الروائي‭ ‬والإعلامي‭ ‬المغربي‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ (‬الزمان‭) ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬والمحطات‭ ‬الإبداعية‭ ‬

لعنة‭ ‬اللا‭ ‬منتمي‭ ‬تسكنني‭ ‬والكتابة‭ ‬تجريب‭ ‬للخلود لا‭ ‬يحده‭ ‬جنس‭ ‬أدبي‭ ‬واحد

حاوره حسن بن شهبون

عبدالعزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬روائي‭ ‬وشاعر‭ ‬واعلامي‭ ‬مغربي‭ ‬،‭ ‬له‭ ‬حضور‭ ‬في‭ ‬الساحتين‭ ‬الإبداعية‭ ‬والإعلامية،‭ ‬يسكنه‭ ‬هم‭ ‬التجريب‭  ‬ومقاومة‭ ‬هواجس‭ ‬الغياب‭ ‬عبر‭ ‬توكيد‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المجموع‭ ‬البشري‭ ‬الفاعل‭ ‬،‭ ‬ولكوكاس‭ ‬اعمال‭ ‬في‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬ادبي‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬‭ ‬الزمان‭- ‬يكشف‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬عوالم‭ ‬تجربته‭ ‬التي‭ ‬تعاكس‭ ‬التيار‭ ‬غالباً‭ .‬

ـ‭ ‬ألا‭ ‬تحس‭ ‬بالتعب‭ ‬الآن،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الترحال‭ ‬في‭ ‬الصحف‭: ‬الزمن،‭ ‬الصحيفة،‭ ‬الأخبار،‭ ‬الأسبوعية‭ ‬الجديدة،‭ ‬المشعل‭… ‬ثم‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬القنوات‭ ‬الدولية‭ ‬ضيفا‭ ‬ومحللا،‭ ‬عدا‭ ‬تواجدك‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬إلكترونية‭ ‬مغربية‭ ‬وعربية؟

إن‭ ‬التنقل‭ ‬لعنة،‭ ‬لكنني‭ ‬لست‭ ‬استثناء،‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬تأمين‭ ‬صحافي‭ ‬بالمغرب،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬منحني‭ ‬تنوعا‭ ‬وثراء‭ ‬خصبا،‭ ‬وترك‭ ‬بصمات‭ ‬على‭ ‬كتاباتي‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬أستقر‭ ‬مثل‭ ‬الماء،‭ ‬ومكنني‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أستنشق‭ ‬هواء‭ ‬جديدا،‭ ‬لقاء‭ ‬أناس‭ ‬مختلفين‭ ‬وتجارب‭ ‬متعددة‭ ‬ومتباينة‭… ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أعارض‭ ‬قدري،‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬ألا‭ ‬أموت،‭ ‬أن‭ ‬أقاوم‭ ‬الموت،‭ ‬هذا‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬المنابر،‭ ‬هو‭ ‬رحلة‭ ‬متواصلة‭ ‬لأجد‭ ‬ذاتي‭ ‬وأيضا‭ ‬مقاومة‭ ‬للموت‭ ‬والتخشب،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الصحافة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬منحى‭ ‬استعاري،‭ ‬هي‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬روضت‭ ‬أنكيدو‭ ‬صديق‭ ‬جلجماش‭ ‬لكني‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬أظل‭ ‬أتطلع‭ ‬للأفضل،‭ ‬وحين‭ ‬تقفل‭ ‬في‭ ‬وجهي‭ ‬أبواب‭ ‬كثيرة‭ ‬طرقتها،‭ ‬أشرع‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬الغياب‭ ‬أو‭ ‬الحضور،‭ ‬عشت‭ ‬متنقلا‭ ‬بين‭ ‬منابر‭ ‬قدر‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صحف‭ ‬النقمة‭ ‬لا‭ ‬صحف‭ ‬النعمة‭ ‬كما‭ ‬أقول‭ ‬دائما،‭ ‬لكني‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬لست‭ ‬نادما‭ ‬على‭ ‬شيء،‭ ‬فلست‭ ‬بطلا‭ ‬تراجيديا‭ ‬لأستسلم‭ ‬لقدري‭ ‬إرضاء‭ ‬أو‭ ‬تأكيدا‭ ‬لوجود‭ ‬آلهة‭ ‬ما‭.‬

ـ‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬عبارات‭ ‬شاعرية‭ ‬أو‭ ‬فلسفية‭ ‬منك،‭ ‬لإخفاء‭ ‬التعبير‭ ‬الصريح،‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬الفشل،‭ ‬فشلك‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬واحد،‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬المنابر‭ ‬التي‭ ‬تحملت‭ ‬مسؤولية‭ ‬إدارتها؟

