بين تكنولوجيا التعليم وإقتصاديات المعرفة – فارس البياتي

عوامل الإندماج

بين تكنولوجيا التعليم وإقتصاديات المعرفة – فارس البياتي

تحتاج جميع المجتمعات في العالم الى كثير من جهود التخطيط في سبيل تحقيق أهدافها التنموية الاقتصادية منها والاجتماعية، ومنها الدول العربية ولعل من أهم هذه التحديات القدرة على استثمار الإمكانات والطاقات البشرية الهائلة في كافة المستويات والأصعدة. كما أن امتلاك وحيازة وسائل المعرفة بشكل موجه وصحيح،  واستثمارها بكفاءة وفعالية من خلال دمج المهارات وأدوات المعرفة الفنية والابتكارية المتطورة، لابد وأن يشكل إضافة حقيقية للاقتصادات وقاعدة للانطلاق نحو التحول إلى الاقتصاد المبني على المعرفة، ونتيجة لذلك أصبح التعليم أمراً حيوياً ومتطلباً إلزامياً للعديد من المجتمعات،  مما أدى إلى ظهور المكتبات والمدارس والجامعات،  وانتشار المعرفة، وصولاً إلى الثورة التكنولوجية وعصر المعرفة الذي نحياه في وقتنا الحاضر، وتبرز معالم المعرفة والأهمية القصوى لهذا الموجود من حقيقتين رئيستين مفادهما أن التراكم المعرفي الإنساني والمهارات والإمكانات التي نتجت عن هذا التراكم قد أسفرت عن تحسين مستويات المعيشة وتحقيق الرفاهية للعديد من الدول التي أفلحت في تطويع تلك المعارف والمهارات بغرض زيادة مستويات إنتاجها،  وبتفعيل المعارف المتراكمة،  وتجديدها وتحديثها باستمرار ووضع النظم الفعالة للاستفادة منها،  استطاعت أمم أن تتفوق على أمم أخرى تقدما وتنمية،  وبناء طاقات متجددة، وفي هذا السياق؛ علينا أن نفكر بالبدائل لكل الطاقات المتاحة وليس في اقتصاديات النفط فقط رغم أهميته والتفكير بوسائل جديدة تخفض من الاعتماد على الموارد القابلة للنضوب،  لنضمن مستقبلاً للاستدامة. وبودي أن أطرح من خلال هذه الورقة مشروع علمي للإستثمار الحي والفعال مما ينطبق عليه ما تقدم من صفات وهو: الإستثمارات في التعليم الذكي (التعليم المدمج)  (Blended Learning) Investments in Smart Education         حيث يواجه العالم بشكل عام،  وقطاع التعليم بوجه خاص،  مشاكل في تلبية المتطلبات الاستراتيجية في مجال التعليم، من حيث التحول من مجتمع يعتمد على الموارد الناضبة إلى مجتمع منتج ومصدّر للمعرفة وعليه فإن على المجتمعات المواكبة لما يحدث من تطور على أساليب التنمية الحديثة،  والاعتماد على التنمية المستدامة التي تحفظ الموارد للأجيال القادمة؛ بايجاد موارد جديده تعتمد على الطاقة المتجددة،  من خلال مشاريع تلبي احتياجات البشر في الوقت الحالي،  وذلك بهدف بناء وتأسيس مجتمع المعرفة المعلوماتية التكنولوجية. والحصول على مخرجات تهتم في تفعيل دور التكنولوجيا في كافة المؤسسات الثقافية والفكرية والتعليمية والبحثية.

رقميات معاصرة

أود أن أبين وجهة نظر طالما أؤمن بها في هذا المجال وهي بقدر تعلق الأمر بالعقل الشرقي على وجه الخصوص بالتخوف من كل الرقميات المعاصرة والمفاهيم الأخرى الاقتصادية او الثقافية التي جائت بطاياتها ومنها العولمة،  بسبب كثرة ما عانى منها الشرق طيلة حياتهم من الاستبداد والتسلط،  كما أن الخوف من كل جديد ناتج عن تفكير البعض نحو الإستقرار والتمسك بالتأريخ والتراث جامدا دون إستثمار إنعكاساته نحو الحاضر والمستقبل وإشراقاته التي أنارت العالم في ماض قريب،  بل حتى التاريخ والتراث للمتتبع فهو في تطور بحكم زمانه،  فهذا البعض ينظر للخلف ولا ينظر للأمام،  فيرى كل المعاصرة من التجارب موجه ضد ثبات العناصر الثقافية الأصيلة وهو في الحقيقة تعتبر هذه التوجهات فرصة لإثبات قوة العناصر الثقافية والتربوية التي نحسب أنها باقية ببقاء الإنسان وكما هو إعتزازنا بالتأريخ نعتز بأنفسنا أمما منفتحة متفهمة مع العالم..

