أقلمة نظرية عربية في السرد بمركز إبن خلدون – سهيل كبة

ضوء على ندوة إنسانية إجتماعية

أقلمة نظرية عربية في السرد بمركز إبن خلدون – سهيل كبة

مشروع بحث علمي تقدمت به الأستاذة الدكتورة نادية هناوي إلى مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والإجتماعية في جامعة قطر بعنوان( أقلمة نظرية عربية في السرد: السرد غير الواقعيّ في المرويات التراثيّة) وجرت مناقشته في ندوة علمية من قبل باحثين ذوي تخصص ومعرفية وذيوع. وحسناً فعلت الباحثة حين اختارت لمناقشته باحثين كفاة ومنظرين كبيرين هما الدكتور إبراهيم السعافين أستاذ الادب العربي والدكتور سعيد يقطين أستاذ السرديات، وهما في ذروة النقد الادبي العربي في ميدان النظريات السردية وكذلك الاستاذة الدكتورة أسماء خوالديه أستاذة وباحثة في الجامعة التونسية ومتخصصة في الدراسات الصوفية. مما يدلل على ثقة الباحثة بعلمية أطروحتها والنابعة بلا شك من ثقتها بوعيها المعرفي لذا شاءت أن تناقش أطروحتها بعلمية تخصصية رصينة، فنأت عن الاختيار الاعتيادي الذي يوفر لها المديح والتطامن، بل قررت أن تركب المركب الصعب في عرض مشروعها القيم.

وشارك في التعقيب والمداخلة أساتذة وباحثون بذات التخصص من المغرب والأردن وتونس ومصر وقطر. وقد أدار الندوة د. هيثم سرحان أستاذ النثر القديم في كلية الآداب بجامعة قطر. وفي البدء أكدت الباحثة د. نادية هناوي أن السرد العربي القديم ما زال بعيداً عن اهتمام منظري السرد ما بعد الكلاسيكي، مع أن ما يؤسسون له من طروحات ويجترحونه من مفاهيم موجود جلياً وبلا لبس في سردنا القديم، وهو ما يتطلب وقفة جادة.

ولأن الدراسات النقدية في الغرب تشهد اليوم تطوراً في مجال علم السرد ما بعد الكلاسيكي، يغدو المجال مشرعاً لأقلمة السرد العربي القديم عبر الإفادة من طروحات تلك النظريات. ومنها نظرية علم السرد غير الطبيعي والهدف علمنة السرد جمعاً بين المعرفي والأدبي والسردي والتاريخي في ظل مناخ ثقافي ما بعدي وبمنهجية منفتحة وتعددية.

مفاهيم تجريدية

وأكدت الدكتورة هناوي أن الأقلمة فاعلية ثقافية تبحث في الأساسات والأصول وغايتها تحديد التقاليد ومعالجة الخصوصيات وربط الأطراف بالأقطاب. وبالشكل الذي يسمح بوضع نظرية فيها من المفاهيم والتصورات التجريدية ما يبعث في سردنا هويته ويدلل على انجازاته وفي الآن نفسه يصب في صالح السردية العالمية.

ومن باب التجريب في مفاهيم السرد غير الطبيعي ارتأت د. هناوي اعتماد مفهوم( السرد غير الواقعي) مشددة على ما لملحمة جلجامش من أولوية في رسم أرضية لدراسة التراث السردي القديم بعد ان أهمل الباحثون في السرديات العربية دراسة الملاحم والحكايات الخرافية.

وكان أول المعقبين الدكتور إبراهيم السعافين بادئا بالثناء على فكرة المشروع الذي وصفه بالطموح والذكي وأنه يجعله متفائلا بالجامعات وأكاديمياتها. وأضاف انه على الرغم من أهمية الورقة لكنها أغفلت تأثر السرد الغربي بالسرد العربي وأشار إلى دراسته عن أثر ألف ليلة وليلة في الأدب الحديث وبحثه عن نجيب محفوظ وتأثره بالتراث العربي كما أعرب عن وجود مفاهيم واحكام يصعب فهمها في ورقة المشروع، لكنه أكد حقيقة أن باحثينا ما زالوا يعتقدون أن الفنون الادبية الحديثة هي نتاج الادب الغربي.

وقد عقبت الدكتورة هناوي على ما طرحه الدكتور السعافين بقولها إن الاقلمة تتعدى التأثر والتأثير الذي هو من وظائف الادب المقارَن او المقارِن بل غاية الورقة الاضافة الى نظريات السرد العالمي والحضور معه والكينونة فيه من خلال تأسيس نظرية عربية في السرد القديم مؤكدة أن ورقة المشروع تضمنت خطوطا عريضة نظرا لضيق الوقت الذي لا يسمح بالتمثيل.

وبعد ذلك تداخل الناقد د. سعيد يقطين مؤكدا أن الحوار بين المشتغلين في مجال السرديات يفتح الافاق واسعة للتطوير والاستزادة. ووصف ورقة المشروع بالمهمة لكنه أكد أن اختلاف المرجعيات والأصول هو جزء من تعميق الحوار الذي يتطلبه البحث العلمي ومما سجله من ملاحظات ان الورقة معدة بانشائية وانها تقدم باعتبارها ورقة منتهية بمصطلحات ومفاهيم محددة، ورأى أن الاقلمة هي الاشكالية التي تطرحها الورقة لكنه فضل عليها استعمال المشاركة أو التاسيس وعلل الامر بان كل ما نمارسه منذ عصر النهضة حتى اليوم هو طرح الأقلمة لذلك نحن مدعوون الى المشاركة والانخراط في دراسة التراث النظري العالمي ولكي نحقق المشاركة لا بد من فهم أو استيعاب الفكر الغربي جيدا وان نقرا التراث العربي قراءة ملائمة. واشار إلى ان طرح نظرية عربية انما هو تحريف لإحدى النظريات التي ظهرت مع السرديات ما بعد الكلاسيكية وهي نظرية السرد غير الطبيعي.