كل‭ ‬من‭ ‬عليها‭ ‬فان‭ ‬ولا‭ ‬تدري‭ ‬نفس‭ ‬بأي‭ ‬أرض‭ ‬تقيم‭ ‬غدا‭… ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬ما‭ ‬عبرتَ‭ ‬عنه‭ ‬صحيحا،‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬مديرا‭ ‬فاشلا‭ ‬لصحيفة‭ ‬أسستها،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬عجزك‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬كاتب‭ ‬أو‭ ‬صحفي‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬مركب‭ ‬مثل‭ ‬المغرب،‭ ‬فشل‭ ‬أيضا‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نحدد‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لننطلق‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الأرضية،‭ ‬لتتأمل‭ ‬معي‭ ‬أن‭ ‬أكبر‭ ‬الجرائد‭ ‬المتميزة‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬مغرب‭ ‬نهاية‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬وبداية‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭.. ‬جلها‭ ‬انقرضت‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬هي‭ ‬بمعيارك‭ ‬قد‭ ‬فشلت،‭ ‬لكن‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬زالوا‭ ‬يتذكرونها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬وستظل‭ ‬وشما‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬الصحافة‭ ‬المغربية،‭ ‬فليبارك‭ ‬الله‭ ‬فشلي‭ ‬إذن‭..‬

ـ‭ ‬أنت‭ ‬أستاذ‭ ‬وصحفي،‭ ‬إعلامي‭ ‬وشاعر‭ ‬وروائي‭ ‬ومحلل‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬لك‭ ‬مشروع‭ ‬فيلم‭ ‬بعنوان‭ (‬جراح‭ ‬الرمال‭(‬،‭ ‬تكتب‭ ‬الشذرة‭ ‬والقصيدة،‭ ‬القصة‭ ‬والرواية،‭ ‬أين‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المتاهات؟

فيّ‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬لوثة‭ ‬اللا‭ ‬منتمي،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التعدد‭ ‬اللامتناهي،‭ ‬ميسم‭ ‬من‭ ‬فشلي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬صحافيا‭ ‬كبيرا‭ ‬لا‭ ‬غير‭ ‬أو‭ ‬أديبا‭ ‬لا‭ ‬يشق‭ ‬له‭ ‬غبار،‭ ‬أو‭ ‬سينمائيا‭ ‬مبدعا،‭ ‬أو‭ ‬شاعرا‭ ‬يترك‭ ‬بصمته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبيد‭.. ‬أو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعدد‭ ‬بين‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تأويني‭ ‬أو‭ ‬عراء‭ ‬السرد‭ ‬الذي‭ ‬تهت‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬غيابه،‭ ‬ووشم‭ ‬الصحافة‭… ‬دليل‭ ‬كاف‭ ‬على‭ ‬أني‭ ‬عاشق‭ ‬متعدد‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬تنبت‭ ‬لأي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬والأجناس‭ ‬جذور‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬ليسكنها‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬لكن‭ ‬بمعنى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نغير‭ ‬زاوية‭ ‬النظر،‭ ‬فلا‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حدودا‭ ‬جمركية‭ ‬ولا‭ ‬أسلاكا‭ ‬شائكة‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية‭ ‬والإبداعية‭ ‬التي‭ ‬تورطت‭ ‬فيها،‭ ‬رغم‭ ‬أني‭ ‬لم‭ ‬أدع‭ ‬يوما‭ ‬أني‭ ‬شاعر‭ ‬ولا‭ ‬سينمائي،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتواضع‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الإبداع،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬لهذا‭ ‬التعدد‭ ‬منشأ‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬كون‭ ‬الكتابة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تختار‭ ‬جنسها،‭ ‬ولست‭ ‬سوى‭ ‬اليد‭ ‬الثالثة‭ ‬التي‭ ‬تكتبني‭ ‬بها‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬الأدبي‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭…‬

ـ‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حقل‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬بالذات؟‭ ‬

