إياك ان تخدع بالمظاهر – حسين الصدر

إياك ان تخدع بالمظاهر – حسين الصدر

-1-

يسارع الكثيرون منّا الى التعامل مع الناس مِنْ خلال مظاهرهم ولذلك فهم لا يُولون أصحاب الثياب الرثة ما يستحقونه من عناية وإكرام..

-2-

والحُكمُ على الناس مِنْ خلال مظاهرهم لا يَقُومُ على أساس صحيح ، فقد يرتدي الموهوب الفقير أردأ أنواع الألبسة لقلة ما في يده فهل يُحرم من الاهتمام والاحترام لما يكابده من عجز عن تأمين الملبس اللائق به ؟

إنّ للظلم الاجتماعي صوراً وألوانا عديدة .

وهذه هي احدى صُورِهِ القاتمة .

-3-

وقد سجّل لنا التاريخ قصصاً وحكايات كثيرة عمن كانوا مِنْ ذوي الفضل والنباهة ولكنهم كانوا لا يستطيعون توفير الألبسة اللائقة بهم ، فكانوا يصطدمون بتعاملات قاسية مِنْ قِبلِ الذين يحكمون عليهم من خلال مظاهرهم .

ومن تلك القصص المثيرة قصة الشاعر الأديب الفقيه ( ابن الوردي ) عمر بن مظفر المعري، فقد دخل الى الشام وهو في هيئة رثّه ومنظر رديء ، وحضر الى مجلس القاضي ( نجم الدين بن صصري ) ليُدلي بشهادته أمامه فاستخف به الشهود وأجلسوه في طرف المجلس .

وقد كان أحد الحضور حيث جرى بيع عقارٍ أمامه فقال بعض الشهود

” دعوا المعري يكتب لكم وثيقة البيع “

قال ذلك مستهزئا به وساخراً منه فقال ابن الوردي :

أُكتب لكم نظماً أو نثراً ؟

فازداد استهزاؤهم به وقالوا :

بل اكتبْ لنا نَظْمَاً ،

فأخذ ورقة وقلما وكتب :

باسم إلهِ الخلق هذا ما اشترى

محمدُ بن يونس بن شنفرى

مِنْ مالكِ بن أحمد بن الأزرقِ

كلاهما قد عٌرفا مِنْ خلقِ

واستمر في الكتابة حتى كتب ثمانية عشر بيتا ،

فلما فرغ مِنْ نظمه ووضع الورقة بين يديْ الشهود اقبلوا اليه يقبّلون يده ،

واعتذروا من التقصير في حقه واعترفوا بفضله عليهم .

-4-

غير أن الموهوبين والبارعين في ( العراق الجديد ) مِنْ ذوي المهارة والخبرة ممن لم ينتسبوا الى الأحزاب واستبعدوا كليا عن الوظائف والمناصب الرسيمة

لم يعتذر منهم معتذر

ولم يُعْنَ بشأنهم قَطْبٌ مِنْ أقطاب السياسة .

وهنا تكمن المصيبة

انّ الاصرار على ان تكون الكعكة للسلطويين وحدهم دون سواهم هو الخطأ الكبير الذي لا يغتفر ،

وهو خطأ وخيم العواقب وبقاء هذه الثغرات ينذر بمآلات صعبة للغاية والله المستعان ولا ندري متى يؤوب النرجسيون الى رشدهم ليدركوا أنَّ العراق للعراقيين جميعا وليس لهم وحدهم .

مشاركة