رحلتي إلى الإسلام (4) – منقذ داغر

رحلتي إلى الإسلام (4) – منقذ داغر

مضت السنون وتدرجت في مناصبي ودراساتي العسكرية والمدنية بعد أن تطوعت فحصلت على الماجستير،ثم الأركان ثم الدكتوراه.هنا حصلت لي هزة طائفية أخرى. فقد أخترت أن أكتب أطروحة الدكتوراه عن القيادات المحلية في العراق منذ تأسيسه ولغاية 1996 بعد أن حثني أستاذي د عامر الكبيسي (أطال الله عمره)على المضي في مشروعه العلمي لتوثيق قيادات الأدارة العامة(الحكومية) في العراق. أمضيت أشهر طويلة أنقب يدوياً في ملفات وزارة الداخلية تارة وفي قسم المايكروفلم في المكتبة الوطنية لكي أتتبع كل من شغل منصب مدير ناحية أو قائممقام أو محافظ(متصرف) في العراق منذ 1921 الى 1996. لقد أستغربت كثيراً عندما وجدت أن من مجموع أكثر من 800 قائد محلي وثّقتهم في أطروحتي كان حوالي ثلاثة أرباعهم من أربع محافظات فقط هي(بغداد،نينوى،الانبار،وصلاح الدين). وأن من محافظتي البصرة لم يشغل سوى شخص واحد على مدار 75 سنة منصب متصرف او محافظ! وان محافظة مثل المثنى لم يخرج منها أي مدير ناحية أو قائممقام ناهيك عن محافظ. هذه الدراسة التوثيقية التي سأنشرها في كتاب قريباً جداً أوضحت لي بشدة مدى التباين بين المحافظات في شغل المناصب القيادية في الدولة. بالطبع،كباحث،كان يصعب عليَّ أن أقتنع أن ذلك حدث بالصدفة سواء خلال العهد الملكي أو الجمهوري! لقد كان الاستنتاج الذي لا يقبل الشك بالنسبة لي أن هناك طائفية وظيفية مستترة في أختيار القيادات المحلية في العراق. أعرف أن كثيرين سينكرون ذلك ويتهموني بعدم الموضوعية ويستشهدون باحداث فردية هنا او هناك لكني رجل أؤمن بالأرقام،والأرقام كانت واضحة جداً بالنسبة لي. نعم لم تكن هناك سياسة طائفية معلنة مثل الان،ولم تكن هناك مناصب مخصصة لهذه الطائفة أو تلك كما هو فاضح الآن، لكن كانت هناك (دعني أسميها) تفضيلات طائفية مستترة،قادت الى عدم التوازن الوظيفي.كان هناك محافظون وقائممقامون ومديري نواحي بل ووزراء وقادة في الجيش من الشيعة،لكن كم كانت نسبتهم؟وهل تتناسب مع حجمهم المفترض؟ أعرف أن أختيار الشيعة لمقاطعة المحتل البريطاني في بداية العشرينات أسهم كثيراً في هذه الفجوة ،لكن بعد 75 سنة من تأسيس العراق كان ينبغي أن تنتهي هذه الفجوة.

عُينت بعد إكمالي للدكتوراه مدرساً في كلية الاركان،ثم نُقلت بعدها(بناء على توسطي)الى منصب مدرس أقدم في كلية الدفاع الوطني. وعلى الرغم من صدور أمر نقلي منذ أكثر من شهرين لم يتم ألتحاقي بكلية الدفاع الوطني لأسباب كنت أجهلها. فتوسطت مرة أخرى لتنفيذ النقل وقد حصل ذلك في عام 1998.كنت مسؤولاً عن دورة القيادات العليا في كلية الدفاع الوطني،وهي دورة أتمنى لوأنها لا زالت موجودة لأنها كانت تهيىء المديرين العامين لمناصبهم فضلاً عن أن توصيتنا (كأدارة دورة)تعد عاملا حاسماً في أن يصبح المتدرب مديراً عاماً أو لا. وبعد أن تعمقت علاقتي باللواء(عميد الكلية) قال لي يوماً،هل تعلم يامنقذ لماذا تأخر ألتحاقك بكليتنا؟ أجبته،لا. قال،حينما علمت أنك من البصرة و(كناني) قلت لنفسي لن أسمح بوجود مدرس(شيعي) في كليتي لذا حاولت بكل الطرق تأخير النقل لكن واسطتك كانت قوية وأُجبرت على التنفيذ! أنعقد لساني أمام كلام هذا الضابط الكبير الذي صار بعد الأحتلال يفاخر بأمه(الشيعية) وعاد للخدمة بعدها !

كانت هذه أهم تجاربي الطائفية خلال النظام السابق. وكنت أتوقع طائفية أقل في ظل نظام خلفه ويدّعي الديموقراطية وعاش قادته معظم حياتهم في الغرب في ظل دول علمانية لا تؤمن بالتفرقة الدينية والطائفية.لكني بعد مدة بسيطة جداً،أكتشفت أن تخميني كان خاطئاً،وأن ما كان سياسة طائفية مستترة بات سياسة ممنهجة وظاهرة.

يتبع

مشاركة