صدقني‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أحيانا‭ ‬مثل‭ ‬المشي‭ ‬وسط‭ ‬حقل‭ ‬واحد‭ ‬تتعدد‭ ‬مزروعاته،‭ ‬وألوان‭ ‬وروده،‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬الصحافة‭ ‬والأدب،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬ميالا‭ ‬دوما‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬فيما‭ ‬أكتب‭ ‬مفيدا‭ ‬وممتعا‭.. ‬لا‭ ‬يعجبني‭ ‬بعد‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الإرث‭ ‬أو‭ ‬حق‭ ‬الملكية،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شاعرا‭ ‬فقط‭ ‬أو‭ ‬صحافيا‭ ‬فقط‭ ‬أو‭ ‬روائيا‭ ‬فقط،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسك‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يسعفك،‭ ‬وربما‭ ‬قد‭ ‬أعتبر‭ ‬نفسي‭ ‬متعددا‭ ‬وما‭ ‬ينتابني‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬الكتابة،‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬جنس‭ ‬أو‭ ‬فن‭ ‬إبداعي‭ ‬واحد‭ ‬أن‭ ‬يمتص‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجنون‭ ‬الذي‭ ‬يسكنني،‭ ‬إن‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬هي‭ ‬تجريب‭ ‬للخلود،‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬نفسك‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الزوال‭ ‬والشوق‭ ‬للأبدية،‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تظل،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تمنحك‭ ‬كتاباتك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬تضيق‭ ‬أنشوطة‭ ‬الموت‭ ‬حول‭ ‬عنقك،‭ ‬فأنا‭ ‬حين‭ ‬أكتب،‭ ‬لا‭ ‬أفكر‭ ‬يوما‭ ‬فيما‭ ‬سأتقاضاه‭ ‬عما‭ ‬أكتب،‭ ‬ولكن،‭ ‬أن‭ ‬أترك‭ ‬وشمي‭ ‬الآن‭ ‬واستقبالا،‭ ‬فالكتابة‭ ‬عشبة‭ ‬الخلود‭ ‬التي‭ ‬تهزم‭ ‬الموت‭.‬

‭-‬في‭ ‬جل‭ ‬مقالاتك‭ ‬الصحافية‭ ‬وحتى‭ ‬النقدية‭ ‬أو‭ ‬الإبداعية،‭ ‬تميزت‭ ‬بالافتتاح‭ ‬بقولة‭ ‬أو‭ ‬حكمة‭ ‬مقتبسة،‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬عجز‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬قول‭ ‬ما‭ ‬يريد،‭ ‬ليأتي‭ ‬الاقتباس‭ ‬بمثابة‭ ‬إضاءة‭ ‬أو‭ ‬دليل‭ ‬يقود‭ ‬المتلقي‭ ‬لما‭ ‬تريد‭ ‬قوله؟‭ ‬

هل‭ ‬توجد‭ ‬كتابة‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬سابق؟‭ ‬هل‭ ‬نقول‭ ‬كلاما‭ ‬خاصا‭ ‬بنا‭ ‬ونأتي‭ ‬بلغة‭ ‬من‭ ‬عندنا‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬فقط‭ ‬نعمل‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬اللغة‭ ‬المشتركة‭ ‬لمجموعة‭ ‬وطنية‭ ‬لنبحث‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬عن‭ ‬صوتنا‭ ‬الخاص؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تكتبنا‭ ‬وتقولنا،‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬يضعنا‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬قضايا‭ ‬إشكالية‭ ‬ترتبط‭ ‬بتصورنا‭ ‬للعالم‭ ‬والتاريخ‭ ‬واللغة‭ ‬والتراث‭ ‬ولمفهوم‭ ‬الكتابة‭ ‬ذاته؟

‭-‬لم‭ ‬الاقتباس‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬كبار‭ ‬وأنت‭ ‬قادر‭ ‬بلغتك‭ ‬على‭ ‬التوصيل،‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬ببصمة‭ ‬الإبداع‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬سابق؟

