الشاعرة السورية وفاء دلا : – عادل الميالي

الشاعرة السورية وفاء دلا : – عادل الميالي

قصائدي تحمل سمة الحيوية والإدهاش

 وفاء دلا شاعرة سوريّة متفردة تميزت بعطائها الشعري الباذخ , بدأت رحلتها الأدبية منذ أواسط الثمانينات ، كتبت الشِّعر العموديّ والشِّعر الـحُرّ , وأيضًا قصيدة النّثر , لـها عِدّة دواوين شِعريّة منها (إمرأة إلّا قليلًا) , (رذاذ الـجمر) , (طفلة الاحتراق) , (تراتيل العنفوان)، (غصون الرِّيح) , (مَلحمة الدَّمع) , وغيرها .

   كتبت وفاء دلا في أغراض ذاتية وإنسانية , ونثرت محبة الأوطان والإنسان , وتناولت قضايا الوطن والإنسانية وكل ما هو جميل في الحياة بحس رهيف , وهاجس لطيف , مفجرة كل ما يحرك مشاعرها , عبر قصائد تصب في بحر البوح والهمس الشعري الصادق .

توهج  عاطفي

  يمتاز شعرها بالخصوبة والتوهج العاطفي والتكثيف, والصور الفنية الرائعة الغنية بالمفردات , وبموسيقاه الحالمة العذبة التي تمنح قصيدتها بعدا جماليا , فضلًا عن تعابيرها المجازية ولغتها البسيطة الشفافة السلسة العميقة والبعيدة عن التعقيدات والرموز المبهمة .

   في هذه المساحة نسلط الضوء على تجربة الشاعرة , ورؤاها الإبداعية والفنية والجمالية في مجال الشعر , عبر هذا الحوار :

{ متى وقعت في شراك الحرف ؟

   عندما تيقنت أن موهبتي حقيقية وقد تلبست بكل كياني , فمنذ صغري وأنا في داخلي شيء ينبض شعرا، وتعمق ذلك الشعور بعد شغفي وقراءاتي العديدة ليتثبت وفق ميول رغباتي الأدبية وجنوحي للشعر خاصةً .

{ دراستك لعلم النفس والفلسفة , هل أثرت في نصك الشعري ؟

   بالتأكيد .. الشعر له رؤية فلسفية خاصة للحياة , والأسلوب في الشعر هو الشعر ذاته , وهو مستوى راقي من مستويات المعنى فيه وذو جدلية دؤوبة بين الوعي واللاوعي لدى الشاعر؛ ومما لا شك فيه إن علم النفس والفلسفة تؤثر بشكل واضح على ثقافة الشاعر, ويتضح ذلك جليا في كتابة نصوصه الشعرية الإبداعية , لذا فالنص هو مرآة الذات ورؤيته وفلسفته في الحياة ، وهنالك وشائج تربط بين الفلسفة كرؤيا وما يؤمن به الكاتب من جهة وعلم النفس كعلم يدعم فلسفة الرؤيا.

 طقوس الكتابة

{ متى تستحضرين طقوس الكتابة وتتأهبين للمشي على جمر القصيدة ؟

   أنا عندما لا أكتب أموت .. ووقت الكتابة هو كالشعاع المنبعث لي من السماء إلى الأرض ويستدعيني الخيال لولادة الصورة في النص الشعري .

{ من تخاطبين في قصائدك ؟

   أنا مبتلية بالقصيدة , فحينما أكون عاشقة أكتب أجمل ما في التوهج من عذوبة , وعندما أكون منكسرة أكتب الشعر بكينونة القلق والشك وألم البعد والحزن , وعندما أكون متصوفة أتخاطب مع الله مباشرة ليكون نصا صوفيا خالصا .

 { ألا ترين بأن الشعر هو بحث أبدي في سؤال الوجود ؟

   سؤال بحجم الانكسار حينا .. وحينا بحجم أجمل ما في الكون من رغبة الحب والعشق الأزلي النقي العذب  .

 ولادة النص

-هل يولد النص الشعري من رحم الحزن أم من روح الفرح ؟

   من الاثنين معا , فالقصائد هي رحلة البحث الدائم عن ما وراء الخيال مهما إعتاصت الدروب أملا في هتك حجب الظلام والانتصار على الحزن ولياليه الثقال , ومن جهة أخرى القصائد تنشغل بالمحبة والفرح والعشق , وفي الحالتين يجب أن تكون على قدر كافي من الكثافة والتنوع والتنامي .

{ بدأت الشعر عموديا ثم تفعيلة حتى وصلت إلى قصيدة النثر , فهل حققت قصيدة النثر ما تطمحين إليه أم إنها ما زالت تحاول إثبات ذاتها؟

   اخترت النثر لأنه النافذة على مملكة الحرية ، للتخلص من قيود الوزن والبحور، ففي هذه المملكة يكون النص الشعري في ديمومته وانسيابه بمنأى عن الميكانيكيِّة ، ولغة التقليد الجوفاء ، فالنص النثري انقلاب على اللغة ونماذجها المسطورة ، وعلى الإيقاع وأنماطه المتوارثة , وعلى المعاني وخريطتها الثَّابتة المتحجرة في القصيدة القديمة، فقصيدة النثر هندسة جديدة للقصيدة تقوم على أنقاض السَّائد في إطار زرْع طقوس غير مألوفة فيتحوَّل الشّعر بمقتضاها إلى عبادة واحتفاء بعُذرية المعنى الآتي من خبايا الاحتمال البعيد .

