زمن المدرسة بين الأمس واليوم – لويس إقليمس

زمن المدرسة بين الأمس واليوم – لويس إقليمس

لعلَّ من أحلى الذكريات التي تبقى في ذاكرة الإنسان، دخوله عتبة المدرسة لأول مرة في حياته أو يوم عودته إلى مقاعد الدراسة بعد قضاء عطلته الصيفية بين الراحة والضجر بحسب ظروف كلّ واحد. وهذا ينطبق على عموم الأطفال، ذكورًا وإناثًا في خطواتهم التربوية والتعليمية بدءً من الحضانة ورياض الأطفال والابتدائية، مرورًا بالمتوسطة والإعدادية والثانوية، وبلوغًا للدراسات الجامعية والعليا لمَن حالفه الحظ أن يكمل هذا التعليم الهامّ الذي يرسم الملامح الأساسية لمستقبل الشخص واهتماماته وانخراطه في المجتمع وضجيجه.

بطبيعة الحال، ليس سهلاً على بعض الأهل والوالدين خصوصًا فراقُ أطفالهم وهم صغارًا في أولى خطواتهم التعليمية حيث يرافقهم شيءٌ من القلق والخوف لفترة زمنية حتى يتكيّف الطفل مع المحيط الجديد الذي سيوفرُ له، في الأحوال الطبيعية طبعًا، أجواءً مختلفة من الراحة والطمأنينة والرعاية التي تكفلها الدولة عادة أو المؤسسات الأهلية الخاصة التي تتسابق وتتنافس لتقديم الأفضل والأحدث في الرعاية والخدمة والتربية والتعليم، والأهمّ في النصح والأخلاق وكيفية التعامل الصحيح مع المجتمع والمؤسسة باعتبار هذه حقولاً جديدة تتضمن معطيات وعوامل ومحرّكات تبني أولى مراحل بناء الشخصية على قاعدة أمينة ورصينة وطيبة تكفلها قوانين الدولة المتحضرة التي تعرف جيدًا واجباتها تجاه مواطنيها من دون منّة ولا فضل ولا مزايدة. فالدولة التي توفر أفضل تعليم وتقدّم أحسن تربية لمواطنيها هي التي تفوز بتقدّم أبنائها وتُسعَدُ بتطوّر علومهم وبمساهماتهم اللاحقة في إكمال بناء مؤسساتها وتعزيز أسسها وجعلها في مصاف الدول المتقدمة والمتحضرة في كلّ شيء. وهذا بعكس غيرها من أشباه الدول التي لا يعنيها مصير مواطنيها، سواءً انخرطوا في مؤسسات تربوية وتعليمية أم انسلخوا عنها وتسربوا منها بحجج عديدة، وما أكثرها في مجتمعنا العراقي. فهذا مصير الجهل والتخلّف الذي يعززها شكل النظام التعليمي والسياسيّ في أية دولة أو منطقة لا يعني لها التعليم والتربية شيئًا أساسيًا لبناء الإنسان وتعزيز قدراته وتهيئته لتولّي مسؤولية بناء بلده على أسس صحيحة وعلمية تضمن له حياةً مستقرة وهانئة له ولبلده ولمواطنيه. وما المناظر المقززة التي نشهدها في الشوارع والتقاطعات وفي الأسواق العامة وأمام أبواب المؤسسات الدينية والمدنية سوى مظاهر سلبية من أشكال الإهمال والتغاضي واللامبالاة من جهات تربوية وحكومية مسؤولة ساهمت وتساهم في شكل التردّي المخيف في نظام التعليم والتربية وفي التسرّب الخطير وغير الطبيعي لأطفال وفتيان من الجنسين باستسهال النزول للشارع والتسكع بين السيارات وفي وسط الجموع.