ورقة انشائية

وردت الدكتورة نادية هناوي مفندة وصف يقطين الورقة بالانشائية قائلة( لو كانت الورقة معدة بطريقة انشائية لما أعاد الدكتور يقطين قراءتها عدة مرات كما قال) وهو رد منطقي مقنع فباحث بقامة سعيد يقيطن ما كان يتطلب منه هذا الجهد في القراءة لو كان البحث انشائيا. وأضافت الباحثة تقول إن الطرح النظري الذي تقدمه ورقة المشروع ليس نهائيا أو منتهيا بدليل أن فهم مفردة الاقلمة غير واضح لدى الكثيرين وأعادت توضيح الاقلمة كمنهاج فكري به نصل الى بعث تقاليد سردنا القديم والنهوض بها. وافترضت د. هناوي أن لو كان النقد الأدبي منذ عصر النهضة إلى اليوم قد قدم كل ما يمكن تقديمه لوصلنا إلى نظريات وليس نظرية واحدة. وأوضحت أن الباحثين الصينيين طوروا نظرية علم السرد غير الطبيعي ووضعوا نظرية في السرد الصيني وليس الباحث العربي بأقل قدرة منهم.

وأضافت ان ما ذكره الدكتور يقطين من مفهوم الخيال فوق الطبيعي( super natural fiction) هو نفسه العجائبي الذي طرحه تودوروف. وهو مفهوم بعيد ولا علاقة له بما نتحدث عنه وهو علم السرد غير الطبيعي (   Un natural narrative Science) الذي فيه تقوم التمثيلات على اللامحاكاة واللاواقعية كما أن الرواية الجديدة والميتافكشن والرعب والتغريب والفنتازيا هي الأخرى مفاهيم لا علاقة لها بالسرد غير الواقعي وإنما تدخل في الواقعية على اختلاف صورها والدائرة جميعها في اطار المحاكاة الأرسطية. ونفت هناوي ان يكون للاعلام دور في التعريف بعلم السرد غير الطبيعي وأشارت إلى أنها أول من طرح أبعاده عربيا وان اهتمامها في هذا التخصص الما بعدي هو الذي عمق لديها فكرة التطوير وضرورة استثمار التعددية والتعابرية في بناء نظرية عربية في السرد القديم وأن من دون ذلك لا يمكن باي حال من الاحوال بناء نظرية عربية في السرد الحديث.

وتركز تعقيب الدكتورة اسماء خوالديه على المسرودات الصوفية مؤكدة انها ظلت مهمشة ومغيبة عن دائرة البحث وتطرقت الى قصص الكرامات. ووافقتها الدكتورة هناوي الرأي في أهمية المسرودات الصوفية وأن من غير الممكن بناء نظرية من دون الوقوف عند هذه النماذج ووجدت في بعضها ما له صلة باسئلة تدعو الى البحث في الاساس او الاصل وهو الخرافة لا كخبر يقبل التصديق والتكذيب وانما كنشاط انساني انتجه فكر إنساني يريد أن يتوافق مع الواقع. وكان جمهور الندوة من ذوي الاختصاص أيضا وقد تداخلوا مع الورقة وأغنوا المناقشة بما طرحوه من تساؤلات وتعقيبات؛ فالدكتور محمد الشحات أستاذ النقد الادبي في جامعة القاهرة رأى في مداخلته أن هناك إشكالا في اصطلاح السرد غير الواقعي والسرد غير الطبيعي وأبدى تحفظه من علاقة الواقعية بما فوق الواقعي. وأشارت الدكتورة سلوى سعداوي أستاذة السرديات المعاصرة في كلية الاداب بجامعة منوبةإلى أهمية الورقة وضرورة إعادة النظر في المصطلحات بشكل جماعي إزاء موروثنا القصصي. وأكد الدكتور محمد بن عزة أستاذ السرديات والدراسات الثقافية في جامعة مولاي أسماعيل في المغرب أن من شروط المصطلح الوضوح كي لا يثير الالتباسات وتساءل ما فرق المرويات الواقعية عن المرويات غير الواقعية وأضاف أن كل نص سردي هو مزيد من الواقع والخيال وعملية التفاعل بينهما هو شيء اكبر من الفرق بين الواقع والتخييل وأن العوالم الممكنة نجدها في السرد الواقعي والسرد الخرافي، وردت الدكتورة هناوي على هذه المداخلات واجابت عن التساؤلات.

ومما نسجله على مجريات الحوار انه استغرق كثيرا من الوقت في مناقشة جوانب فرعية في متن الورقة كالواقعية التي هي من اكبر موضوعات التنظير الادبي وفيها قدمت مباحث كثيرة نهض بها كبار مفكري الادب بل الفلاسفة ايضا، ونضيف الى ذلك أن ورقة المشروع تشكل تحديا كبيرا ومثيرا وقد يكون لذلك أثر في طبيعة التداخلات والتعقيبات، وكل المحاورين هم من المشتغلين في ذات التخصص عقوداً طويلةً ولهم فيه منجزات ثرة.

مشاركة