دول الخليج في ميزان المنظور الأمريكي – لويس إقليمس

دول الخليج في ميزان المنظور الأمريكي – لويس إقليمس

تمكنت دول الخليج على مساحة العقود الأخيرة من الألفية الثانية خاصةً ولغاية اليوم، وبما تمتلكه من مقدّرات هائلة من الثروات المادية المعتمدة أساسًا على مصادر الطاقة ولاسيّما النفطية والغازية منها، من استقطاب أنظار العالم صوبَها وجعلها من أكثر المناطق حركة وتفاعلاً في مجال التنمية بأشكالها المالية والاقتصادية والصناعية والزراعية والبشرية. كما استطاعت هذه الدول مجتمعة وفق رؤيتها المبنية على الانفتاح الكامل على العالم الخارجي كسبَ الرهان باستغلال هذه الموارد الوطنية لتنامي سبل الاستثمار وتنويع فرصه عبر مشاريع تنموية ضخمة بارزة طبعت سياستها طيلة هذه الحقبة الزمنية. وهي ما تزال سائرة في ذات الطريق وذات السياسة لتلبية حاجة أسواقها الداخلية وصولاً للعالمية، وتعزيز قدراتها بمشاريع جديدة مبتكرة في أحيانٍ كثيرة ضمن منافسة شديدة، سواءً في استقطاب رؤوس أموال أجنبية داخل أراضيها أو في استثمار ثرواتها وتقوية صناعاتها النفطية والغازية إلى جانب غيرها من الصناعات التحويلية والزراعية والإنتاجية بالتوازي مع التطور الذي تشهده التكنلوجيا العالمية ووسائل التقدم الأخرى الموازية لها في دول العالم المتقدم.

نجاحات متتالية

ليس من شك في كون الجزء الأكبر من تحقيق هذه النجاحات المتتالية عبر هذه السنين جميعًا، يعود للحرص الكبير لدى قادتها في الانتقال ببلدانهم إلى برّ الأمان وعبور عتبة التنمية والتقدم بنجاح، بفضل القدرات الشبابية التي تدير دفة إدارة دولهم بعقل منفتح وإرادة راجحة وذلك بالاستفادة من جميع الخبرات والنصائح والاستشارات التي رافقت جهودهم في سبيل تعزيز قدرات بلدانهم وتنميتها بالشكل الصحيح وصولاً إلى تحقيق الأهداف الوطنية العليا من أجل تقدّم مواطنيهم ورفاهتهم وسعادتهم. وقد يقول قائل باستبدادية زعامات عموم دول الخليج حيال مواطنيهم وفي أسلوب حكمهم المشيخي والأميري القائم حاليًا. لكنّ الأهمّ يكمن بوجود فكر ورؤية وهدف من خلف الزعامة والإدارة والحكم مستعدة للتعامل مع المتغيرات وفق منهج استراتيجي إبداعي يخضع للفحص والتركيز والقرار لما هو أفضل لبلدانهم ومستقبل شعوبهم. فمَن سارَ في دربه هاديًا مستهديًا لا جُناحَ عليه ولا هُم يحزنون.

وكلّما سارت الدولة في طريق الانفتاح والتعلّم من خبرات ونجاحات غيرها، كانت خطواتُها أكثر أمانًا وأفضلَ إنتاجًا وأحسنَ عملاً.

هنا تكمن الكفاءة في رصد القدرات البشرية الإبداعية أكثر من غيرها عندما تتفاعل الإدارات الكفؤة والمؤهلة مع الأفكار المتنورة التي تفتح آذانَها للإنصات وتبادل الخبرات من أجل تحقيق التقدم التنموي الذي تنتظرُه البلاد من زعاماتها في مجال التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات لمواجهة متطلبات التنمية المستدامة المتنامية. ومثل هذه الجهود ظاهرة على الملأ عبر مشاريع ضخمة وأموال هائلة يتم ضخّها في سبيل تسيير شكل هذه التنمية، إلى جانب رؤية مستقبلية تعي حاجة الأجيال القادمة وتؤمّنُ لها جزءً من متطلبات حياتها في المستقبل عبر صناديق الثروة السيادية تحسبًا لأية إشكاليات في تردّي سوق الطاقة وهبوط أسعارها أو بسبب نفاذ هذه الموارد في يومٍ من الأيام. وهذا ليس ببعيد بحسب حسابات الخبراء ومعطيات واقع الاحتياطي لكلّ بلد والبيانات التي يحتفظ بها لنفسه ومستقبله.