هنا يصحّ القول، أنه من المؤسف عدم تواصل الحملات التي تطلقها جهات معنية للحدّ من شكل هذه المظاهر السلبية بسبب عودتها ثانية بعد فترة نشطة قصيرة من تبنيها بسبب ضعف الوعي وقصور السيطرة عليها من الجهات التنفيذية وتغاضي الدولة عن مرافقة مواطنيها وقصور اهتمامها وتشجيعهم وتأهيلهم لدخول المؤسسات التربوية والتعليمية التي تمنحهم الحق في التعلّم وتكوين الذات وصنع المستقبل الآمِن. ومهما كانت الأعذار والحجج بالنزول إلى الشارع من أجل إعالة أهل الدار أو كسب الرزق والقوت اليومي أو ما شاكلها، إلاّ أنّ هذه جميعًا ليست مبرّرًا منطقيًا للتسرّب من المدارس وترك مقاعد الدراسة ونهل العلوم والآداب. فنتائجُها ومخرجاتُها كارثية للأجيال القادمة ولمستقبل الدولة على السواء، ما سيثقلُ كاهل هذه الأخيرة في كيفية رسم السياسات ووضع الخطط والبرامج التي تساهم في بنائها وتطورها وتقدمها وتنميتها نحو الأفضل. ومن منظور اقتصادي بحت، ستكون الخسارة أضعافَ ما ينبغي على مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والمدنية الساندة ان تُنفقها في تعزيز دور التربية والتعليم ليكون متاحًا للجميع وإلزاميًا بكلّ الوسائل الممكنة. ألم يردْ في جواب المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بأن “تكلفة الجهل غالية” حينما سُئلت عن سرّ اهتمامها بقطاع التربية والتعليم؟ هذا ردّ العقلاء والحريصين على الأوطان وشعوبهم!

بناء الشخصية

مع عودة ملايين التلامذة إلى مدارسهم هذه الأيام، وانخراط أطفالٍ جدد في دور الحضانة والرياض والصفوف الأولى، لا بدّ من توفير أبسط أشكال الدعم والاستعداد الكامل لاستقبال هذه الحشود العاشقة للعلم والمعرفة والنظام في معظمها، إلاّ مَنْ أعمتهم أشكالُ الجهل والتخلّف والتيمّن بشتى المظاهر السلبية والأعراف العشائرية وأشكال الشعائر الطائفية المتخلفة والمتزمتة غير المنتجة التي تؤمّن وتديم وتحثُّ على سمة البقاء ضمن هذه الأشكال المدمّرة للمجتمعات والأمم. ومع قناعة الجميع بكون المدرسة المكان الأمثل للتعلم والتربية وبناء الذات والانفتاح على مقوّمات أساسية جديدة في حياة الإنسان، لكونها البديل التوأم المتلازم لحياة البيت الأسري، فإنها تضيف له ميزات أخرى غاية في الأهمية توفرها له أشكال العلاقات التي ينسجها مع رفاقه وأصدقائه طيلة فترة ملازمته لمراحل التعليم وصولاً للبلوغ في الفكر والعلم والرؤية والتقييم والتقويم في شؤون الحياة الخاصة والعامة. وهذا من أبسط حقوق أي مواطن في أيّ بلدٍ أو بقعة، ولا ينبغي حرمانه منها مهما تعددت الأسباب أو تعقدت الأمور. فهذه البيئة الجديدة المختلفة عن بيئة الأسرة تسمح له باكتشاف عالمٍ جديد يضيفُ شيئًا لتربيته المنزلية بعد تعوّده الاعتماد على والديه وأفراد أسرته ضمن أسوار البيت المغلقة على مداركه وسلوكياته وحرياته.

كما يضمن له أيضًا، حرية أفضل في اقتحام بعض الخصوصيات لنفرٍ من أصدقائه والمعنيّين بتربيته وتعليمه وتنشئته الاجتماعية المطلوبة مع تقدمه في تعلّم مفردات جديدة في اللغة والتخاطب والسلوك الصحيح. بل إنّه جزءٌ مهمٌّ من أفضال التعليم على الطفل كي ينمو وينشأ في بيئة صحيحة تقدّمُ له أفضل السبل والتوجيهات والنصائح وخبرات الحياة للتمتع بحياة اجتماعية إيجابية هادئة وطبيعية، إضافة للتزوّد بمختلف العلوم والآداب الأساسية الضرورية التي تمهّدُ له سبلَ شقّ الحياة بإرادة وتطوير قابلياته في التفاعل مع مصاعبها وإشكالياتها، ومن ثمّ في رسم خياراته المستقبلية وطريقة عيشه وفق مداركه وتقدمه في سلّم العلوم والعلاقات.

