معاذ الألوسي: نحتاج إلى معجزة معمارية لحلول إشكالات السكن والحياة

معاذ الألوسي: نحتاج إلى معجزة معمارية لحلول إشكالات السكن والحياة

فاروق سلوم

يضعنا فضاء العمارة ازاء مشكلة العيش والبقاء وكأنها التحدي الأجتماعي والثقافي والأنساني الأول .بل انها تشكل معيارا ثقافيا لحياتنا وحركتنا واستعمالنا للمكان بشكل يعكس وعينا لأهمية المكان وابتكار علاقة وجدانية معه .

وبالرغم ان استاذ العمارة “هنري سفوبودا” الذي عاش في بلادنا عقودا طويلة ، كان يشاكسني كل مرة ويسألني ماذا تريد من العمارة وانت شاعر.. كنت ببساطة اقول له ” انا من جماعة العمارة الشعرية او شعرية العمارة” فيصفن قليلا ثم يتوقف . ولايعفى لقائي الأول بالمعمار رفعت الجادرجي من سؤال شبيه عن ما كنت اريده من ولوج البيئة المعمارية الأنطوائية في بنية الثقافة العراقية ، وكان قــــد حضر للتو الى بغداد هو وفينتوري ومعماريين اخرين بينهم مــــــعاذ الآلوسي لحضور مناقشات الجامـــــــع الكبير في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي .

ودائما كنت اظن ان اتساقا فكريا مع الذات يشبه اعلائها يتلبس الكثير من المعماريين والمبدعين يتحول فيما بعد الى نمط من فقاعة عازلة ربما تشبع عزلته الخاصة !!

تجربة مختلفة

وجدت الأمر مختلفا مع معاذ الآلوسي معمارياً وانسانا. انه يحب ذلك التفاعل الحي مع المستعمل للبناء وهم الناس واسطوات البناء من البنائين والعمال المتخصصين واصحاب معامل  و” كور” صناعة الطابوق ليقترب اكثر من حلم المعمار الأرضي ويتواصل مع منابع الوعي الشعبي ليكوّن مصادر الهام عديدة تقارب شخصيته الأنسانية وتجربته الميدانية التي اوصلته الى وجهة نظر ازاء الطابوق “الفرشي” الذي يسميه الطابوق العاري .. الذي يجد فيه امكانات كثيرة لأنجاز خاصية العمارة العراقية واجهة ً ووظائف وامكانات ، في تفاعل المعاني والأشارات يقول  ” نشأت في الأعظمية في راس الحواش وكانت الأبنية التي ترعرعت في وسطها مثل ، دار المعلمين الأبتدائية وثانوية الأعظمية ومدرسة التطبيقات والمقبرة الملكية ابنية ً مبهرة بل هي جواهر عالمية التصنيف في التصميم والوظيفة ومادة البناء – الطابوق العاري .” ويستطرد في مواصلة وصف جذور معرفته ان بيتنا بكل خاصية الحنان الذي ينطوي عليه بناؤه كان بالنسبة الي مثل مدخل ثانوية الأعظمية الذي اجتزته مئات المرات قد تعودت على تصميمها ومخمل مادتهما لكني مع الوقت تجاوزت الأعتياد الى احساس عاطفي بذلك الحنان اذي تضفيه جمالية تلك الأبنية وروحها وتأثيرها . وكم وجدت تشابهاً بين روح تلك العمارة التي نشأت وسطها وروح اساتذة العمارة الذين وجدت في حواسهم وعواطفهم تشابهاً كبيرا بين شخصية تلك العمارة وماعلموني من دروس اكاديمية ومدرسية هندسية او جمالية او حرفية عميقة.

تطابقات

كنت وجدت في بيئة العمارة العراقية كثيرا من التقاطعات بين المعماريين وثقافاتهم ومدارسهم وقراءاتهم، بل وجدت في احيان كثيرة عدوانية في النقد والتقييم لتجارب مجايليهم ، ومع ان ذلك يبدو مألوفا في بيئات الثقافة العراقية والحياة الا انه يبدو ان له تأثيرات حين فتحت الحوار مع معاذ الآلوسي عن مشروع تصميم وتنفيذ شارع حيفا ومدى استجابته لحاجاتنا العراقية وخاصية حياتنا.. وقلت انه تكوين شطر البيئة الأجتماعية وانه لم ينج من قرارات السياسي في استغلال بعض مبانيه الخدمية وتحويلها الى دوائر واعطال متنوعة ابان استعمال سكانها ازاء ازمات الحياة العراقي في موضوعات الكهرباء والماء الصافي والبنية التحتية وغيرها.  يقول معاذ الآلوسي ” استطيع ان اقول ان شارع حيفا ومشروع الكرخ مشروعان مهمان في تجربتي تصميما وتنفيذا ، وبمعزل عن اؤلئك النقاد والمعماريين الذين يحلو لهم ان يربطوا المشروعين وملكيتهما بشخص الحاكم غير اني بذلت كل احساس ممكن لكي اترك فيهما لمسة ثقافتي ووعيي وذاكرتي العراقية لكونا مشروعين اولهما شارع حيفا الذي كان مخصصا ليكون ساكنيه اكثر من عشرة الاف من اساتذة اجيال من طلاب الجامعات العراقية وهم اساتذة مثقفون ومتعلمون ويدركون معنى استعمال المبنى وخصوصيته والثاني لرفع مستوى ساكنيه من المتجذرين القدماء في سكان المنطقة مذ كانت بقدامتها الممتدة الى اصول بغدادية في زمن المدينة وبمكوناتها التاريخية وطينها وممراتها التي تمتد نحو النهر كفضاء اوسع لحياة وافكار سكانها.