اعتدت‭ ‬القول‭ ‬إني‭ ‬لست‭ ‬صحافيا‭ ‬ولا‭ ‬كاتبا‭ ‬لقيطا،‭ ‬إني‭ ‬وليد‭ ‬شجرة‭ ‬أنساب‭ ‬باذخة‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬وما‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬حتى‭ ‬كبار‭ ‬الكتاب‭ ‬العالميين،‭ ‬كانوا‭ ‬يكتبون‭ ‬لغتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬فيها‭ ‬أصوات‭ ‬من‭ ‬سبقوهم‭ ‬أو‭ ‬جايلوهم،‭ ‬وبخصوص‭ ‬الاقتباسات‭ ‬التي‭ ‬اعتدت‭ ‬أن‭ ‬أفتح‭ ‬بها‭ ‬مقالتي‭ ‬ونصوصي،‭ ‬ألفت‭ ‬انتباهك‭ ‬إلى‭ ‬التقديم‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬به‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بنعبد‭ ‬العالي‭ ‬كتابه‭ ‬الجميل‭ ‬الموسوم‭ ‬ب‭(‬لا‭ ‬أملك‭ ‬إلا‭ ‬المسافات‭ ‬التي‭ ‬تبعدني‭(‬،‭ ‬حين‭ ‬يقول‭: (‬‭ ‬يُبدى‭ ‬البعض‭ ‬انزعاجاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬التي‭ ‬تستعين‭ ‬بالاقتباسات،‭ ‬و‭(‬تتكئ‭( ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المفكِّرين‭ ‬الذين‭ ‬غدت‭ ‬أسماؤهم‭ ‬حجَّة‭ ‬يُعتمَدُ‭ ‬عليها‭… ‬وهم‭ ‬ينصحون‭ ‬كُتَّابنا‭ ‬أن‭ ‬يُقلِعُوا‭ ‬عن‭ ‬استنساخ‭ ‬غيرهم،‭ ‬ويُثبتوا‭ ‬كفاءتهم‭ ‬وقدرتهم‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬بأن‭ ‬ينطلقوا‭ ‬من‭ (‬درجة‭ ‬صفر‭ ‬الكتابة‭(. ‬رغم‭ ‬براءة‭ ‬النصيحة‭ ‬وحسن‭ ‬نِيِّتها‭ ‬وغَيْرتها‭ ‬على‭ ‬فكر‭(‬نا‭( ‬وإبداعـ‭(‬نا‭(‬،‭ ‬فهى‭ ‬تنطوى‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬معيَّن‭ ‬عن‭ ‬الكتابة،‭ ‬ونظرة‭ ‬بعينها‭ ‬إلى‭ ‬الفكر،‭ ‬بل‭ ‬ربَّما‭ ‬تفترض‭ ‬فَهْماً‭ ‬معيَّناً‭ ‬للهوية،‭ ‬وموقفاً‭ ‬بعينه‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الفكري‭.. ‬المُسلَّمة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تفترضها‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الاقتباس‭ ‬أمر‭ ‬يتمُّ،‭ ‬دوماً،‭ ‬بوَعْى‭ ‬وسَبْق‭ ‬إصرار‭. ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يقتبس‭ ‬حتَّى‭ ‬إن‭ ‬ظنَّ‭ ‬أنه‭ ‬صاحب‭ ‬الفكرة‭ ‬وأنه‭ ‬السَّبَّاق‭ ‬إليها‭(.‬

ـ‭ ‬لنبدأ‭ ‬بأول‭ ‬رواية‭ ‬لك،‭ ‬التي‭ ‬تعددت‭ ‬طبعاتها،‭ ‬إنها‭ ‬بيضة‭ ‬ديكك‭ ‬السردي،‭ ‬في‭ ‬طبعتها‭ ‬الثالثة‭ ‬كتبت‭ (‬ابنة‭ ‬الكلب‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭.. (‬ذاكرة‭ ‬الغياب‭(‬،‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬تتلبس‭ ‬بي،‭ ‬تأسرني،‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أنفك‭ ‬من‭ ‬أسرها،‭ ‬أود‭ ‬قطع‭ ‬صلة‭ ‬الرحم‭ ‬معها‭ ‬فتظل‭ ‬متشبثة‭ ‬بوجداني‭ ‬وبغيرة‭ ‬الأطفال،‭ ‬تود‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬الرواية‭ ‬الوحيدة‭ ‬الأثيرة‭ ‬لدي‭( ‬هل‭ ‬نجحت‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬ذاكرة‭ ‬غيابك؟

أتذكر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يقوله‭ ‬هزينكا‭ (‬أكتب‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬أجن‭( ‬وموريس‭ ‬بلانشو‭: (‬أكتب‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬أموت‭(.. ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬والموت‭ ‬والجنون،‭ ‬هناك‭ ‬كتب‭ ‬قتلت‭ ‬أصحابها،‭ ‬ف‭(‬الخبز‭ ‬الحافي‭( ‬قتل‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬بمعنى‭ ‬ما،‭ ‬وقل‭ ‬نفس‭ ‬الشيء‭ ‬عن‭ (‬موسم‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬الشمال‭( ‬للطيب‭ ‬صالح‭ ‬و‭(‬البؤساء‭( ‬لفكتور‭ ‬هيغو‭… ‬هناك‭ ‬كُتاب‭ ‬يتم‭ ‬اختزال‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أبدعوه‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬واحد‭ ‬لهم،‭ ‬هناك‭ ‬مبدعون‭ ‬ظُلموا‭ ‬وأحسوا‭ ‬بالقهر‭ ‬بسبب‭ ‬شهرة‭ ‬منتوج‭ ‬واحد‭ ‬لهم‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬غيره،‭ ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬كتابهم‭ ‬البكر،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬أبدعوه‭ ‬بعده‭ ‬أكثر‭ ‬جودة،‭ ‬والنص‭ ‬الذي‭ ‬اشتهروا‭ ‬به‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬شهرته،‭ ‬ليست‭ ‬إبداعيته‭ ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬سياقات‭ ‬تاريخية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬وثقافية‭ ‬وإعلامية‭ ‬عامة‭… ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فهيمنة‭ ‬رواية‭ (‬ذاكرة‭ ‬الغياب‭( ‬واستمرار‭ ‬حضورها‭ ‬مبهج‭ ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬يزعجني،‭ ‬وأخشى‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬غيرتها‭ ‬عائقا‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬نصوص‭ ‬أخرى‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬بيضة‭ ‬الديك‭ ‬لدي،‭ ‬لي‭ ‬مشاريع‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السرد،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬اكتمل‭ ‬نضجها‭ ‬أو‭ ‬كلها‭ ‬رهينة‭ ‬عطف‭ ‬ورحمة‭ ‬روايتي‭ (‬ذاكرة‭ ‬الغياب‭(.‬

