تسكن ذاكرتي، وما أزال احن  الى مشاهدتها وما تطلق من أجواء روحانية وما قدمت من وقائع، اذ يسير الهنود في ساحات صحون العتبات المقدسة افرادا ومجموعات صغيرة في انسيابية بطيئة، وكأنهم يخشون المشي السريع او كأنهم يجنبون ملامسة ارض الصحون وان فيها من الأرواح ما ينبغي الابتعاد عن اذاه وعن  انتزاعه من مكانه، ومما اذكره عن الحشود الهندية التي تزور العتبات المقدسة انها تختار اوقاتا للزيارة لايكون فيها الازدحام شديدا على الاضرحة والمقامات، اذ يتم ذلك فجرا او منتصف الليل او حصرا ولعلهم في ذلك يبتغون علاقة خاصة مع صاحب المكان او عدم اشغال الزائرين الاخرين بالتدافع والتسابق ومما هو معروف ان غالبية الهنود من الفقراء ولكنهم رغم ذلك يقطعون المسافات البعيدة من اجل زيارة العتبات المقدسة والمكوث فيها زمنا وغالبيتهم يستقلون الطائرات والبواخر للوصول الى هذه الأماكن. ويبدو انهم كانوا يقيمون في بعض المدن العراقية وخاصة البصرة، فهناك ما سمي سوق الهنود وقد زرته وتجولت فيه ولم اجد أي هندي وكان يتاجر ببعض السلع الهندية ومن ضمنها البهارات، وقد قصدت هذا السوق اسمه ولم يكن لدي رغبة في الشراء استجابة لما احمل من شعور ومن تقدير للهند ومع ان قضاء الهندية له اسم عراقي (طويريج) وان اشخاص اعتادوا على الهندية اسما له لان سدة الهندية تقع فيه، وللهندية وقع خاص لدى عدد كبير من العراقيين اذ منها تنطلق (ركضة طويريج) التي تجري في عاشوراء كل عام لتستعيد ركضة بني اسد لنصرة الحسين (عليه السلام) وقام الاسديون آنذاك يدفن ما تبقى من أشلاء الحسين عليه السلام واصحابه بعد استشهادهم في واقعة الطف في ساحة المواجهة مع جيوش امية وعندما اعود الى ذاكرتي ومطالعاتي وجد انني قد طالعت كتبا تتحدث عن علاقات بين العراق والهند منذ عصور ما قبل الاسلام بل تحدثت بعض المصادر عن اثار عراقية هندية متشابهة من اللقى وهناك تماثيل في الكتابات الصورية الهندية العراقية وهناك اتفاقيات سومرية تجارية التبادل المخترعات السومرية في الفن وطقوم الزينة الرافدينية وتجهيزات المواد الغذائية. وفي العصر البابلي 1830 قبل الميلاد كانت السفن البابلية تجلب اللؤلؤ والذهب والعاج وخشب الابنوس من الخليج الى الهند لجلب العطور والاحجار الكريمة، وقد تأثرت الهند خلال ذلك بحضارة وادي الرافدين في النظريات الفلكية والفنون الجميلة والرسم والنحت والعمارة، وكانت اهم الصادرات الهندية للبابليين تتمثل بالجواهر والكلاب الكبيرة التي تستخدم للتدريب والحراسة إضافة الى الطواويس وكان التجار الهنود قد اقاموا مستوطنات لهم في بعض المدن العراقية استجابة لازدهار العلاقات التجارية بين البلدين. واذكر انني عند مطالعاتي للشعراء العرب قبل الإسلام توقفت عند عبارة (بيض الهند) وعبارة الحسام الهندي ورجعت الى المعاجم فوجدت ان المقصود بذلك هو السيف المصنوع في الهند وهذا يشير بشكل واضح الى وجود علاقات تجارية بين الهنود والدب وان الصناعة الهندية موضع رضا وافتخار العرب ويعترف القادة الهنود المعاصرون مثل نهرو بتأثير الحضارة العربية الإسلامية اذ اكد نهرو بان القرنين الأوليين من صدر الإسلام قد حملا للهند قوة فلسفية دافعة تركت اثرا كبرا على المدنيات الحديثة، وكان التأثير متميزا في السياسة والفن المعماري. وقد  كانت العلاقات العربية الهندية مزدهرة في عهد الخليفة ابي جعفر المنصور وكان يروا الى العراق العود الهندي، المسك، الكافور، الصندل، الزعفران، العطور وكانت سفرات متبادلة وسواح يأتون من بلاد الى أخرى، وترجمة للكتب الهندية ولاسيما الكتب المتخصصة في العلوم الرياضية.