كما يدخل صراع المصالح ضمن هذه الرؤية في تأمين الاحتياطي اللازم من الموارد المتنوعة عندما تسوء الأمور وفق الظروف الزمانية والمكانية. ففي الوقت الذي تبدو فيه دول الخليج العربي سائرة في استراتيجيتها التنموية لصالح تعزيز قدراتها الذاتية وفق أحدث أشكال التكنلوجيا المتاحة، تقابلها في الكفة الأخرى تحديات إقليمية ودولية قد تشكلُ عائقًا بوجهها، بل وقد تكونُ جدارَ صدٍّ أمام خططها التنموية الواسعة. ومن هذه التحديات ما تجابههُ من منافسة شرسة من غريمها الإقليمي المتمثل بالتوسع الفارسي الطائفي الجارف على حساب الأصول العربية بعدوانية واضحة من خلال محاولة شقّ الصف العربي عبر أدواتٍ زرعها النظام الإيراني وسط البيت العربي الكبير.

وهذا ما أتاح لهذا الأخير بالتفرّد بالسلطة أو التدخل السافر في سياسات ومصائر عددٍ من دول المنطقة مثل العراق ولبنان واليمن وسوريا مقابل التغاضي الواضح من جانب الإدارة الأمريكية، وبالذات الإدارات الديمقراطية المتعاقبة التي أعطت إشارات الرضا والقبول بمثل هذه السلوكيات الطائشة بحيث طبعت موجة التشيّع الهائجة بمساحته الحالية في المنطقة بموافقة ضمنية من جانب زعامات الحزب الديمقراطي في أميركا في السنوات الأخيرة.

دول الخليج قبلة العالم

هناك بالتأكيد، مَن لا يعجبه ما حققته دول الخليج من قفزات نوعية في معيشة شعوبها وتقدمها بالتوازي مع تطور اقتصادها وأدوات هذا الأخير الصناعية والزراعية والتحويلية، إلى جانب تعزيز مواردها النفطية والغازية التي استخدمتها أفضل استخدام لخدمة أشكال التنمية وأدواتها وأهدافها. مقابل كل هذا، هناك مَن يرى أن تحقيق كلّ هذه الإنجازات وهذا التقدم والتطور جعل دول الخليج العربي في مرمى الحساد وأهل الغيرة غير الشريفة بالتنبّؤ بتعريضها لمخاطر قد تشعل فيها نيران الأعداء في أية لحظة. هذا طبعًا، في حالة تقاعس الراعي الأمريكي وتخلّيه عن حمايته الأمنية لأصدقائه من دول المنطقة بطريقته التقليدية. وقد يكون شيءٌ من هذه المخاوف والهواجس قائمة وصحيحة، لاسيّما بفعل ما بدرَ من الإدارات الديمقراطية المتعاقبة من انتقادات لاذعة حيال بعض الزعامات الخليجية التي وصلت إلى مراحل التهديد والقذف والانتقاد اللاذع بسبب سلوكيات رأت فيها هذه الإدارات انتهاكاتٍ صريحة للوائح حقوق الإنسان، كما حصل مع السعودية في حادثة مقتل الإعلامي المعروف جمال خاشقجي مثلاً. وكذلك بما يحاكيها من حوادث ضربت عددًا من الأمراء في الإمارات العربية المتحدة في السنوات الأخيرة لأسباب لا مجال لسردها.

وهذا بطبيعة الحال، يدخل ضمن ذريعة مخالفات هذه الأعمال لحقوق الإنسان. فهناك دومًا مَن يرقص على أنغام مثل هذه الحوادث التي قد نشهدُ وقوعَ ما هو أبشَعُ منها حتى في الدول الأكثر ديمقراطية، كالولايات المتحدة والغرب الأوربي المتقدم. فما يحصل في مثل هذه الدول من فضائع وشنائع يندى لها جبين الإنســــانية أيضًا، مثلُها مثل ما تشهده دول الخليج وسائر دول العالم. وبلادنُا نحن أيضًا لا تخلو من أمثال هذه الجرائم والفظائع.