ـ‭ ‬في‭ ‬كتابك‭ (‬سطوة‭ ‬العتمة‭( ‬الذي‭ ‬تعمدت‭ ‬أن‭ ‬تشم‭ ‬جنسه‭ ‬بنصوص،‭ ‬نجدك‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬صوتك‭ ‬الشخصي،‭ ‬فلذلك‭ ‬زاوجت‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬والشعر؟

لم‭ ‬أتجرأ‭ ‬يوما‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إني‭ ‬شاعر،‭ ‬أو‭ ‬أشم‭ ‬نصوصي‭ ‬بطابع‭ ‬هذا‭ ‬الجنس‭ (‬المقدس‭(‬،‭ ‬لدي،‭ ‬فأنت‭ ‬تعرف‭ ‬أني‭ ‬خريج‭ ‬كلية‭ ‬الآداب،‭ ‬تخصص‭ ‬شعر،‭ ‬وخبرت‭ ‬الشعر‭ ‬تذوقا‭ ‬ونقدا،‭ ‬لكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬الشعرية‭ ‬وجنس‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬اعتبره‭ ‬أرسطو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭.. ‬فما‭ ‬حاولته‭ ‬في‭ (‬سطوة‭ ‬العتمة‭( ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أجرب،‭ ‬أن‭ ‬أضع‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬أهبة‭ ‬السفر‭ ‬بعيدا،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الكتاب‭ ‬الإبداعي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬برغم‭ ‬نفاذه‭ ‬لم‭ ‬أجرأ‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬طبعه‭.‬

ـ‭ ‬لم؟‭ ‬هل‭ ‬اعتبرت‭ ‬نفسك‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ (‬سطوة‭ ‬العتمة‭(‬؟

إذا‭ ‬قدر‭ ‬لي‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الكسل‭ ‬اللغوي،‭ ‬أن‭ ‬أوظف‭ ‬تعابيرك‭ ‬فلأقل‭ ‬إني‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬سموت‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬هذه‭ ‬العتمة‭ ‬المطبقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أشتهي‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬أخرج‭ ‬منها،‭ ‬فضوء‭ ‬آخر‭ ‬النفق،‭ ‬خيط‭ ‬متاه‭ ‬طويل‭..‬

ـ‭ ‬في‭ ‬ديوانك‭ ‬الشذري‭ (‬الصحو‭ ‬مثير‭ ‬للضجر‭( ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تُهرب‭ ‬بعض‭ ‬انفلاتك‭ ‬الشعري‭ ‬من‭ ‬الانسحاق‭ ‬الدائم‭ ‬لليومي،‭ ‬الذي‭ ‬جرفتك‭ ‬إليه‭ ‬الصحافة،‭ ‬هل‭ ‬يعتبر‭ ‬الاحتفاء‭ ‬ب‭(‬الصحو‭ ‬مثير‭ ‬للضجر‭( ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬الوطنية‭ ‬والمحفل‭ ‬النقدي‭ ‬المغربي‭ ‬والعربي‭ ‬انتصارا‭ ‬للشعر‭ ‬على‭ ‬الصحافة‭ ‬فيك؟

باعتبار‭ ‬الشذرة‭ ‬انفلاتا،‭ ‬تصدعا،‭ ‬تفككا،‭ ‬خروجا‭ ‬عن‭ ‬قاعدة‭ ‬النسق‭ ‬أو‭ ‬النظام،‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الذي‭ ‬حدده‭ ‬دوسوسير،‭ ‬أقول‭ ‬نعم،‭ ‬ففي‭ ‬غمرة‭ ‬الانسحاق‭ ‬الكلي‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الصحافة،‭ ‬كان‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أختار‭ ‬بين‭ ‬الصحافة‭ ‬والأدب،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬صعب،‭ ‬فوجدت‭ ‬في‭ ‬الشذرة‭ ‬مسكنا‭ ‬خاصا،‭ ‬مأوى‭ ‬وجوديا،‭ ‬أشبه‭ ‬بالمنفلت‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬القاعدة‭.‬

