سامي مهدي.. زيتونة الشعر العراقي المعاصر – هادي دانيال

سامي مهدي.. زيتونة الشعر العراقي المعاصر – هادي دانيال

مدونتان تغطيان بأسلوب سردي جزءاً من السيرة  الثقافية

بدأتُ أتعرّف على شعر شعراء الستينات العراقيين سنة1973 (بعد أن تعرّفْتُ جيّداً في دمشق على شعر الرّواد: السيّاب والبياتي والحيدري والملائكة بقراءة أعمالهم الكاملة التي أصدرتها دار العودة في بيروت) ، حصل ذلك في بيروت فقد وضع شريف الربيعي بين يديّ مجموعات شعريّة  لحميد سعيد وحسب الشيخ جعفر وفوزي كريم ، وأيضا لسعدي يوسف، وجميع هذه المجموعات الشعرية لهم صادرة عن دور نشر بيروتيّة، فلأوّل مرّة أقرأ بكثافة وحماسة واندهاش لشعراء عراقيين، كما كنت قد تعرّفت شخصيا في السنة ذاتها وفي مكاتب مجلة “إلى الأمام” لسان الجبهة الشعبيّة – القيادة العامة على الشاعرين مؤيّد الراوي وشريف الربيعي في بيروت أيضا ولم أقرأ لهما شعرا إلّا بعد سنوات حيث أصدر كلّ منهما مجموعة شعرية وحيدة، بينما كان اسما فاضل العزّاوي وعبد الرحمن طهمازي  قد ترددا كثيرا على لسان الرسام العراقي “صالح الكردي” الذي كان يقتسم مع الشاعر والرسام السوري “زهير غانم” شقته الدمشقية التي آوتني في الأسابيع الأخيرة التي قضيتها بدمشق خارج بيت العائلة قبل أن أغادر نهائياً إلى بيروت. جميع أسماء شعراء الستينات العراقيين(يُضافُ إليهم الخمسيني؟ سعدي يوسف) غادروا العراق في سبعينات وثمانينات القرن الماضي باستثناء الشاعر حميد سعيد الذي لم يُغادر العراق إلّا قسراً بعد اقتحام الدبابات الأمريكية بغداد.

حصار جائر

حَثّني على هذا المدخل لهذه الشهادة ، أنّني منذ أن تلقّيتُ نبأ رحيل الشاعر سامي مهدي كطعنة، نقلت إلى طاولة مكتبي في المنزل كُتُبَهُ الأربعة التي أهداها إليّ خلال أحد لقاءاتنا في مكتبه رئيساً لتحرير صحيفة “الثورة” في بغداد زَمَن الحصار الشامل الجائر ، وهذه الكتب هي: “الموجة الصاخبة: شعر الستينات في العراق”، “الخطأ الأوّل”، “سنابل الليل: مختارات من الشعر العالمي”، و”سعادة خاصّة”. استعدتُ قراءة كتاب “الموجة الصاخبة” الذي وردت فيه جميع تلك الأسماء وغيرها من أسماء شعراء وقصاصي وروائيي ونقاد العراق الذين قرأتهم أو التقيتهم لاحقا في العراق وخارجه، والذي عَرَضَ به سامي مهدي وقائع تُضيء دوره وأدوار زملائه في المشهد الإبداعيّ العراقي آنذاك، وكان عرضه نسيجاً من الوصف التقريري الحارّ والملاحظات النقديّة اللامعة بأسلوب سرديّ شائق عرفناه أيضا في كتابه المشترك مع زميله الشاعر حميد سعيد “20رسالة ورسالة” (تبادل سامي وحميد 10رسائل لكلّ منهما ، واختتم الكتاب برسالة لزميلهما الشاعر الفلسطيني “خالد علي مصطفى”)، ويمكننا عدّ “الموجة الصاخبة” و رسائل سامي العشر في “20رسالة ورسالة” مدوّنتين تغطّيان بأسلوب سرديّ ناصع جزءا من “سيرته الثقافيّة”، والتي نستشفّ منها الكثير من طباع سامي مهدي ومواقفه الثابتة، ومِن بينها خياره بطبع نتاجه الشعري والنقدي والسردي وما ترجمه من قصائد شعراء أجانب عبر العالم، داخل العراق وليس خارجه، ولذا لَمْ يُعْرَفْ اسم سامي مهدي ونتاجه عند مَن يَتَعَذَّر وصول ثمار المطابع العراقيّة إليهم، فسامي مهدي مِن المبدعين الذين أهملوا تسويقَ نتاجهم ولكنّه بالمقابل كان يتابعُ كُلَّ ما يصدر عن المطابع العربية والأجنبيّة متابعة مكّنته من تكوين رأي يُعْتَدُّ به مِن المدوّنتين الشعريّة والنقدية في الوطن العربي والعالم. وكأنّه حسب عبارة آرثر رامبو، بتصرُّف، يجوب العالمَ بدونِ أن يُغادرَ مقعدَه العراقيّ. ولذلك تركَ سامي مهدي انطباعاً عند البعض بأنّه مُوغلٌ في عراقيّتِه إلى حدٍّ قد يُشَوِّش على انتمائه السياسي العروبي.

