بيروت تحتفي بكتاب عبد الحسين شعبان

بيروت تحتفي بكتاب عبد الحسين شعبان

الشيخ حسين شحادة .. مقابسات الروح – المنبع والرؤية

وجدان شبارو

يوقع الباحث والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان كتابه “الشيخ حسين شحادة: مقابسات الروح – المنبع والرؤية” في قاعة توفيق طبارة الكائنة في منطقة الصنائع – بيروت يوم غد الأربعاء برعاية وزير الثقافة اللبناني، وسيتولّى نخبة من الشخصيات تقريظ الكتاب احتفاءً بصدوره وتكريمًا للشيخ حسين شحادة ولمؤلفه، وهم كما ورد في بطاقة الدعوة:

-وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى

-أحمد نزال (مدير دار البيان العربي للطباعة والنشر والتوزيع)

-الدكتور زياد الصاحب (عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى)

-عصام درويش (رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك)

-عامر زين الدين (مستشار مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز)

-معن بشّور (الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي)

-نائلة طبارة (رئيسة مؤسسة أديان)

-البروفيسور إدريس هاني

-العلامة الشيخ حسين شحادة

-الدكتور عبد الحسين شعبان

يدير الاحتفال الشاعرة والإعلامية لوركا سبيتي

مقدمة الكتاب

فيما يلي ننشر قسمًا من مقدّمة الكتاب الموسوم “على سبيل الاستهلال: حرقة الروح ولمعة الحرف”.

شهقة من شهقات العجب ونفثة من نفثات الانبهار وآهة من آهات الحزن، تلك التي وجد نفسه فيها الشيخ حسين شحادة وجهاً لوجه أمام مكتبات ودور علم وعلماء وكتب ومخطوطات وجدل في إطار تلك المدينة العجيبة، فكل ما فيها يدلّك على أنها أقرب إلى معهد مفتوح للثقافة والأدب والشعر بخاصة والفقه واللغة والبيان وعلم الكلام، فولع وتولّع بسحر الكلمة التي تملّكته مثل همسة إلهية مبشرة له بوعدٍ أقرب إلى وحي أن يصبح كاتباً، حيث بدأ خطواته الأولى.

في البدء كان الكلمة” كما جاء في إنجيل يوحنا الذي يعتبر وصفاً لعمل يسوع المسيح الخلاصي، والكلمة (لوغوس) كان عند الله وكان الكلمة الله، وهذا يعني أنه جاء ليرى كلمات المسيح بحق الله، وهي شهادة للحق (يوحنا 18 : 37) وكان هو الحق (يوحنا 6 :14) وجاء في القرآن الكريم “إقرأ باسم ربّك الذي خلق” (سورة العلق – الآية 1) فالكلمة هي الوسيط الذي استعان به الأنبياء والرُسُل والمصلحون لبث دعاواهم ونشر أفكارهم وتعميم رسالتهم، وبالكلمة شيّدت الحضارات وتلاقحت المعارف وتواصلت الأمم والشعوب، وهو ما أدركه الشيخ حسين منذ باكورة شبابه، فأصبحت الكلمة هاجسه الأول، حيث أخذت تختلج في جوانحه وتمور في أعماقه وتجيش به نفسه بحرقة للروح، حين يساوره نزوع إلى الحرّية والحق والعدل والجمال.

وبتأثير الكلمة وقع الشيخ حسين أسيراً في عشق اللغة وتولّه بحبّها، بكل دهشته الطفولية الأولى وحكمته الشيخية اللاحقة وصبره الأيوبي غير المحدود، صعوداً ونزولاً بالخطأ والصواب والنقد والنقد الذاتي والتجربة بكل تعثراتها ومنعرجاتها، حتى تصالح مع نفسه، وباللغة ذاتها ولفّ حياته بفرز حروفها واحداً واحداً ونقطة نقطة وفاصلة فاصلة، لكأنه يسمع صدى هسهستها، فيطرب لشدوها ويزداد تعلّقاً بها، حتى تبرعمت كلماته وأورقت حروفه وازدهر بستانه بأنواع من الثمار والورود، وأصبح له روّاداً ومعجبين ينتظرون كلماته، اختلفوا أم اتفقوا معه.