في‭ ‬زحمة‭ ‬الانشغال‭ ‬بتسقّط‭ ‬الخبر‭ ‬اليومي‭ ‬وتتبع‭ ‬الأحداث‭ ‬والوقائع،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لي‭ ‬متسع‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬للقراءة‭ ‬كما‭ ‬اعتدت‭ ‬ولا‭ ‬الكتابة‭ ‬الإبداعية‭ ‬ذات‭ ‬النفس‭ ‬الطويل،‭ ‬فالشذرة‭ ‬مثل‭ ‬الطلقة،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تصيب‭ ‬أو‭ ‬تخيب‭.. ‬كنت‭ ‬آوي‭ ‬إلى‭ ‬نفسي‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬أُهرب‭ ‬بعض‭ ‬أحلامي‭ ‬وشغبي‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬الإبداعية،‭ ‬تعلمني‭ ‬الشذرة‭ ‬التواضع‭ ‬دوما،‭ ‬حين‭ ‬أقرأ‭ ‬أليكانتي،‭ ‬فرناندو‭ ‬بيسوا،‭ ‬سيوران،‭ ‬نيتشه،‭ ‬بلانشو،‭ ‬بول‭ ‬ريكور‭.. ‬أتواضع‭ ‬جدا،‭ ‬وأقول‭ ‬إن‭ ‬الشذرة‭ ‬القادمة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أجمل،‭ ‬ويحدث‭ ‬لي‭ ‬أحيانا‭ ‬كما‭ ‬كتبت‭ ‬في‭ ‬تقديمي‭ ‬ل‭(‬الصحو‭ ‬مثير‭ ‬للضجر‭( ‬أن‭ ‬أنتج‭ ‬شذرات‭ ‬استثنائية‭ ‬مبهجة‭.. ‬غير‭ ‬أني‭ ‬أكتشف‭ ‬بعدها‭ ‬أن‭ ‬علما‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬الشذرة‭ ‬قال‭ ‬شيئا‭ ‬مشابها‭ ‬فأضطر‭ ‬إلى‭ ‬حذفها،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أني‭ ‬لم‭ ‬أقرأ‭ ‬يوما‭ ‬للكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬وجدت‭ ‬عنده‭ ‬تماثلا‭ ‬لما‭ ‬أنتجت،‭ ‬ببساطة‭ ‬فأنا‭ ‬التالي‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدّعي‭ ‬سبقا،‭ ‬لأن‭ ‬مفهوم‭ ‬التفاعل‭ ‬أو‭ ‬التداخل‭ ‬النصي‭ ‬مستحدث‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭..‬

ـ‭ ‬تقصد‭ ‬مفهوم‭ ‬السرقات‭ ‬الأدبية،‭ ‬لقد‭ ‬قرأت‭ ‬حكاية‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬تقديمك‭ ‬ل‭(‬الصحو‭ ‬مثير‭ ‬للضجر‭(‬،‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنك‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُقل‭ ‬بعد؟

هذا‭ ‬تشريف‭ ‬لا‭ ‬أدعيه،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬أستحقه‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬فيه‭ ‬شيئا،‭ ‬نص‭ ‬دمه‭ ‬على‭ ‬خده،‭ ‬يشبهنا،‭ ‬يقولنا،‭ ‬يكون‭ ‬مثل‭ ‬جواز‭ ‬مرور‭ ‬لأفئدة‭ ‬من‭ ‬يعشقوننا،‭ ‬أو‭ ‬بطاقة‭ ‬هوية‭ ‬تعبر‭ ‬عنا‭.. ‬الكتابة‭ ‬المستمرة‭ ‬هي‭ ‬صراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الخلود‭ ‬وقهر‭ ‬الموت،‭ ‬هي‭ ‬اشتهاء‭ ‬امتلاك‭ ‬الزمن‭ ‬والنجاة‭ ‬من‭ ‬الفناء،‭ ‬أشبه‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭ ‬جلجماش،‭ ‬نبتة‭ ‬الخلود،‭ ‬الكتابة‭ ‬بعد‭ ‬النص‭ ‬الأول،‭ ‬هي‭ ‬تجاوز‭ ‬سقف‭ ‬الاعتراف‭ ‬إلى‭ ‬عتبة‭ ‬الوشم،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أننا‭ ‬نقايض‭ ‬بإبداعنا‭ ‬سلطة‭ ‬الموت‭ ‬القاهرة،‭ ‬هل‭ ‬قلت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أردت‭ ‬في‭ (‬الصحو‭ ‬المثير‭ ‬للضجر‭(‬؟‭ ‬هل‭ ‬أسعفتني‭ ‬العبارة‭ ‬لأقول‭ ‬ها‭ ‬قد‭ ‬سرقت‭ ‬من‭ ‬وهج‭ ‬الزمان‭ ‬شمسا‭ ‬خاصة‭ ‬بي،‭ ‬أقصد‭ ‬صوتا‭ ‬يليق‭ ‬بي،‭ ‬لغة‭ ‬خاصة‭ ‬بي،‭ ‬أسلوبا‭ ‬يعبر‭ ‬عني،‭ ‬مجرد‭ ‬انفعال‭ ‬عابر‭.. ‬