{ الحرب .. الحب .. الوطن , كيف تتجلى هذه المفردات في قصائدك ؟

  الوطن حب بدون حرب , وما عشناه من حرب يجعل الوطن دون حب , لأن الذي حمل البندقية في وجه وطنه سوريا وحاول تدمير شعبه , واجهناه بالقلم والشعر فطرد, وبقي الوطن وشعري طافح بهموم الوطن ، لأنني شاعرة ملتزمة بالهم الوطني , أكتب عن فلسطين وتونس وسوريا و مصر والعراق واليمن وليبيا التي اشتعلت فيها الثورات كما اشتعلت القصائد , وقد عبرت في دواويني عن عنفوان هذه الثورات والريح القوية التي جعلت الشعوب تثور, لذلك فإن حلمي كشاعرة أن ألملم شتات هذا الوطن كما ألملم قصائدي في ديوان أحبه وأحتضنه .

ذاكرة القصيدة

{ ماذا تعني لك دمشق كمكان وذاكرة ؟

  دمشق برمزيتها وتاريخها العريق تمثل الكثير الكثير , وباستطاعة محبيها حتى لو لم يكونوا أدباء أو شعراء أو باحثين أن ينهلوا من تلك المعاني العذب الاعذب ، فكيف بشاعرة تذوب عشقا بدمشق الحبيبة وهي تعاني ما تعاني من محن وويلات , دمشق هي حقل الياسمين المتوج على ناصية الشبابيك , وعلى حافة القلوب التي تؤمن ألا وطن خارج تفاصيل البياض في ياسمينة يضعها الدمشقي على شباكه كتميمة نقية من الحسن ، دمشق الفقراء الذين يولدون فقراء عن قناعة أن الفقر والشرف يعيشان معا إلى الأبد , لا تفرقهما الضغينة ولا يفرقهم خطاب محمول على صحيفة تصنع من الكراهية سببا للبقاء , هذا جزء صغير من ذاكرتي عن دمشق المتلبسة بروحي وكياني.

{ هل الكتابة قدر يتملكنا أم نتملكه ؟

   سؤال بحجم أجمل ما في التوهج من عذوبة ، فكتابة الشعر هي كينونة القلق ومقامات الاحتمال والدهاء المفتوح على الشك والأسئلة , وهذا الفضاء اللغوي الذي يتصل وينفصل مع العالم برموز تخلق علائق يشتبك فيها الواقعي بالحلمي بما يحقق التعاشق والتنافر بين المخيلة والصورة والتأويل , بحيث يعطي النص أكثر من مدلول واحد ويأخذ أكثر من شكل وإحالة .

{ حينما تكتبين نصك الإبداعي , من الذي يقود الآخر ؟

   بدايةً ، إن أية فِكرة أو موضوع ما حين يستحوذ على عقل الشاعر أو الكاتب ، تأخذه بقوة إلى منطقة الفعل الارتدادي لتتمظهر في نسق تعبيري كلون من ألوان الفنون الأدبية ، وأنا كشاعرة ، لطالما تتملكني فكرة أو موضوع معيّن، لا تغادرني إلا وأنا ممسكة بقلمي لأترجمها بصور حية ناطقة وانثر عليها ما اختزنه من يواقيت المعاني وجواهر البيان , لنسبحَ معا كقاربٍ مبهور شد الرحال بأجنحة الخيال إلى ضفاف الإبداع , يرافقني ذلك الشراع الذي أخيطه من نسيج الموسيقى والتي تشكل حضورا خلابا ، يحرق لهيبها الأدواء والأحزان لتزرع ألوان حياة أخرى أنصعها  (الأخضر ) شاهدا على الخصوبة والولادة .

اللغة الشعرية

-اللغة مركز الفتنة والحيوية في القصيدة , هل نجحت وفاء دلا في توظيفها لتحقيق الفاعلية الشعرية ؟

   قصائدي تحمل سمة الحيوية والإدهاش ، الأمر الذي يأخذ بالتلقي إلى المناطق المفعمة بالفتنة وهو يستشعر جمالية الأداء بإنزياح مبتكر يبلغ غاية المعنى وعمقه خالقا متعة ملموسة ، وبرأيي إن العمل الأدبي إذا لم يمنح التلقي تلك المتعة قراءةً واستماعا ، فلا يعد من الأدب بشيء .

-هل تسعين في قصائدك لتحقيق المغايرة للسائد الشعري ؟

  الكاتب الذي يتوقف ولا يتجاوز حتى نفسه يحكم على تجربته بالفناء ، فنحن لا نكتب سوادا على بياض بقدر ما نهدف إلى المغايرة والتجديد , وتاريخ الشعر العربي من القديم إلى اليوم قائم على محرر التطور ، وأنا عاصرت القصيدة الحديثة قراءة وسماعا فكتبت فيها , وأعتقد بأني أضفت بعض روحي إليها , وكذلك قرأت من الجاهلية إلى اليوم شعرا عموديا ، وحرا، وكتبت في هذه الأشكال اعتقادا مني أن الحداثة ليست مرتبطة بالشكل الشعري , فهي موصولة بإضافة الشاعر وتمثله للواقع والشعر , فالشعر نجمة تضئ أكوان القلوب ، دونه يصبح العالم بلا سماء ولا حلم  .

{ لنص الجميل هو الذي تستعصي كتابته لأن زمن مخاضه مؤجل إلى زمن ما , ما قولك ؟

  هو رحلة زمانها لا محدود ومكانها آخر الأرض , فحين يدخل المبدع عالم الكتابة تتأهب كل مكنونات الجمال لنص ترسمهُ الذات المتطلعة لاستشفاف كل لون جميل وكل صورة حية , ويتطلع إلى أرقى مراحل الجمال والطهر, بحيث تصبح عنده القصيدة جميلة كجمال الطبيعة الخلابة.

مشاركة