وقد لا يكون الولد على سر أبيه – حسين الصدر

وقد لا يكون الولد على سر أبيه – حسين الصدر

-1-

معظم ابناء المترفين – في الأعم الأغلب – ينسجون على منوال آبائهم فتكون مساحات التذاذاتهم المادية واسعة للغاية …

انهم يفتحون عيونهم على الدنيا فَتُغريهم يزخارفها ،وتدحرجهم الى مهاويها …

وبذلك تموت قلوبُهم ،

وتغيب عنهم أحاسيس الضمير اليَقِظ والوعي العميق …

والمحصلة النهائية هي الغرق في بحار الشهوات والملذات الدنيوية بعيداً عن الأشواق الروحية والصحوة الأخلاقية ..

-2-

غير أنَّ هذا المشتهر على الألسن مِنْ أنَّ الولد على سر أبيه لا يسري على جميع الأولاد …

فهناك استثناءات سجلّها التاريخ لأولاد لم يسيروا مسار آبائهم في الانهماك بالملذات والانصراف التام اليها :

ومن هؤلاء وَلَدٌ لهارون الرشيد اسمه ( أحمد )

وكنيتُه ( أبو العباس )

لقد جاء في تاريخه :

انه ترك الدنيا في حياة أبيه مع القدرة ،

وآثر الانقطاع والعزلة ،

وقيل له :

السَبْتِي

لأنه كان يتكسب بيده في يوم السبت

وينفق ما يحصل عليه في بقية أيام الأسبوع مشتغلا بالعبادة حتى وفاته سنة 184 هـ ،

فقد توفي قبل أبيه .

ان أباه الذي كان يخاطب السحابة ويقول :

أينما تمطرين ففي أرضي ..!!

في اشارة الى سعة مُلكه وامتداد سلطانِه

غير أنّ ولده أبا العباس قد طلّق تلك الدنيا ، وعزف عنها وأَحبَّ أن يأكل من كدِّ يدهِ مكتفيا بالقليل ومتفرغا للعبادة،

وهكذا هي النفس المؤمنة الصافية التي تأبى أنْ تتلوث بالأدران .

وهذا النمط من الناس بمثابة العملة النادرة ، ذلك لأن الناس عبيد الدنيا .

-3-

ولم نر من أولاد السلطويين في العراق الجديد واحداً يشبه أبا العباس .. بل الملاحظ والمشهود أنهم زادوا على آبائهم تَرَفا وسَرَفا وبذخا وتمسكا باللذائذ المادية وهدراً للمال العام في المباءات الذميمة …

انّ الخروج من شرنقة الترف والبذخ يحتاج الى وازع داخلي فاعل يحول دون الوقوع في الأفخاخ والمطبات والقوم لا يملكون شيئا من هذا على الاطلاق .

وهنا تكمن الكارثة

انهم يفعلون ما يفعلون في وقت يُعاني فيه الملايين من العراقيين  شدة وطأة الفقر والحاجة والحرمان ، ويتجه بعضهم صوب مكبات النفاية علّه يجد فيها ما ينفعه  .

ومع هذا فلن يكترث به أحد اولئك المنغمسين في الترف والسرف …

وهنا تكمن المفارقة الكبرى .

مشاركة