وكانت عدّته المعهودة في تلك الرحلة المثيرة، بذرة أولى أقرب إلى اللمعة وحفنة كتب متنوّعة وإصرار على القراءة والقراءة والقراءة، فمن تدركه حرفة الكتابة والأدب عليه بالقراءة المستمرة ليس للمتعة فحسب، بل للمعرفة، وتلك كانت خميرته الدائمة والمتجددة، وبالطبع فالكاتب يحيا بالقارئ ولا يتطوّر بدونه ودون النقد والنقد الذاتي، وعليه أن يحرص على إدامة هذه العلاقة والمراجعة بالصدق والصراحة واحترام عقله، وحين يحصل الخطأ فعلينا الإقرار والاعتراف به وحتى الاعتذار إذا تطلّب الأمر ذلك، والبشر خطّاؤون على حد تعبير فولتير وعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.

والكاتب ضنين باسمه وهو ما يضعه دائماً الشيخ حسين في اعتباره، لذلك عليه أن يُحسن الاختيار والتدقيق ويحرص على أن يكون ضميره يقظاً وألّا يصاب بالذبول أو الخمول، ولعلّ ذلك ما يطمح إليه الكاتب المبدع والناجح، وإلّا يمكن أن يصبح كاتباً ولكنه فاشلاً، وتلك مسألة عويصة تحتاج إلى صفاء سريرة ومران وممارسة وطول نفس ومشقة وجهد ومثابرة لكي تؤتى الكتابة ثمارها.

والكاتب الجيد يتعلّم من أخطائه وتجاربه ومن الحياة وهي المدرسة الكبرى، وليس من الكتب وحدها، مثلما لا يتعلّم الإنسان السباحة إلّا إذا نزل إلى الشاطئ، ومثلما تحتاج رياضة اليوغا إلى الصبر والجلوس لمدة طويلة باسترخاء ومراقبة الشهيق والزفير، فالكتابة أيضاً تحتاج إلى وقت وتراكم وتعلّم لتأتي بعدها القدحات وتبدأ الشحنات وتنطلق الشرارات.

لقد أتقن الشيخ حسين كل فنون الكتابة ليس في الحقل الديني فحسب، وإنما في الحقل الفكري والفلسفي والاجتماعي والأدبي والثقافي، وذلك بعد معاشرة حميمة وطويلة مع الحرف وصداقة وطيدة وعميقة مع الكلمة وزمالة وألفة مع الجملة والمقالة والكتاب، وهكذا استَطيَب المغامرة وسار بها أحياناً حتى أقصاها مجرّباً كتابة نصوص وسرديات وخواطر وحكم وأفكار وقصائد.

لم يلتزم منهجاً واحداً محدداً، لأنه كان ينشد التفرّد والجديد، وكل جديد “خلق” و”إنشاء” و”تكوين”، وهكذا انصاعت له الحروف واستجابت له الكلمة مطواعة بين أصابعه، ليوظّفها بطريقة فائقة البراعة في التعبير عن القيم والمبادئ التي آمن بها، حتى أصبحت لديه قدرة هائلة على التحريض والتعبئة والإثارة، فلم يعد واحداً، بل صار “جمهوراً” له منهجه الخاص وأسلوبه المتميّز الموشّى بالتسامح والانفتاح والحوار والتواصل مع الآخر.

ولعلّ ما يعطيه خصوصية هو مخالطته ومجالسته لطبقات وفئات وأجناس وشعوب ولغات ونساء ورجال وأجيال مختلفة دون اكتراث بزيّه التقليدي حيث يحجم كثيرون، والناظر إليه وهو في مجالسه المتنوّعة أوّل ما يلفت نظره عمامته البيضاء الناصعة التي تجلس فوق رأسه، حيث يمتلئ وجهه المستدير بلحية طليقة ومنسقة أحياناً يكسوها بياض غالب وشاربان معتدلان وخصلة شعر متدليّة ونافرة من تحت العمامة.