بيئة استثمارية

لكنّ المؤكد أنّ منطقة الخليج أضحت قبلة للعديد من دول العالم في استقطاب رجال الأعمال والاستثمارات الضخمة بسبب البيئة الاستثمارية المرنة التي توفرها للباحثين عن فرص عمل ناجحة من الذين يجدون في قوانينها وفي التسهيلات التي تقدمها إداراتُ دولها خيرَ فرصٍ للعمل الصحيح من أجل تحقيق النجاحات المتوخاة. وما نشهدُه حاليًا بعد أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية-الأوكرانية وتداعياتها في إحداث نقص حادّ وخطير في إمدادات النفط والغاز، قد زادَ من أهميتها بالقبول بديلاً لأية إمدادات تقليدية. فقد اتجهت الأنظار صوب بعض دول الخليج الغنية بالنفط والغاز ساعية لتحقيق عقودٍ مربحة من أجل سدّ حاجتها وتلافي النقص الحاصل، خاصة في إمدادات الغاز.

وخير مثال على مثل هذا التوجه ما توصل إليه المستشار الألماني “أولاف شولتز” مؤخرًا مع دولة قطر خلال زيارته الأخيرة قبل أيام لتزويد بلاده بدفعة أولى من الغاز القطري المسال تفاديًا لأي نقص حاد قد يواجه البلاد. وقد تتبعها دفعات لاحقة بحسب مصادر مقربة من الطرفين.

وهذا إن دلَّ على شيء، فإنّما يدلُّ على متانة وقدرة دولة قطر على تلبية احتياجات الغرب الأوربي من هذه المادة الضرورية لاستمرار ماكينة الصناعة الأوربية وتلبية احتياجات شعوبها منها لاسيّما وأنّ شتاءً قارسًا على الأبواب ينتظرها.

 هناك حقيقة لا يمكن نكرانُها، وهي تتعلق بالرؤية الخليجية إزاء الواقع الجديد الذي فرضته جائحة كورونا ومن بعدها مباشرة الأزمة الأوكرانية-الروسية وما خلّفته من تداعيات ماتزال ماثلة لغاية الساعة.

فالتحوّل الحاصل خلال السنوات الأخيرة في نوعية وشكل إدارة بعض بلدان الخليج المهمة على الصعيد الإقليمي والدولي، ومنها بطبيعة الحال وعلى رأسها كلٌّ من السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة وعُمان بصفة رئيسية، قد منحتها القدرة على حسن التفاوض وفرض أجندتها ورؤيتها على الواقع السياسي في المنطقة والعالم. ومن الواضح أنّ الزعامات الشابة لهذه الدول قد أيقنت أنها لم تعد تثق بسيادة الولايات المتحدة في إدارة دفة العالم كدولة قــــــطب واحد بسبب اهتزاز موقعها الدولي وتتــــــالي ضعفها في المشهد السياسي الـــــــقائم بعد تغوّل الدب الروسي وتنامي التنين الصيني وتمرّدهما على سياساتها المشبوهة.

بل بات ينظر البعض إليها بمثابة الرجل المريض الآيل إلى الانهيار في أية لحظة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها إداراتُها ولاسيّما الديمقراطية منها التي سعت لقلب موازين القوى لصالح إيران الفارسية على حساب عموم دول الوطن العربي من أجل إضعاف عروبته وتحويله إلى تابع للمنافس الفارسي منذ بداية الألفية الثالثة.

فقد اتضح بما لا يقبل الشك في ظل إدارة ” باراك أوباما حسين” ووزيرة خارجيته مثيرة الجدل “هيلاري كلينتون” صاحبة مشروع تعزيز وتنامي الدور الإيراني في المنطقة والصعود الدراماتيكي للإخوان المتحالف مع هذه الأخيرة، أنّ أميركا تسعى من ضمن سياستها إلى إضعاف دور دول الخليج وتقييد قدراتها والسعي لخلق أزمة سياسية وطائفية بين السنّة والشيعة في المنطقة من خلال الانتصار للطائفة الأخيرة بحجة المظلومية الدائمة وتوجيه الاتهامات الجاهزة بحصول انتهاكات سنّية ضدّ فئات شيعية في بعض بلدان الخليج.