ـ‭ ‬في‭ ‬كتابك‭ (‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الإمبراطور‭ ‬المعظم‭ ‬كوفيد‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭( ‬نحس‭ ‬بصدمة‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬ألهذا‭ ‬الحد‭ ‬أرعبتك‭ ‬كورونا؟

ليس‭ ‬الموت‭ ‬ما‭ ‬يخيفني‭.. ‬وإنما‭ ‬الإحساس‭ ‬بالموت،‭ ‬لقد‭ ‬عاش‭ ‬العالم‭ ‬تجربة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬كوفيد‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬الذي‭ ‬أدخل‭ (‬اللايقين‭( ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الاطمئنان‭ ‬الأعمى‭ ‬الذي‭ ‬ورطتنا‭ ‬فيه‭ ‬الوضعية،‭ ‬ليس‭ ‬التجريب‭ ‬هو‭ ‬اليقين‭ ‬الثابت‭.. ‬لقد‭ ‬تحطمت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحكيات‭ ‬عن‭ ‬مركزية‭ ‬الإنسان،‭ ‬وروح‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬إلاه‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬اللا‭ ‬يقين‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬والوجود‭ ‬له‭ ‬معنى‭ ‬أساسي،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الاستهلاك‭ ‬لن‭ ‬يخلق‭ ‬سعادة‭ ‬الإنسان،‭ ‬والمال‭ ‬ليس‭ ‬مبرر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الوجود،‭ ‬لقد‭ ‬ظللنا‭ ‬مسجونين‭ ‬في‭ ‬بيوتنا‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر،‭ ‬كان‭ ‬الوضع‭ ‬أشبه‭ ‬بتهشم‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬يرى‭ ‬الإنسان‭ ‬فيها‭ ‬نفسه‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬وعلينا‭ ‬وحدنا‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬ترميم‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬جديد‭.. ‬ألم‭ ‬نحس‭ ‬ببعد‭ ‬الفاجعة‭ ‬في‭ ‬الوجود،‭ ‬الكتابة،‭ ‬الزمن‭ ‬وعلاقتك‭ ‬بالآخرين‭ ‬والعالم‭ ‬من‭ ‬حولك؟

الموت‭ ‬هو‭ ‬مشكل‭ ‬الآخرين،‭ ‬لأننا‭ ‬لن‭ ‬نموت‭ ‬قبل‭ ‬الموت،‭ ‬وإنما‭ ‬كنا‭ ‬نتساءل‭ ‬أمام‭ ‬فيروس‭ ‬حقير،‭ ‬حرايمي،‭ ‬متحور،‭ ‬فيروس‭ ‬ميكروسكوبي‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة،‭ ‬كيف‭ ‬جعلنا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬عدو‭ ‬غير‭ ‬مرئي،‭ ‬كيف‭ ‬نزلت‭ ‬الدبابات‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع؟‭ ‬وكيف‭ ‬أخذ‭ ‬الإعلام‭ ‬يوظف‭ ‬ترسانة‭ ‬لغوية‭ ‬عسكرية‭ ‬مثل‭: ‬المواجهة،‭ ‬العدو،‭ ‬الانتصار،‭ ‬الهزيمة،‭ ‬التصدي،‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الفيروس؟‭ ‬كيف‭ ‬هزم‭ ‬يقين‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬تملكه‭ ‬للطبيعة‭ ‬وتطويعه‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إسعاد‭ ‬البشرية؟

ـ‭ ‬تتكلم‭ ‬بنغمة‭ ‬حزينة‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كتابك‭ (‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الإمبراطور‭ ‬المعظم‭ ‬كوفيد‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭( ‬يعج‭ ‬بالسخرية‭ ‬والمرح،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الدكتور‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬سبيلا‭ ‬في‭ ‬تقديمه‭ ‬لكتابك‭ ‬بأنك‭ ‬تجعل‭ ‬قارئه‭ ‬يطرب‭ ‬للحزن‭ ‬ويحزن‭ ‬للطرب؟