شؤون وشجون

وهو على هذه الهيئة يبحث معك في الحداثة وما بعدها ويقلّب شؤون وشجون ابن عربي وجلال الدين الرومي وابن خلدون، ليأخذك إلى شواغله في الهويّة، دون أن ينسى المرور على اليسار والماركسية وجيفارا والعروبة ونقد الجمود والتخلف الديني ونتاجهما التعصّب والطائفية وازدراء حقوق المرأة، ومع تلك الهموم لا تغيب عنه أهمية التفريق بين الغرب السياسي والغرب الثقافي والدعوة إلى الحوار بين أتباع الأديان والثقافات في إطار التعددية والتنوّع والمشترك الإنساني.

لم يترك الشيخ حسين مناسبة إلّا وقام بها التجوال في رحاب الجواهري وطه حسين وعلي عبد الرازق والسيّاب وأدونيس ومحمود درويش وسعدي يوسف وغيرهم، ليستعيد الحوار حول قصيدة النثر، وفي الوقت نفسه وعلى القدر ذاته من الاهتمام يضع أمامك خريطة طريق لتجديد الحوزة الدينية وإصلاح مناهجها وربطها بمتغيّرات العصر والثورة الصناعية الرابعة ومخرجاتها، وهو من دعاة حوار الأزهر مع النجف وحوارهما مع الفاتيكان، وذلك في إطار مشروع نهضوي عربي – إسلامي كما يعبّر عنه، يبدأ بالحوار العربي- العربي والإسلامي – الإسلامي على جميع الصعد الرسمية والشعبية، لينطلق إلى حوارات أرحب وأوسع، مع عدم إهمال مسألة التحوّل الديمقراطي والدولة المدنية وحكم القانون والتنمية والعدالة، وكل ما له علاقة بالامتلاء الروحي والتحقق الوجداني والدلالة الإنسانية.وإذا كان أصل الكلام عند العرب البلاغة، لأن الكلام فعل وسلوك ونشاط وخلق، أما اللغة فهي قانون وناموس وقواعد ومعيار لهذا الكلام، وهذه تحتاج إلى آليات وتقنيات تجمع بين جمالية النصوص وفصاحتها وعمق مضامينها وقدرتها على التعبير، وهو ما امتلكه الشيخ حسين، بل وأتقنه بمهارة عالية، فخرجت كلماته منغمة بهارموني لموسيقى اللغة ذاتها، وهو ما أعطاه بصمة خاصة، لاسيّما حين يعرف لمن يتوجه ومن يخاطب وماذا يريد؟

II

لا تعرف أحياناً كيف تتكون كيمياء خاصة بينك وبين بعض الناس، فتنجذب إليهم وترتبط معهم بصداقة مديدة وعميقة، إمّا هوىً حين يتحكّم القلب والعاطفة وإمّا فكراً حين تتلاقى معه في دروب العقل، فكيف إذا كان من أكتب عنه، وقد شدّني إليه قلباً وعقلاً، حتى وإنْ كانت طرق حياتنا مختلفة ومتباينة ومتباعدة أحياناً في فلسفتها ومنطلقاتها، ولكن تبقى ثمّة مشتركات إنسانية جامعة تشكّل نواة جاذبة يتم التمحور حولها والتلاقي عندها لتتوسع وتكبر حتى لتجد نفسك أمام طرق عديدة مشتركة ومقاصد موحدة، ووسائل وأساليب يتم اختبار نجاعتها مع مرور الأيام، لأنها ستكون جزءًا لا يتجزأ من الغاية على حد تعبير المهاتما غاندي.