وهذه كذبة أجادت تسويقها الوزيرة الأمريكية ورئيسُها آنذاك من دون أن تنطلي على قادة دول المنطقة والعالم بعد اتضاح حقيقة موقف الإدارة الديمقراطية والتسريبات التي ظهرت عبر وثائق سريّة فاضحة أفرجت عنها الإدارة الأمريكية ووزارة الخارجية نفسها مؤخرًا.

بل إنّ بعض زعامات دول خليجية مغمورة راحت أبعد من ذلك في تندّرها بالرئيس الديمقراطي الحالي الذي تولى منصب نائب الرئيس في دورتين متتاليتين آنذاك بسبب مواقفه الدولية والداخلية المتذبذبة إزاء العديد من مواضيع الساعة.

ادارة دفة

ما يمكن قولُه في المحصلة، أنّ الزعامات الخليجية الشابة قد أثبتت قدراتها في حسن إدارة دفّة حكم شعوبها وتنمية بلدانها وتعزيز قدراتها في العديد من المجالات، لاسيّما الاقتصادية منها والإنتاجية والصناعية والزراعية لغاية الاكتفاء الذاتي إلى جانب تطوير قدراتها التسليحية والدفاعية تحسبًا لأية طوارئ أو أحداث غير متوقعة. فمنطقة الخليج تشهد اليوم لمرحلة متقدمة في سائر المجالات التي شكّلت مظهرها السياسي والاقتصادي مقارنة بما مضى.

وهي صاحبة المبادرة لرصد الفراغ الذي تركته الإدارة الأمريكية عمدًا في المنطقة بعد تخلّيها عن التزاماتها إزاء العراق في أعقاب انسحابها غير المبررّ منه بتلك الطريقة الماكرة تاركة الأمر بيد الجارة الشرقية وبإشارةٍ منها لتولي إدارته بالوكالة عنها إلى ماء القدر.

وهذا مّما ولّدَ شيئًا من الخشية والريبة والخوف من هذه الحركة التي نظرَ إليها البعض كونها ضربة وطعنة في الظهر لحلفاء الأمس من دول الخليج.

لكنْ بالرغم من هذا كلّه، فإنّ واقع الأحداث يشير إلى بقاء منطقة الخليج صمّام أمانٍ لدول العالم في إمدادات الطاقة التي تتمتع بها دولُها العربية أكثر من غيرها. بل إنّ أية جهة دولية، مهما كانت قوتُها حتى لو كانت بحجم الولايات المتحدة، تسعى لخلط الأوراق والحثّ على تشكيل تحالفٍ جديد معارض أو جبهة منافسة طائفيًا في المنطقة لتتنافسَ مع أية خطوة خليجية موحدة الرأي والرؤية، سوف لن يُكتب لها النجاح لانعدام الثقة بالراعي السياسي الدولي التقليدي الذي أرادَ فرض نفسه موزِّعًا للأدوار السياسية سواءً في المنطقة أو في غيرها من دول العالم. فهناك اليوم لاعبون دوليون قد فرضوا روزنامتهم وفق تشكيلات وتحالفات جديدة دخلت فيها إسرائيل لاعبًا مهمًّا ومؤثرًا في حظيرة التطبيع والعلاقات.

ومن ثمّ لم يعد بمقدور الراعي التقليدي الدولي أن يفرض أجندَته كما كان يفعل في سابق السنين والأيام. وهذا ما ينبغي أن يعيه الجميع. فأمريكا لم تعد اللاعب الوحيد الأكبر بعد صعود نجم دول أخرى مثل الصين والهند وتركيا إلى جانب الغريم الروسي التقليدي العنيد بسبب تقاطع المصالح وأشكال المنافسة والمناورة فيها. وما على الزعامات الخليجية الشابة إلاّ أن تستمرّ بالارتقاء بمستوى إداراتها لشؤون بلدانها ومواطنيها بالدرجة الأساس وفق منظور صحيح ومقبول يقرّ بالحريات العامة ويؤمنُ بدروب الديمقراطية والحريات العامة، ولو في أدناها، في قيادة شعوبهم نحو برّ الأمان والاستقرار والسلام لهم ولشعوب المنطقة. حينذاك يكون الخليج قد حقق الطموحات في دوله وشعوبه، فــــــكرًا وحجرًا وبشرًا.

مشاركة