ـ‭ ‬ليست‭ ‬السخرية‭ ‬نقيضا‭ ‬للحزن‭ ‬والألم،‭ ‬بدليل‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬المتنبي‭ (‬وكم‭ ‬ذا‭ ‬بمصر‭ ‬من‭ ‬مضحكات‭ ‬لكنه‭ ‬ضحك‭ ‬كالبكاء‭(‬،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬المثل‭ ‬المغربي‭:‬‭ (‬كيضحك‭ ‬بحال‭ ‬الراس‭ ‬المشوط‭( ‬أو‭ (‬كثرة‭ ‬الهم‭ ‬كتضحك‭(‬،‭ ‬فالضحك‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬محاولة‭ ‬لقلب‭ ‬العالم‭ ‬لنرى‭ ‬له‭ ‬هيئة‭ ‬معقولة،‭ ‬محاولة‭ ‬استيعاب‭ ‬التحولات‭ ‬التراجيدية،‭ ‬تُفجر‭ ‬فينا‭ ‬طاقة‭ ‬هائلة‭ ‬للباروديا،‭ ‬للضحك‭ ‬والسخرية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أقوم‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬كتابي‭ (‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الإمبراطور‭ ‬المعظم‭ ‬كوفيد‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭(.‬

ـ‭ ‬في‭ (‬فتنة‭ ‬بذرة‭ ‬الجمال‭ (‬نعثر‭ ‬على‭ ‬كوكاس‭ ‬الناقد‭ ‬و‭(‬المنقود‭(‬،‭ ‬أي‭ ‬الذي‭ ‬تصبح‭ ‬إبداعاته‭ ‬محل‭ ‬نقد،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬نعثر‭ ‬سوى‭ ‬على‭ ‬القراءات‭ ‬المنوهة‭ ‬بإبداعك،‭ ‬ألا‭ ‬توجد‭ ‬دراسات‭ ‬نقدية‭ ‬تتصدى‭ ‬بإبراز‭ ‬السلب‭ ‬في‭ ‬إبداعاتك؟

العديد‭ ‬ممن‭ ‬كتبوا‭ ‬عن‭ ‬إبداعاتي‭ ‬داخل‭ ‬المغرب‭ ‬وخارجهم،‭ ‬لا‭ ‬أعرفهم‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬سوى‭ ‬بالاسم،‭ ‬عدا‭ ‬شلة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الذين‭ ‬احتفوا‭ ‬ب‭(‬ذاكرة‭ ‬الغياب‭( ‬و‭(‬سطوة‭ ‬العتمة‭(‬،‭ ‬أؤكد‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬جلهم‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬عنهم‭ ‬شيئا،‭ ‬بل‭ ‬إني‭ ‬سعيت‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬النقاد،‭ ‬الذين‭ ‬درسوا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬إبداعاتي‭ ‬لأشكرهم،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الدراسات‭ ‬الماتعة‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬كتابة‭ ‬يوجد‭ ‬نقص‭ ‬ما،‭ ‬وإلا‭ ‬لما‭ ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬نص‭ ‬تالي‭ ‬ونكتفي‭ ‬بالنص‭ ‬الكامل‭ ‬الذي‭ ‬قلناه‭ ‬أو‭ ‬قالنا،‭ ‬الإبداع‭ ‬سيرورة‭ ‬وصيرورة،‭ ‬أي‭ ‬استمرار‭ ‬وتحول،‭ ‬والكتابة‭ ‬الإبداعية‭ ‬مليئة‭ ‬بالقطائع‭ ‬والانفصال،‭ ‬والهنّات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعلنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬أسلوبنا‭ ‬وإبداع‭ ‬ما‭ ‬نعتقد‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬أنه‭ ‬الأجود،‭ ‬فأنا‭ ‬أكبر‭ ‬ناقد‭ ‬لكتاباتي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬النور،‭ ‬وأحيانا‭ ‬أعض‭ ‬شفتاي‭ ‬حتى‭ ‬أكاد‭ ‬أدميهما‭ ‬متسائلا‭ ‬كيف‭ ‬سمحت‭ ‬لنفسي‭ ‬بنشر‭ ‬مقال‭ ‬أو‭ ‬نص‭ ‬قبل‭ ‬اكتمال‭ ‬نضجه‭. ‬أعي‭ ‬تلك‭ ‬الأنانية‭ ‬المتأصلة‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬التي‭ ‬تحث‭ ‬على‭ ‬التحفيز‭ ‬في‭ ‬التأليف‭ ‬وتعجيل‭ ‬الإتمام‭ ‬به‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬أبو‭ ‬حازم‭ ‬القرطاجني،‭ ‬ولكني‭ ‬أكبر‭ ‬ناقد‭ ‬لكتبي‭ ‬وكم‭ ‬عانى‭ ‬معي‭ ‬المصححون‭ ‬حتى‭ ‬وأنا‭ ‬أقدم‭ ‬كتابي‭ ‬للطبع‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬النهائي‭ ‬لكثرة‭ ‬التغييرات‭ ‬التي‭ ‬أحدثها‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬اعتقدت‭ ‬أنه‭ ‬اكتمل‭!‬

مشاركة