وسامي مهدي كثيراً ما يتركُ انطباعاً خاطئاً عندَ مَن لا يعرفه عن قُرب، فهو في ملامح وجهه وحركة جسده وحتى في خطابه مُسَرْبَلٌ بالجديّة والصرامة اللتين لا يصطنعهما بل ربّما يجد صعوبةً في التخلُّصِ منهما حتى في جلسات الدردشة بين الأصدقاء، وعليكَ أن لا تنتظر منه ليونة أو تراجعا عن موقف سبَقَ أن اتخذه من مسألة أو شخص، ولكنّه كثيرا ما يُفاجئكَ بأنّه مهتمّ بكَ بدون أن تبدر عنه مقدّمات لهذا الاهتمام فهو يُتابع ويكوّن آراءه ومواقفه بصمت، ولكن إن جهرَ بهذا الموقف أو الرأي فلا أمَل في أن يراجعهما، فقد ختَمَت كلّاً منهما نقطة النهاية.

في أسوأ سنوات الحصار على العراق أقمتُ في بغداد عاما ونيّف وكنتُ أكتب مرة أو اثنتين تعليقا في جريدة “الثورة” التي كان سامي رئيس تحريرها آنذاك. كنتُ أسلّم ما أكتبه للصديق العزيز صبري حمّادي “أبو فائز” مسؤول القسم السياسي.  مرّةً هاتفني أبو فائز طالبا أن أقابلَ الأستاذ سامي. كنتُ كتبتُ تعليقا أقترح فيه أن تكون القيادة العراقية أكثر مرونة مع الموقف الفرنسي المختلف نسبيا عن الموقف الأمريكي لفتح نافذة في الحصار الخانق. عدّه سامي حينها موقفاً ليبراليّاً، وسألني مُباشرةً: أنت ليبرالي؟. ابتسمتُ، وقلتُ له لم يسبق أن سألتُ نفسي هذا السؤال. لكن إذا كان القصد بالليبرالية الحريّة  يمكنني أن أقول نعم. فقال لي: ولكن “الثورة” جريدة حزب حاكم وليست جريدة ليبراليّة. وساد صمتٌ ودامَ حتى ثقل، فنهضتُ وغادرتُ مومئا له برأسي.

مرّ وقتٌ طويل نسبيّاً على ذلك الموقف, كنت خلاله قد عدت إلى تونس، وخلال مشاركتي في مهرجان المربد قادما من تونس، اتصل بي سامي وقال لي سيمرّ السائق على الفندق ويأتي بك وبعفيفي إلى منزلي لتناول العشاء. كان لقاء حميماً في منزله على مائدة العشاء هو والشاعر محمّد عفيفي مطر وأنا. ومعربا عن مدى اختفائه بنا، فتح زجاجة نبيذ عمرها أكثر من عقدين وقال مبتسما: لأوّل مرّة أفتح زجاجة خمر في هذا المنزل لضيف قريب أو بعيد.