وإذا كانت الغاية شريفة وعادلة، فلا بدّ من وسيلة شريفة وعادلة للوصول إليها، لأنها مثل البذرة إلى الشجرة، وحين تكون الوسيلة ملموسة ومعروفة، فالغاية بعيدة وهي في رحم المستقبل وأقرب إلى الحلم أحياناً، الأمر الذي يقتضي دائماً التوثق والتأكّد من الوسيلة وتدقيقها، وهو ما يسمى بالبراكسيس وما يمكن الاتفاق عليه أو اللقاء عنده، لأن الوسيلة تمثّل قاسماً مشتركاً، حتى وإن كان لكل منّا منظوره للحياة والكون والتطور، لكن الجانب الإنساني والهموم التي نعيشها في إطار بيئة مشتركة ولغة مشتركة وتاريخ مشترك لأمة واحدة بثقافات متنوّعة وتراث حضاري غني ومتعدد المشارب هي المساهمة المشتركة، فما بالك حين يكون المصير مشتركاً، والأمر لا يتعلق بالجانب القطري (لبنان/العراق) لكل منّا أو حتى للجانب الديني- الثقافي، بل إن الأمر له علاقة بالجانب الشخصي أيضاً، هو من موقعه الإسلامي وأنا من موقعي العلماني، هو من رؤيته المثالية الدينية، وأنا من رؤيتي المادية الجدلية، لكن ذلك ليس بعيداً عن التنوّع والثراء الإنساني، الذي يمكن أن يغني التجربة بالحوار والتناظر والاحترام المتبادل.كان ماراثون الصراع الفكري بين المتديّنين والعلمانيين قد شغل الطرفين في خمسينيات القرن الماضي بشكل خاص، وهو ذاته الذي استمر من القرن التاسع عشر والقرن العشرين كله، وكان في الغالب صراعاً تناحرياً وإلغائياً، من الطرفين، على أن مسألة الحوار وصولاً للتعاون، وإن كان محدوداً، وجدت طريقها في فترة متأخّرة، علماً بأنه لم تتم مراجعة شاملة من الفريقين، ولم يستطع كلّ منهما أن يحقق ما كان يطمح إليه، ولاسيّما الانفراد بالساحة والتحكّم بها، وما تزال ثمة فراغات كبيرة فكرية وعملية بحاجة إلى جهد مثابر وعمل طويل للوصول إلى قواعد اتفاقية أو تعاهدية لإرساء العلاقة في إطار دولة تحترم جميع تكويناتها الثقافية ومجاميعها الفكرية، فالحوار ليس حول “مملكة السماء” والآمال والأحلام بقدر ما يكون الهم في معاناة الإنسان وحقه عن سبل الخلاص من البؤس والظلم والاستغلال والاستعباد، وليبقى كل فريق يحتفظ بما عنده من أمنيات تبشيرية بالخلاص على طريقته دون إكراه أو إرغام من الطرف الآخر على الإيمان بها.

المتديّنون يقولون أن “مملكة الأرض” زائلة وهي مجرد “دار فناء”، في حين أن السماء “دار خلود” حيث السلام والعدل والسعادة الحقيقية، فيما يقول العلمانيون أنهم يسعون لسعادة البشر على الأرض التي ينبغي أن يسعد بها الإنسان بما هو عادل وخيّر، ولهذا فإن ترك أو تأجيل مسألة الاختلاف على ملكوت العالم الآخر الآتي، سيضع مشكلات الأرض أمام استحقاقاتها، أما “ملكوت المستقبل” فهو لا يزال برحم الغيب ولن يوصل الصراع حوله أياً من المتديّنين أو العلمانيين إلى أي نتيجة تذكر، من هنا لا بدّ من البحث عن إشكاليات ومشكلات عالم اليوم حيث النضال المشترك والمصالح المشتركة لعموم الناس، ولاسيّما الفقراء منهم.

لاهوت التحرير

وكنت قد بحثت هذه الجوانب مع الشيخ حسين شحادة في مقارباتي معه بشأن لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ودور الكنيسة في عدد من التحوّلات الديمقراطية التي جرت فيها دون تقزيم أو تضخيم أي قوة من القوى الدينية أو العلمانية، ثم لماذا لم يتبلور تيار ديني وتيار علماني واضحين في منطقتنا بما يساعد في الانتقال لما هو مشترك؟ فهل تتعارض الحياة الدنيوية الروحانية مع الحياة الدنيوية المادية؟ وإذا كان كلاهما يبحث عن الحق والعدل، فإنهما لا بدّ أن يجدا من طريق للتقارب، وقد كان رجل دين مسيحي بمستوى القس بيتو الذي حاور فيديل كاسترو من موقعه المتديّن بقوله: كنّا نخاف من الماركسية مثلما نخاف من الرياضيات، لأنه هناك شك فيما إذا تأثرنا بفيثاغورس، مثلما هناك خشية من تأثرنا بنظريات العلوم الاجتماعية التي لا يمكن اليوم فهم العالم المعاصر دون دراستها. وهو ما جئت عليه بالتفصيل في كتابي “كوبا: الحلم الغامض”، دار الفارابي، بيروت،2011.