ليس خافيًا أيضًأ، ما تعنيه سمة الاستقلالية لدى الطفل أو التلميذ الذي يرتاد المؤسسات التعليمية خارج المنزل من أهمية في صقل شخصيته وبنائها وفق أسسٍ سليمة عبر اعتماده أكثر فأكثر على قدراته الذاتية شيئًا فشيئًا ومن ثمّ تطبيق هذا التفاعل وسط المجتمع. وهذه السمة سيكون لها دوافع كثيرة للمضيّ في طريق العلم والنهل منه قدر المستطاع إذا ترافق الدعم الأسري مع ما تقدمه المدرسة أو المؤسسة التعليمية من معلومات وعلوم وأشكال السلوك الحسن في عيش الحياة اليومية بطريقة إيجابية منتجة منذ بداية المشوار. فالطفل يبدأ بالشعور بهذه الاستقلالية بدءً من تركيزه على أنواع الملابس والحاجات والأدوات التي يستمتع باقتنائها والتباهي بها أمام زملائه وأصدقائه كلّما كبرَ ونما وأصبح قادرًا على تلبية حاجاته الأساسية. كما تظهر هذه العلامات في شكل الطعام الذي يفضلُه ويسعى لشرائه أو التزود به من البيت أو الحانوت الذي يحب ارتياده لإظهار مدى استقلاليته وتكابره. وإن حصلَ هذا، فهو يعني نجاح المؤسسة التعليمية في تلقين الطفل ما يؤهلُه لقيادة نفسه بنفسه بعيدًا عن أهله لطموحه الكبير بالتمتع بشكلٍ أوسع بالاستقلالية في تقرير ما يحب وما يكره. وهذه بادرة إيجابية بل خطوة مهمة بحدّ ذاتها إذا حصلت بإشراف المؤسسة التعليمية وبالتعاون مع الأسرة والمشرفين الاجتماعيين الاختصاصيين والوالدين حصرًا. كما تظهر عليه علامات إيجابية أخرى في سلوكه في المنزل الأبوي عندما يسعى لإرضاء والديه أو أحد أفراد الأسرة. فتراه ينبري لتنفيذ ما يُطلبُ منه أو يعملُ على تفعيل بديهته في تقديم الخدمة حتى في حالة عدم الطلب منه ذلك.

ولعلَّ من أجمل ما يتذكره الطالب في بداية مشواره المدرسي، انتظامُه في الدوام وأسلوب الانضباط الذي تمارسه إدارة المؤسسة التعليمية، أيًّ كان صنفُها. فقد اعتدنا في المرحلة الابتدائية في سنوات الزمن الجميل الانتظامَ الحسَن في الساحة الكبرى للمدرسة والمشاركة في فعاليات صباحية من ترديد أناشيد وطنية وإلقاء قصائد محفوظة عن ظهر القلب دليلاً على استيعاب الطالب مادته الدراسية وتفوقَه فيها. وما أطيب الدقائق التي تنتظر صاحب الفعالية بتلقّي تصفيق الحضور. كما لا يمكن نسيان حفلة رفع العلم كلّ يوم خميس بحضور إدارة المدرسة وجميع كوادرها والتوجيهات السديدة والمملّة أحيانًا للمدير أو المعاون الذي ينوب عنه في أوقات غيرها. فتلك اللحظات كانت تسودُها في الكثير من الأحيان لحظاتُ ترقّب وخوف من استدعاء تلميذٍ أخفق مثلاً في دروسه أو ارتكب خطأً في حقّ والديه أو معلّميه أو زملائه.