منذ الدعوة التي وجهت للمكاتب الاستشارية للأسهام في انجاز مشروع شارع طولي يخترق “صوب” الكرخ يتوفر فيه الطابع الحلولي لأشكالات معمارية ووظيفية ضمن مخطط التصميم الأساسي لمدينة بغداد منذ منتصف سبعينات القرن الماضي الذي وضعته شركة بول سيرفس البولونية  وتتوفر له امكانات عريضة ومفتوحة .

وكانت عند البدء بتقديم مقترحنا، تستقر في وجداني وذاكرتي وقلبي ان المطلوب هنا هو بناء عمارات سكنية متفرقة بكثافة تليق بمدينة بغداد واهلها ولكن بمواصفات من المرونة التي تمتد عبر خصوصيات وثقافة وملامح حياة وتداخل فنون وعادات واحلام وملابس وفنون وادوات تعبير وهوية تشبه اهلها وساكنيهاعلى مدار الزمن، والأن وغدا . وانا لا ادعي ان مشروع حيفا يخلو من عناصر نقد ولكنه على مستوى توفير الحلول والأمكانات المعمارية لبناء مدينة وعلاقات وحلم وحياة مرنة. وهو كمشروع ضمن الكثير يمكن ان يشير في دراسة ما ، انه وفر حلولا لكن الآن ارى اننا نحتاج الى معجزة لحل اشكالية السكن لأجيال من العراقيين والعوائل الجديدة التي تحتاجها اليها الحياة الآن.

رؤية وشباب وعمارة

المعماريون الشباب يطلون في المشهد المعماري العراقي بين متطلبات البقاء وبين ذاكرتهم المعمارية والثقافية . انهم يؤسسون لطقوس معمارية واضطرارات وواقعية تفرض شروطا وامكانات وظروفاً قد لاتصلح لأقامة قواعد لمشروع معماري او قد لاتسمح بتعزيز ماهو موروث طوال مدة تأسيس الدولة العراقية وبقائها من ثقافة وجامعات ومشاريع واسس وكتابات ونماذج لمشاريع قائمة ومحتملة لتتماشى مع متطلبات الغد وتنوع ثقافة اجيال من ابناء عصر المعلوماتية وتوجهاتهم ومعرفتهم بتقنيات مختلفة تقوم على الأختزال والتقليدية والتنوع في خطوط الحداثة وهويتها واستعمالات مبانيها .

المهندس المعماري معاذ الآلوسي يعترف ان هنالك اتجاهات مرفوضة في اطار العمارة العراقية الآن من حلول ترقيعية وتغليف وصيانه شكلية تستدعي النقد المعلن ، ولكنه يرى ان المعماريين الشباب المثقفين والمتعلمين المسلحين بذاكرة وخلفية حرفية تخصصية قادرون برغم كل معوق او حالات يأس او نكوص ان يتمسكوا بمشاريعهم القائمة على وعي حاجات المجتمع وثقافته وبصيرته واحلامه . انه يثق تماما ان ثمة جيلين من المعماريين العراقيين قادران الان على اجتراح معجزة العمارة العراقية القادمة برغم افتقار الروح والمناخ والعلاقات الأجتماعية والأنسانية تصلح لتمنح معماريينا هؤلاء ان يقيموا مشروعهم الذي يمنح العمارة العراقية فرصة الثبات والتطور ازاء الفساد والمعوقات وسوء الفهم والتعارض القائم بين القرار السياسي والحاجة الفعلية لعمارة انسانية تعيش عصرها وبين حالة نكوص تريد لليأس والشعور باللاجدوى ان يكونا حالة الواقع دون امل او حلم او رؤية ممكنه لوضع حلول لأشكالات حياتنا ومشاريع السكن المقبلة ..

مشاركة