III

{ بقية المقال على موقع (الزمان) الالكتروني

وحين قدّم لي الشيخ حسين شحادة هديّة هي عبارة عن قرآن كريم وذلك في استضافة لي بدمشق عقب احتلال العراق العام 2003 في مركز المعلوماتية للخبراء بشأن رسم السياسات والتي كما قال لي تم تسجيلها واستفاد منها المسؤولون السوريون وجهات صنع القرار، أقول: سألني هل ما زلت تقرأ القرآن؟ وبعينيه الذكيتين اللمّاحتين، كان ثمة استفسار من نوع آخر، فقلت له يوم سأل الكاردينال سيلفا هرناندز الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عمّا إذا كان “الكتاب المقدس” الذي قدّمه هدية له قد أغاظه، فأجابه كاسترو “ولماذا؟ هذا كتاب عظيم، قرأته ودرسته في الصبا، وسأستعيد العديد من المسائل التي تثير اهتمامي”.

وعلقت قائلاً: كنت قد قرأت القرآن الكريم مرّتين (قراءة أقرب إلى الدراسة)، الأولى العام 1978 وأعدت قراءته في المرّة الثانية في العام 1982 في كردستان (بشتاشان) وما زلت أعود لبعض التفاسير بين الحين والآخر في قراءة ثالثة متواصلة ومنتقات، علماً بأن والدي الحاج عزيز شعبان كان يفتتح نهاره بقراءة القرآن بصوته الرخيم وهي عادة بقي عليها حتى أواخر أيام حياته.

وبغض النظر عن الإيمان أو عدم الإيمان بالتفسير الديني أو انغراس هذا الإيمان من عدمه، لكن ما يقدّسه الناس من قيم دينية ينبغي احترامه والتعامل معه بتقدير عالٍ، وينبغي فك الاشتباك بين الدين والتديّن الذي تريد بعض الأوساط حاكمة أو غير حاكمة أن توظّفه لصالحها وأن تجعله في خدمتها، فللمستغِلين دينهم، مثلما للمستغَلين دينهم أيضاً، وشتّان ما بين الدينين، والتديّن وبعض طقوس الدين بحاجة إلى نقد وتنوير، لاسيّما تلك التي لا علاقة لها بالدين ذاته، وإنما اختلطت بعادات وممارسات بعضها يعود لأمم وشعوب أخرى أحياناً.

وعلى العلمانيين والماركسيين والماديين الجدليين، بشكل خاص منهم إعادة قراءة وفهم وأداء لدور الدين، خصوصاً لبعض مواقفهم الخاطئة ونظراتهم المسبقة الشعاراتية غير المعمقة والتي ألحقت ضرراً بهم قبل غيرهم، وهو ما كنت قد تناولته في كتاباتي العديدة منها ثلاث كتب بشيء من التفصيل وهي: الأول- تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009  والثاني – كوبا الحلم الغامض، دار الفارابي، بيروت، 2011 والثالث – الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية، مركز حمورابي، بغداد -بيروت، 2014.

وكنت قد أشدت في أكثر من مناسبة بالمفكر الإيراني الإسلامي علي شريعتي، لاسيّما كتابه ” العودة إلى الذات” الذي يقيّم فيه الفكر الماركسي إيجابياً ويعتبره شيئاً مهماً، لاسيّما لجهة الكفاح ضد الاستغلال والاستعمار والظلم، لكنه يعتبر مدخل الماركسيين خاطئاً في الموقف من الدين، فالمدخل ينبغي أن يكون العدالة وليس الله، وهو ما سبق لي أن انتقدته، ولاسيّما لجهة تصرفات بعض المتمركسين الطفولية غير الناضجة والاستفزازية للمسلمين ولكل المؤمنين. ومن أشهر كتب شريعتي ” التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي”، وقد ولد في العام 1933 وتوفي في العام 1977 في ظروف غامضة بلندن، ودفن في مقام السيدة زينب في الشام.