عصا المدير

فالعصا التي كان يحملُها المدير الشديد في تعامله في بعض المدارس كانت السيف البتّار في إنزال شكل العقوبة الجسدية في أحيانٍ كثيرة. أما السيرُ بنسق جميل “اثنين إثنين” بعد الانتهاء من الفعاليات الصباحية من الساحة الرئيسية إلى الصفوف والجلوس في المكان الذي خصصه مرشد الصف لكلّ تلميذ، فهذا كان من أفضل ما يجذب الأنظار في إشاعة النظام والانضباط في السلوك. كما كان لدور المرشد أهميتُه في تشجيع التلاميذ على الاجتهاد بخلقه أدوات الغيرة وسطهم باختيار المجتهد (الشاطر) فيهم فارسًا للصف. وأتذكر أنّني نلت هذه الصفة والتكريم مرارًا كثيرة في سنواتي الأولى بفضل تقنيات التعلّم والحرص الكبير من معلّمي الزمن الجميل في إفادة تلامذتهم من خبراتهم وعصارات جهودهم. وإنّي لهم لشاكرٌ تلك الأفضال التي على ضوئها وبفضلها حصلتُ على مَلَكة الكتابة وإجادة الحوار والبحث عن الأفضل!

وهكذا، مع توالي الأيام والأشهر والسنين، تبدأ علاقات الزمالة والصداقة تتعزّز بين الطلبة. وفي حين تنتهي العديد من هذه العلاقات المدرسية التي تم نسجُها أثناء المرحلة الدراسية، نرى في الطرف الآخر ديمومة بعضها وتطورها إلى صداقات خاصة وعلاقات حميمية يعمّقها الاهتمام المشترك في المهنة والمصير لاحقًا وفي التواصل باكتساب خبرات وتحقيق إنجازات بفضل المعرفة المستقاة أيام الدراسة الأساسية وما بعدها من تخصّص في المجال والاهتمام. لذا لا غرابة أن يجمع الزمنُ زملاء وأصدقاء الأمس في تحدٍّ أو تنافس في أي نشاطٍ متميّز. فهذا من سمات الاستفادة من دهاليز المؤسسات التعليمية الأساسية وأروقتها وممراتها المكشوفة والسرّية التي أتقن البعضُ أسرارَها واستفاد منها في فترة تلقيه العلم والمعرفة في سابق الأيام. وكلنا نعلم جيدًا ما تعنيه هذه الأروقة والكواليس، لاسيّما في سنوات الدراسة المتقدمة، والجامعية منها بشكلٍ أدقّ!

وتبقى ذكرياتُ المعلّم الأول في الأذهان لتنسحب لاحقًا على أداء الطالب ومدى تقدمه في السلّم المعرفي وتحقيقه النجاح المطلوب في حياته العملية، إلاّ مَن لم يحالفه الحظ في إتمام المشوار لأية أسبابٍ. وما أكثرها وأسخفها في أحيانٍ كثيرة! فالمشاكل عندما تحصل وتقف حائلاً بين طالب العلم وطموحه سيكون لها آثارُها السلبية في حياته المستقبلية وفي شكل مصيره. لكن، تبقى مسألة الحقّ في تلقي العلوم والمعارف الأساسية هي السمة الغالبة على البشر كي ترسم له الخــــــــطوات الضرورية لبناء شخصيته والتفاعل مع ظروف الحياة، كلّ بحسب استعداده وطاقته. أمّا الجهة التي تتحمّل العبء الأكبر والمسؤولية الأعظم في تأمين الأجواء السليمة والبيــــــــئة الصحية للدراسة من مدارس وأبــــــــنية وكوادر وتخصيصات مالية داعمة للعملية التربوية والتعليمية، فهي الدولة وبشكلٍ أخصّ الحكومات التي تتولى إدارة البلاد ورسم الخطط والبرامج والاستراتيجيات التي تساهم في بناء البلد وترفده بالعناصر البشرية المدججة بالعلم والمعارف وأنواع الحرف والمهن الوسطية التي تدعم مختلف الأنشطة اليومية حسب طبيعتها والحاجة منها في الظرف والمكان المناسبين. فالحكومات التي تحسنُ إدارةَ دور المعرفة ومؤسسات التعليم المتنوعة كفيلة بتحقيق مستلزمات التنمية وتنــــــــشيط الصناعة والزراعة ورفد الاقتصاد القومي بكلّ أشكال الدعم الضروري لبناء دولة قوية تحـــــــــترمُ مواطنيها وتحرصُ على مواردها المـــــــادية والبشرية لبلوغ الاكتفاء الذاتي في الاستهلاك اليومي وقدرٍ وافرٍ من الرفاهة قدر المستطاع. ولا أفضل من هذا الإنجاز!

مشاركة