‏غاب‭ ‬الجواهري‭ ‬وحضر‭ ‬الشعراء-رباح آل جعفر

قال‭ ‬أبو‭ ‬العلاء‭:‬

‏وردنـا‭ ‬مـاء‭ ‬دجلة‭ ‬خيـرَ‭ ‬مـاءٍ

‏وزرنا‭ ‬أشرفَ‭ ‬الشجرِ‭ ‬النخيلا

‏وما‭ ‬أكثر‭ ‬الشعراء،‭ ‬والأدباء،‭ ‬والندماء،‭ ‬والحيارى،‭ ‬والرحالة،‭ ‬وأهل‭ ‬الهوى،‭ ‬الذين‭ ‬وردوا‭ ‬ماء‭ ‬دجلة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ركن‭ ‬وبقعة‭ ‬وصوب‭ ‬في‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية،‭ ‬ومشوا‭ ‬على‭ ‬أطرافه،‭ ‬واستلقوا‭ ‬على‭ ‬ضفافه،‭ ‬ووقفوا‭ ‬عند‭ ‬أجرافه،‭ ‬وتناجوا‭ ‬على‭ ‬جسوره،‭ ‬وفي‭ ‬أفياء‭ ‬أشجاره‭ ‬وظلالها‭ ‬وحولها‭. ‬يقولون‭ ‬في‭ ‬النجوم‭ ‬الساهدات‭ ‬وفي‭ ‬النواسي‭ ‬والليالي‭ ‬الملاح،‭ ‬ويتغزلون‭ ‬بعيون‭ ‬المها‭ ‬وفتنتها‭ ‬وروحها‭ ‬وعطرها‭ ‬اللاتي،‭ ‬جلبن‭ ‬الهوى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬أنت‭ ‬ولا‭ ‬هم‭ ‬ولا‭ ‬نحن‭ ‬ندري،‭ ‬وكل‭ ‬ليلة‭ ‬بألف‭ ‬ليلة‭ ‬تبدأ‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭. ‬

‏وفي‭ ‬بغداد‭ ‬وفي‭ ‬أشهر‭ ‬شوارعها‭: ‬الرشيد‭ ‬وأبو‭ ‬نواس‭ ‬والمتنبي‭. ‬وأسواقها‭ ‬وأسوارها‭ ‬وأبوابها‭: ‬باب‭ ‬المعظم،‭ ‬والباب‭ ‬الوسطاني،‭ ‬وباب‭ ‬الطلسم،‭ ‬والباب‭ ‬الشرقي،‭ ‬أو‭ ‬باب‭ ‬كلواذى،‭ ‬وآثارها‭ ‬ومحلاتها‭ ‬القديمة‭ ‬المتجددة‭ ‬بنكهة‭ ‬مجدها‭ ‬العريق‭ ‬وماضيها‭ ‬التليد‭.. ‬وفي‭ ‬دجلة‭ ‬قال‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭:‬

‏يا‭ ‬شـراعاً‭ ‬وراءَ‭ ‬دجلةَ‭ ‬يـجـري

‏في‭ ‬دموعي‭ ‬تجنبتكَ‭ ‬العوادي

‏فهذا‭ ‬النهر‭ ‬العظيم‭ ‬ينام‭ ‬في‭ ‬أمواجه‭ ‬وسواقيه‭ ‬كل‭ ‬الحزن‭ ‬العراقي‭ ‬النبيل،‭ ‬والمساءات،‭ ‬والخلاخيل،‭ ‬ومكاتيب‭ ‬الهوى،‭ ‬وقصص‭ ‬الأشواق،‭ ‬والأحلام‭ ‬المؤجلة،‭ ‬والأسرار‭ ‬والأساطير،‭ ‬والمقامات‭. ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬نهر‭ ‬التيمس‭ ‬في‭ ‬إنجلترا،‭ ‬ولا‭ ‬السين‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬ولا‭ ‬الراين‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭. ‬لكنه‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬العتابة‭ ‬تحتاج‭ ‬من‭ ‬يسمعها‭. ‬تختصر‭ ‬أطول‭ ‬حكايات‭ ‬الشوق‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭.‬