لم أجتمع سابقا إلى عفيفي مطر وأذكر أنني قرأت له سنة 1972 مجموعته “الجوع والقمر”  الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق. حينها أدهشني القاموس والإيقاع لكنني لم أفهم الكثير. كنت في السادسة عشرة ومفتونا بممدوح عدوان وأمل دنقل. لم أشأ أن أبدأ حديثا مع عفيفي، الذي بدا لي متجهّما محايدا، عن كيفيّة مصافحتي الأولى لشعره، فلزمت الصمت أصغي إلى حديثه مع سامي، وأتلذّذ برشف النبيذ الفاخر. وإذ بعفيفي مطر يسأل باستهجان عن زيارة الشاعر اللبناني سعيد عقل إلى العراق في خريف1995? وهو الانعزاليّ المتطرّف الذي رفض وجود الثورة الفلسطينية في لبنان ورحّب بالجيش الإسرائيلي خلال اجتياحه لبنان؟. حينئذ نظَرَ سامي إليّ وفهمتُ من نظرته أنّه مُحرَج، فتحدّثتُ لأوّل مرّة بنبرة مرحة موجّها كلامي إلى عفيفي: لم تدْعُه القيادة العراقية. دعاه بطريرك الكلدان العراقيين بيداويد إلى مؤتمر يخصّهم فرآها “رعد بندر” (كان رئيس اتحاد أدباء العراق آنذاك) مناسبة للاحتفاء به وكأنّ في وجود شاعر كتب كلمات عدّة أغان  لفيروز،  في بغداد كسْرٌ للحصار، وأظنّ أنّ رعد بندر لا يعرف عن سعد عقل غير أنّه كاتب أغاني فيروز التي تتغنّى بالشام ودمشق قلب العروبة النابض فربما حسبه بعثيّاً.  تكشيرة عفيفي الذي عدّ كلامي استخفافا بأمرٍ جلل خنقت ابتسامة سامي المقتضبة، فتـــــــــــــوتّرت الجلسة وسارع سامي إلى قفلها بصمت.

اقتناء كتب

في اليوم التالي دعاني سامي إلى مكتبه وأهداني كتبه الأربعة.

خلال وجودي في بغداد كنت قرأتُ مُعظَم شعر سامي مهدي. كنت أقتني كتبه من شارع المتنبي. كان سامي صارماً مع نصّه الشعريّ أيضا فكاد يدفع به إلى النّمطيّة  لكنّ موهبته القويّة وثقافته العميقة أنقذتا هذا النصّ على الرغم من ضبْط حرية الشاعر بصرامة الناقد، بينما التجريبية الحرّة المفتوحة على المطلق ربما كانت ستأخذ قصيدته إلى الأبعد، مع تأكيدنا على تفرّد قصيدة سامي وتميّزها وجدارتها بدراسات مستقبليه تضيء ما تكتنزه جماليا وفكريا.

والمفارقة هنا أنّ شعر سامي مهدي ليس في منافسة مع شعراء جيله العراقيين والعرب بقدر ما هو في منافسة شرسة مع شاعر يبادله (البغضاء؟ العداء؟ ) فكلاهما نقيض الآخر أيديولوجيا وسلوكيا لكنّ قراءاتهما التي أثرت في  مرجعيّتهما الثقافية واحدة باللغات العربية  والإنكليزية والفرنسية، وكلاهما مثلاً مهتمّ بالشعر الفرنسي وخاصة بآرثر رامبو إمّا بدراسته أو بترجمة دراسة عنه.

ولئن كان سامي مهدي زيتونة عراقية منحازة انحيازا وطنيا وجوديا إلى عراقيّتها  فإنّ سعدي يوسف شجرة عراقية جذورها في الريح، وعلى الرغم مِمّا حصل بينهما فقد اتفقا موضوعيّاً في النهاية على رفض الغزو الأمريكي وتداعياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، ورحل كلاهما مخلّفا إرثا شعريّاً  سيكون الكثير منه عصيّا على غربال الزمن وثقوبه الواسعة ، وإذا كان محمود درويش قد صرّح يوما بأنّه لا يجد ضررا في أن يتوقف عن كتابة الشعر مادام سعدي يوسف يكتب قصائده، فإنني أجد صعوبة في أن أصدّق أنّ محمود درويش نفسه لم يقرأ قبل أن يكتب قصيدته الأخيرة “لا عب النرد” مجموعة سامي مهدي “سعادة خاصة” ولا سيما قصائد” اللعبة العمياء” ،”تشرّد” و”السير على الماء”.

وإن كان سعدي يوسف قد عرفَ مُبكّراً كيف يُسَوِّق اسمه و شعره داخل العراق وخارجه وعبر العالم،  فإنّ المعنيّين بالتراكم المعرفي والإبداعي وبتزويد الأجيال الراهنة والقادمة بكلّ ما هو أصيل وخصب في الإبداع الإنساني، مطالبون يإيلاء إرث سامي مهدي النقدي والإبداعي اهتماما  خاصّا ووضْع خطة استراتيجية ناجعة  تضمن إخراجه من الحيّز الضيّق الذي هو فيه، والمُحاصَر الآن بل شكّ، إلى  مُتناول القراء المفترَضين في كلّ مكان وزمان، وأنا بصفتي ناشرا، أضع إمكانات “دار الشنفرى..” المتواضعة في خدمة خطة نبيلة كهذه.

مشاركة