وأعتقد أن العدالة هي المشترك الإنساني الذي يمكن أن يلتقي عنده المتدينون وغير المتدينين، خصوصاً حين تتّسم بالدعوة للحريّة التي هي القيمة العليا للبشر، وبالطبع فثمة ممارسات صبيانية ومراهقة سياسية وفكرية حُسبت على الماركسيين في الموقف من الدين، كما أن ثمة ممارسات قصيرة النظر ومشوّشة في الموقف من العلمانية التي راجت في الوسط الديني، بحيث تم ربطها بالإلحاد وهي لا علاقة لها به أو بمعاداة الدين وهي بعيدة عنه وهو ما ناقشته مع الشيخ حسين شحادة في حوارات متنوّعة عديدة، الأمر الذي يحتاج إلى حصافة وحصانة ومعرفة من الطرفين وقبل كل شيء شعور عال بالمسؤولية.

وسبق لي أن حاورت السيد محمد باقر الصدر في النجف، وهو أستاذ الشيخ حسين شحادة وكتبت عنه قبل ما يزيد عن ربع قرن مادّة بعنوان ” حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة” (نشرت في صحيفة المنبر التي يصدرها السيد حسين الصدر في لندن- في النصف الثاني من التسعينيات) مفرّقاً بين السياسي والأيديولوجي في إطار مشتركات إنسانية، واعتقاداً منّي بأن الروحانية لا تتعلّق بالحياة فقط، وإنما تتعلّق بالبشر، وبالعلاقة بين المادة والروح، لأن الإيمان دون فعل عديم الجدوى، والدين ملاذ مثلما هو عقيدة وليس تعليمات أو فروض ، وهو جزء من الهويّة الثقافية لأمم وشعوب نحن ننتمي إليها، وهي ما نتفق به مع الشيخ حسين شحادة.

            وسؤال الدين كان وما يزال وسيظل لصيقاً بالإنسان منذ الخليقة، ولعلّنا من خلال تجاربنا نعرف كم من الذين لا علاقة لهم بالدين في سلوكهم وتعاملهم يتشبّثون ببعض المظاهر الدينية أو بالقشور الطائفية دون جوهر الدين الإنساني، وهؤلاء على حد تعبير عالم الاجتماع العراقي علي الوردي “طائفيون بلا دين” لأن المتدين الحقيقي والمؤمن الصادق ليس طائفياً، والدين معاملة حسب الرسول محمد وهذا هو الأساس، لذلك ترى من ينتظر شهر رمضان ليصوم فيه ثم ليعاود باستمرار سلوكه السابق البعيد عن الدين، مثلما ينتظر البعض موسم الحج للذهاب إلى مكّة لأداء الفريضة ولغسل الذنوب كما يبرّر ولا يهمّ إنْ عاد إلى عاداته القديمة، وقد يمارسها وهو في “بيت الله الحرام”، كما يُقال، بما يخالف أبسط مقومات الإيمان.

            ما يزال البعض يراهن على الاختلاف العقائدي بين المتديّنين وغير المتديّنين أو العلمانيين، باعتباره خلافاً لا مجال للقاء فيه، وهو خلاف لا ينبغي إنكاره أو تجاوزه أو التقليل من شأنه على المستوى الفكري، كما فشلت جميع المحاولات للمصالحة بين الدين والاشتراكية في الخمسينيات والستينيات وبين الدين والديمقراطية والدين وحقوق الإنسان في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وما بعدها، فلكلٍّ حقله ونطاقه الفكري، لكن اللقاء السياسي وعلى أهداف سياسية أو اجتماعية أو حقوقية ممكن جداً وهو يحتاج إلى مهارة سياسية ومرونة عملية من الفريقين إذا كان يريدان حقاً مصالح الناس وحقوقهم.

مشاركة