إن أي نشاط وخاصة على هذا المستوى مثلما يواجه قبول يواجه معوقات ومشاكل وأعتقد أن من أولويات المعوقات لا تبدأ بالتطبيقات مثلما يعتقد البعض بل في الإستراتيجيات العامة التي تقر التعامل مع هذا نوع من التعليم الذي أصبح موضوع إدراج التكنولوجيا العصرية وتأهيل الطلبة ليكونوا قادرين على الاستفادة من إمكاناتها،  حيث لم تعد محل جدل أو نقاش في العصر الحالي بل ضرورة حتمية،  وأن رؤية الدولة تستند إلى التعليم الوطني المتميز بوصفه السبيل لتحقيق الإستراتيجيات الوطنية في التحول إلى الاقتصاد المعرفي المبني على الابتكار.فالتعليم التقليدي لا بديل له لكنه أيضا أصبحت هناك حاجة لمكملات وإملاء فراغ من لم يتمكن من اللحاق بالتعليم التقليدي.

أن رفع شعار التعلم مدى الحياة يعني وجوب ترجمته الى التعلم في اي مكان وأي زمان لفئة كبيرة في المجتمع لا تتمكن من الإنتظام بالدوام بل تتمكن من تكييف وقتها مع اوقات محددة ومنها عبر الوسائل التي أصبحت جزء من أدوات المجتمع بل لدى كل أسرة. ويأتي هذا انسجامًا مع النظرة الحديثة للتعليم في عصر التكنولوجيا الرقمية،  إنّ الفكرة للتعليم الإلكتروني تُبنى حول فلسفة التعليم في أي مكان وأي زمان، التي تعني أن المتعلم يمكن أن يحصل على المواد التعليمية وخبرات التعلم متى شاء وأين يشاء وفقا لمعايير محددة، من ذلك لدينا تجارب عالمية وعربية ناجحة وتتبع كافة الأساليب المعاصرة في تقديم هذا النوع من التعليم، لكنها برأيي لا تزال بحاجة الى تطوير ويعتمد ذلك على الخطط المستقبلية وإمكانية تنفيذها وفقا للموارد المتاحة..

بحث علمي

أما الجانب الثاني من المشروع فيتركز في الإستثمارات في مجالات البحث العلمي..وهنا لا بد من وقفة دقيقة وصريحة على واقع الباحث العلمي قبل الإنتاجية للبحوث العلمية..فلا بد من التأكيد إن من أهم أسس ومقومات الإستثمار المبني على المعرفة هو رأس المال البشري والذي يتطلب تبني استراتيجية ذات شقين يكمل كل منهما الآخر وهما:

-الزيادة في مصادر إنتاج ونقل المعارف في المدى الطويل كالتعلم،  التكوين،  البحث والتطوير.

-الاعتماد على تكنولوجيات متطورة والمتمثلة في تكنولوجيا الاتصال.

إن هذا النوع من الإستثمار يساعد من إنتاج المعرفة ونشرها واستخدامها،  وهو الذي تكون فيه المعرفة العامل الرئيس في النمو وتكوين الثروة والتوظيف في مختلف القطاعات،  ويشكل رأس المال البشري ركيزته الأساسية للابتكار والإبداع وتوليد الأفكار الجديدة،  وذلك بالاعتماد على تقنية المعلومات والاتصالات كأداة مساعدة،  فالمعرفة رافقت الإنسان منذ أن تفتّحَ وعيه،  وارتقت معه من مستوياتها البدائية،  مرافقة لاتساع مداركه وتعمقها، حتى وصلت إلى ذروتها الحالية. غير أن الجديد اليوم هو حجم تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمط حياة الإنسان عمومًا من خلال رفع كفاءته،  وذلك بفضل الثورة العلمية التكنولوجية.

أما في بلدان الشرق عموما وفي دولنا على الخصوص يعاني البحث العلمي وضعاً صعباً للغاية،  جعل الفجوة كبيرة إذا ما قورن بالعالم حيث أن حجم البحوث العلمية العربية شحيحة جداً مقارنة بالنسب العالمية..ومعاناة الدول في مجال البحث العلمي لها مسببات كثيرة أرى أن أهمها هو ضعف الإستراتيجية التي تقوم عليها مؤسسات البحث العلمي،  وهذا يعني أن هنا في الشرق عموما والدول العربية سوقا خصبا لإستيراد المعارف البحثية ومن هنا جائت الفكرة أن نساهم في الإنتاج وليس في الإستهلاك فقط ..

الآراء تعددت حول القضية،  ولكل وجهة نظره،  ولكل بلد ظروفه،  ولكل جيل فضاءاته، لكنها لا تخرج من محور واحد هو مشاكل البحث العلمي من خلال ملف نفتحه كقضية مهمة ذات جوانب متعددة وأهمها الجوانب التي ترتبط بالتعليم ولا نريد ان نتفحص الموضوع من سلبياته ولكننا نذكر مباشرة الى الحلول التي تواجه تلك المشاكل بتقديم مشروع علمي إستثماري متخصص..

{ الأمين العام للرابطة الدولية للباحث العلمي/ مدير المركز البريطاني للدراسات والبحث العلمي

مشاركة