‭ ‬قمة‭ ‬المخاض‭ ‬في‭ ‬الجزائر

فاتح عبدالسلام

أثير‭ ‬لغط‭ ‬كبير‭ ‬حول‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬المقبلة‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬وجرى‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬ملفات‭ ‬خلافية‭ ‬منذ‭ ‬شهور،‭ ‬بقصد‭ ‬حسمها في ‭ ‬اجتماعات‭ ‬القمة،‭ ‬واتضح‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬عدم‭ ‬توافق‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الملفات‭ ‬منها‭ ‬مثلا‭ ‬عودة‭ ‬سوريا‭ ‬الى‭ ‬مقعدها‭ ‬الشاغر‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية‭ ‬وحرب‭ ‬اليمن‭ ‬ووضع‭ ‬ليبيا‭ ‬وسواها،‭ ‬وذهبت‭ ‬التسريبات‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الاحتمال‭ ‬وارد‭ ‬وقريب‭ ‬في‭ ‬تأجيل‭ ‬موعد‭ ‬القمة‭ ‬وربّما‭ ‬المضي‭ ‬الى‭ ‬إلغائها‭.‬

متى‭ ‬كان‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬خاليا‭ ‬من‭ ‬الخلافات‭ ‬لكي‭ ‬يقولوا‭ ‬ان‭ ‬القمم‭ ‬مرتبطة‭ ‬بنفوس‭ ‬صافية‭ ‬لا‭ ‬تكدرها‭ ‬مشكلات‭ ‬سياسية؟

صحيح‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬انّ‭ ‬لكل‭ ‬قمة‭ ‬معوقاتها‭ ‬ومنغصاتها‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬قمم‭ ‬سابقة‭. ‬كما‭ ‬انَّ‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬الموعد‭ ‬الناجز‭ ‬لحل‭ ‬الازمات‭ ‬وتصفيتها،‭ ‬لكنها‭ ‬مواعيد‭ ‬مرتبطة‭ ‬بما‭ ‬أقره‭ ‬الزعماء‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬الموعد‭ ‬الدستوري‭ ‬لاستمرار‭ ‬عمل‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية،‭ ‬وذلك‭ ‬ملف‭ ‬اخر‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬ترهل‭ ‬القرار‭ ‬العربي‭ ‬وعدم‭ ‬كفاءته‭.‬

إزاء‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬المتشظي،‭ ‬هناك‭ ‬حد‭ ‬أدني‭ ‬من‭ ‬التوافقات‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الشرعية‭ ‬لعقد‭ ‬القمة‭ ‬العربية،‭ ‬وهذا‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بالعرب‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬أعمار‭ ‬دولهم‭ ‬الحديثة،‭ ‬لكنّه‭ ‬الواقع‭ ‬المتاح‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تتأسس‭ ‬عليه‭ ‬الرؤى‭ ‬المشتركة‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬كان‭ ‬حل‭ ‬الازمة‭ ‬الخليجية‭ ‬عبر‭ ‬المصالحة‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬العلا‭ ‬بالسعودية‭ ‬بابا‭ ‬نحو‭ ‬العودة‭ ‬للتضامن‭ ‬العربي‭ ‬فوق‭ ‬مساحة‭ ‬محدودة‭ ‬هي‭ ‬المصير‭ ‬المشترك‭ ‬امام‭ ‬تحديات‭ ‬إقليمية‭ ‬وعالمية،‭ ‬ليس‭ ‬لأية‭ ‬دولة‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬بمنأى‭ ‬عنها،‭ ‬وانّ‭ ‬التضامن‭ ‬وحده‭ ‬يقوي‭ ‬إمكانات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أزمات‭ ‬دولية‭ ‬تواجهها‭ ‬المنطقة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انّ‭ ‬الرؤى‭ ‬توحدت‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬التطابق‭ ‬بين‭ ‬زعماء‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬حسم‭ ‬الخلافات‭ ‬المزمنة،‭ ‬بيد‭ ‬ان‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬مرحّل‭ ‬الى‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬وتقديراتها‭ ‬الخاصة‭. ‬وكذلك‭ ‬قمة‭ ‬الجزائر‭ ‬سيكون‭ ‬حملها‭ ‬ثقيلاً،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬علامات‭ ‬التعاطي‭ ‬الإيجابي‭ ‬للجزائريين‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الدعوات‭ ‬الى‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬بمصاحبة‭ ‬المشاورات‭ ‬الضرورية‭ ‬بشأن‭ ‬الإشكاليات‭ ‬سيجعل‭ ‬عقد‭ ‬قمة‭ ‬الجزائر‭ ‬أمراً‭ ‬ممكناً‭ ‬وناجحاً‭ ‬أيضاً،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬تفاهمات‭ ‬تراعي‭ ‬توحيد‭ ‬الجهود‭ ‬لتحقيق‭ ‬مسار‭ ‬جدي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تعكر‭ ‬صفو‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وتتخللها‭ ‬اتهامات‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬العواصم‭ ‬بشأن‭ ‬مصالح‭ ‬متضررة‭.‬

لعل‭ ‬مجيء‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الازمات‭ ‬افضل‭ ‬من‭ ‬أوقات‭ ‬أخرى،‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬مواجهة‭ ‬الملفات‭ ‬ذات‭ ‬اثر‭ ‬فوري‭ ‬في‭ ‬المعالجة،‭ ‬والإفادة‭ ‬من‭ ‬أخطاء‭ ‬القمم‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬المجال‭ ‬واسعا‭ ‬لنمو‭ ‬مشكلات،‭ ‬ربما‭ ‬استجد‭ ‬بعضها‭ ‬داخل‭ ‬اجتماعات‭ ‬القمة‭ ‬ثمّ‭ ‬تفاقمت‭ ‬بعدها‭ .‬

رئيس التحرير-الطبعة الدولية

[email protected]

مشاركة