‏وكانت‭ ‬أجمل‭ ‬مهرجانات‭ ‬الشعر‭ ‬تقام‭ ‬في‭ ‬بغداد‭. ‬فيتوافد‭ ‬الشعراء‭ ‬بمعلقاتهم،‭ ‬والعشاق‭ ‬بآهاتهم‭. ‬وفي‭ ‬منتصف‭ ‬الستينات‭ ‬أقيم‭ ‬مهرجان‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬غاب‭ ‬الجواهري‭ ‬وشارك‭ ‬مصطفى‭ ‬جمال‭ ‬الدين،‭ ‬وأبو‭ ‬نواس‭ ‬العراق‭ ‬حافظ‭ ‬جميل،‭ ‬والشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الوائلي،‭ ‬الذي‭ ‬قرأ‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬قصائده‭:‬

‏بغداد‭ ‬يا‭ ‬زهو‭ ‬الربيع‭ ‬على‭ ‬الربى‭ ‬

‏بالعطـر‭ ‬تعبـقُ‭ ‬والسنا‭ ‬تتـدفّـقُ

‏يا‭ ‬ألـف‭ ‬ليلة‭ ‬ما‭ ‬تـزال‭ ‬طيـوفـهـا

‏سحـراً‭ ‬على‭ ‬شطآن‭ ‬دجلةَ‭ ‬يمتعُ

‏أما‭ ‬مصطفى‭ ‬جمال‭ ‬الدين‭ ‬فزاد‭ ‬بهاءً‭ ‬برائعته‭ ‬البغدادية‭:‬

‏بغدادُ‭ ‬ما‭ ‬اشتبكت‭ ‬عليكِ‭ ‬الأعصـرُ

‏إلا‭ ‬ذَوَتْ‭ ‬ووريــقُ‭ ‬عمـرك‭ ‬أخضــرُ

‏مرّتْ‭ ‬بكِ‭ ‬الدنيا‭ ‬وصبحكِ‭ ‬مشمسٌ

‏وَدَجَتْ‭ ‬عليـك‭ ‬ووجـه‭ ‬ليلك‭ ‬مقمـرُ

‏ثم‭ ‬جاء‭ ‬حافظ‭ ‬جميل‭ ‬الشاعر‭ ‬الهادئ،‭ ‬الهامس،‭ ‬الدافئ،‭ ‬لينشد‭ ‬فيُطرب‭:‬

‏أضيافُ‭ ‬بغدادَ‭ ‬هذا‭ ‬وجهُ‭ ‬بغداد‭ ‬ِ

‏صحائفٌ‭ ‬من‭ ‬بطـولاتٍ‭ ‬وأمجـادِ

‏هاتوا‭ ‬العبيـدَ‭ ‬أقطِّعْ‭ ‬كفّهم‭ ‬قُبُـلاً‭ ‬

‏ولا‭ ‬أصافحُ‭ ‬كفَّ‭ ‬الظالمَ‭ ‬العادي

‏في‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان‭ ‬غنّى‭ ‬محمد‭ ‬القبانجي‭ ‬عن‭ ‬بغداد‭: ‬الملك‭ ‬لله‭ ‬والأوطان‭ ‬تجمعنا‭ ‬

‏يومها‭ ‬نهض‭ ‬الشاعر‭ ‬المصري‭ ‬أحمد‭ ‬رامي‭ ‬مسلوب‭ ‬الإرادة‭ ‬،‭ ‬يهتف‭ ‬من‭ ‬قلبه‭: ‬يا‭ ‬سلام‭.. ‬ألقى‭ ‬قبّعته‭ ‬تحيّة‭ ‬للقبانجي‭ ‬ولبغداد،‭ ‬رافعاً‭ ‬كلتا‭ ‬يديه،‭ ‬والاثنان‭ ‬يردّان‭ ‬التحيّة‭ ‬لمصر‭ ‬ورامي‭ ‬بأحسن‭ ‬منها‭.. ‬كان‭ ‬دجلة‭ ‬يمدّ‭ ‬يده‭ ‬فيصافح‭ ‬النيل‭.. ‬سكتوا‭ ‬جميعاً‭ ‬وتكلّم‭ ‬النهران‭!.‬

مشاركة