موضع جدل

وقد استعاد الخليفة هارون الرشيد بطبيب هندي لشفائه من مرض عضال فعينه رئيسا للمستشفى اعترافا بفضله وحسن وصفه، وعلاجه وهناك من ينسب الف ليلة وليلة الى مؤلف هندي ومايزال هذا الامر موضع جدل وخلاف بين الباحثين ومعروف ان رواية كليلة ودمنة لمؤلف هندي وقد ترجمت الى العربية والفارسية وهي نقلته من لغة هندية. المعلومات العراقية n الهندية القديمة نقلت بتصرف من كتاب العلاقات العراقية الهندية تأليف الدكتور اميرة حسين محمود n بغداد. وكنت وما أزال مستغربا من قلة وشحة النتاجات الأدبية الهندية المترجمة الى العربية، فهناك بلدان صغيرة وذات تاريخ ثقافي محدود ولكنها حاضرة بادبها وثقافتها في الساحة الثقافية العربية، والهند على سعة مساحتها وفخامة عدد سكانها واسعة التنوع الثقافي واللغوي فيها، والعلاقة القديمة والغنية بين الثقافة العربية والثقافة الهندية ولا نجد من الترجمات ما يناسب ذلك وما يدعم ويعزز العلاقات السياسية والاقتصادية والدينية بين العرب والهنود. ويحصل ذلك على الرغم من شيوع اللغة العربية عند الكثيرين من أبناء الهند، واعتناقهم الدين الإسلامي. كما ان مصادر وادبيات الثقافة الهندية قليلة في الثقافة العربية فهناك كتب قليلة عن غاندي ونهرو ومؤلفات لهذين الزعيمين وهناك مترجمات لشعر طاغور وقد خصصت مجلة (الثقافة الأجنبية) العراقية ملفا عن الادب الهندي وكانت مجلة (لوتس) الصادرة عن اتحاد ادباء وكتاب الاتحاد الاسيوي الافريقي فترجم بعض القصائد والقصص للادباء والكتاب الهنود للعربية واتذكر انني تصفحت اعدادا من مجلة كانت تهتم بالعلاقات الثقافية العربية الهندية. وكل ذلك حدث في المراحل السابقة في هذه المراحل عقدت اتفاقية ثقافية بين العراق والهند لم تسفر عن فعاليات متعاقبة ولكن هناك فعاليات مهمة من ضمنها اختيار المجمع العلمي العراقي مولانا أبو الكلام ازاد وزير المعارف الهندي في العام 1949 عضوا مراسلا له وفي بداية الخمسينات تم الاتفاق بين مديرية الاثار العامة في بغداد مؤسسة دبكان للبحوث والدراسات في الهند على تبادل الاثار بين العراق والهند وأبدت وزارة المعارف العراقية استعدادها لقبول ترشيحات مؤسسات البعثات الثقافية والعلمية الهندية المقدمة للعراق للعام الدراسي 1952 n 1953 حيث غادر العراق الى الهند عدد من الطلبة العراقيين للدراسة في الهند واستقدمت وزارة المعارف العراقية السيد محمد امين امام هندي الجنسية للتدريس على الملاك الثانوي. ومن الاحداث المهمة قيام وزير الهند المفوض في بغداد (خوب جاند) بإقامة حفل بمناسبة قيام الجهات الهندية بتقديم موسوعة تاريخ الفلسفة الزمنية والغربية الى المجلس العلمي العراقي وارسال جمعية الفنون في كلكتا بعثة ثقافية فنية الى العراق برئاسة الدكتور (كاليبوتالفا) حيث القى هذا الضيف على تاريخ الفن الهندي، كما عرضت مئة وخمسون لوحة في بغداد وتكريما للفن العراقي الحديث اقامت جمعية الفنون الهندية معرضا للفنانين العراقيين الكبار اكرم شكري وجواد سليم وعطا صبري في اربع مدن هندية هي (نيودلهي، بومباي، كلكتا، وحيدر اباد لمدة عشرة أيام في كل مدينة من هذه المدن الأربع وبالمقابل أقيم في بغداد المعرض للفن الهندي المعاصر عرضت فيه اعمال الفنان دوبهو طاغور والفنانة عطاء الرحمن وقد أقيم هذا المعرض في قاعة العرض بمعهد الفنون الجميلة وافتتحه وزير المعارض خليل كنه (2) 53 – 54. وانطلاقا من ذلك فان العلاقات الثقافية العراقية الهندية اقتصرت على الفنون والبعثات الجامعية ولم تشمل الادب والترجمة، كما انها اقتصرت على العهد الملكي ولم تمتد الى المراحل الأخرى، الامر الذي يستلزم احياء الاتفاقية الثقافية التي تركزت على الجامعات واستقبال المرشحين العراقيين، وعقدت اتفاقيات حول تبادل المعارض والندوات والمؤتمرات واختيار اعمال أدبية لترجمتها الى العربية ومن العربية الى اللغة الهندية والإنكليزية.

مشاركة