إتقوا الطوفان فأنه سيأتي على الجميع – علي الشكري

إتقوا الطوفان فأنه سيأتي على الجميع – علي الشكري

المتتبع لحركة انهيارات الدول يجد خط شروعها ومرورها ، صراعات على سدة وتعارض مصالح وتزاحم غنائم ، والحصيلة ذهاب ريح ، وضياع وطن ، وتشرذم قوميات وطوائف ، وصعود اراذل قوم ، وتراجع عليّتهم ، ووقوف وطن في مؤخرة الركب إن ظل وطن أو كيان مستقل . ويقيناً أن ما مر به العراق بعد سنة  2003لم يكن بعيداً عن حلقات مسلسل انهيار الاوطان ، فقد بدأ بصراع طائفي ، قادته اجندات خارجية ، ونفذت مخططاته اياد تدعي الدفاع عن مصالح المكون ، أغوتها  عملة اجنبية أو وعد بمنصب أو غلق لملف أو تهديد بمُشين ، وبحكمة مرجعنا الاعلى وطاعة الوطنيين وعقلنة بعض المتصدين ، وأدت الفتنة وأطفأت نيران أريد للارواح البريئة أن تكون وقودها . تلا فتنة الطائفة ، تأجيج صراع القومية ، هذا عربي ، وذاك كوردي ، وذلك تركماني ، فكانت بوابة الاقتصاد هي منفذ الخلاف ، ومدخل التقسيم ، وممر التقزيم ، فكل صراع سياسي يقف وراءه خلاف اقتصادي خفي ، لكن بوابة الاقتصاد للاطاحة بالعراق هي الاخرى لم تنته الى ما خُطط له ، وإن تركت شيء في النفوس ، وفرقت صف محاربين قدماء وقفوا وقاتلوا وتصدوا ، لحكام افسدوا وتفردوا وقتلوا وشردوا ، لكن الفتنة لم تفرق صف الرعية التي ظلت موحدة وإن عمل الساسة على التحريض والتأجــــيج وتفريق الصف .

واللافت في المخطط القائم للتفريق والتقسيم والتمزيق والتجزيء ، أنه اعتمد الخلاف البيني الشيعي الشيعي ، الكوردي الكوردي ، فتحول المكون الشعبي الأكبر الى باحث عن حقيقة كونه كذلك ، فوقف يستجدي التحالف ويبحث عن التوافق ويلاحق من كانوا يقفون على ابوابه طالبين لقاء أو باحثين عن انضمام أو مطالبين باستحقاق أو مستجدين منصب ، بل راح اتباعه مختلفين متشرذمين متقاتلين ، يوجه كل منهم سلاحه صوب الاخر ، بعد أن احتشدوا في الامس القريب لقتال عدو واسقاط مخطط وتحرير ارض ، أريد لها التقسيم ، وحماية وطن أُريد له الركوع والخضوع . لقد سقط المخطط الطائفي وفشلت مؤامرة القومية ، وانهارت دسائس العصابات وشذاذ الافاق ممن ارادوا بالعراق شراً ، لكن تحقق الخطر الاكبر ، إذ راح ابناء المكون الواحد مقسمين مجزئين متخاصمين ، يُشهر بعضهم السلاح بوجه الاخر ، بعد أن جلس قادة كل منهم في غرفة موصدة ، صاداً عن شريكه في التاريخ والاضطهاد والقهر والمعاناة والنضالات ، فليس الخطر في خلاف ساسة ولا في تعارض مصالح اقتصادية ضيقة ولا في تقاسم مناصب زائلة ، لكن الخطر في خلاف الشعب الواحد ، والخطر الاكبر في الخلاف البيني ، فقد ذهب الشيعة متناحرين ، والكورد مختلفين ، والسنة مقسمين ، وهو النذر الاكبر في ذهاب ريح الوطن وتقسيم اجزائه وتفريق مكوناته . على المتصدي اليوم أن يكون أكثر شجاعة وأصدق نية.

طلب الاصلاح

واقرب لشعب عانى ولما يزل ، فيلتصق به ويتشبث برضاه ويتعلق بتطلعاته ، فلم يخرج الثائر بطر ولا متعاف ولا مدسوس ولا مدفوع أجر ، لكنه خرج طلباً للاصلاح ، بعد أن جاع الغالب ، وتشرد اليتيم ، وأنكشف ظهر الارملة ، وذل الخريج ، وافترش المعدم الارض بحثاً عن ما يسد الرمق ويملء الخاوية . يتصاعد اليوم الخاطب الشعبي المطالب بالاصلاح ، وترتفع الشعارات المنادية بالتصحيح ، وتتعالى الاصوات الباحثة عن تغيير المسار ، وبالقطع أن ذلك كله ليس بغضاً بالقابض على السلطة، لكن تطلعاً لحياة حرة كريمة ، في وطن حاباه الله بكل الكرامات ، وميزه بكل الطيبات ، فالدين في حوزاته ومساجده ، والعلم في مدارسه وجامعاته ، والثروة في أرضه ومياهه وسمائه ، والشرف  كله في نسائه ، والشجاعة والغيرة عند رجاله ، حدوده ممتده ، وجواره متنوع ، مكوناته منسجمة  ، وطوائفه وقومياته متداخلة متعايشه ، فلا كرامات اجتمعت في وطن مثل العراق ، وليس كبيرة أن يصغي الراعي لصوت الرعية ، ويستجيب الحاكم لتطلعات المحكوم ، لا سيما والغالب منه لم يعايش معاناة المخلوع ، ولم يطّلع على فضاعات ممارساته وارهابه ، ولم يتلوع بعذابات معتقلاته ، ولم يستشعر خوف اجهزته ، فالغالب من الشعب ولد بعد التغيير ، وفي اعقاب الرحيل ،  ولد والحاكم غير مُحصّن من السباب ولو بغير حق ، والوزير يُستجوب ويُقال ويُحاكم ، والنائب ممثل مسؤول غير مصون ، ولد والفضائيات المحلية تهاجم ، ووسائل التواصل الاجتماعي تتهم ظلماً وعدواناً ، والقضاء لا يُدين ، مرة بداعي حرية الرأي وأخرى تحاشياً لاتهامه بالانحياز للسلطان ، ولد الجيل الجديد ، والسفر مُتاح ، والتنقل جائز ، واختيار محل الاقامة مُسلّم ، ولد الحاكم للشارع ، وهو لم يُعايش العدوان على الجار ، ولا احتلال الشقيق ، ولا التطاول على الآمن ، فحق له الاعتقاد بظلم القائم ، وجور السلطان ، وانحياز متخذ القرار . على المتصدي للمشهد أن يكون أكثر شجاعة ، وأصدق قولاً ، وانجع فعلاً ، فيستمع لمن كثُر نصحه ، وبُح صوته ، ولمن طالت وقفته ، وتعالت شعارته ، وتتابعت تظاهراته ، وتوالت احتجاجاته ، فغالب شعبنا ولدوا في زمان غير زمانكم ، والشجاعة الاستماع لصوت شعب ،  والانفتاح على تطلعات جيل ، وتلبية طلبات متأمل ، فما ولد الحاكم ليكون فوق الشعب وميوله ، لكنه قُدم ليكون ممثل له ووكيلاً عنه ، وسعيد من قرأ التاريخ ، واستحضر التجارب ، وأتعض بها .

مشاركة