نحس وشؤم يلاحق سفراءنا في الأردن – صفوة فاهم كامل

نحس وشؤم يلاحق سفراءنا في الأردن – صفوة فاهم كامل

يقول الدبلوماسي البريطاني أرنست ساتو 1843-1929 (إن الدبلوماسية هي استعمال الذكاء والكياسة في أداء العلاقات الرسمية بين حكومات الدول المستقلة).

على مدى قرن من تاريخ الدبلوماسية العراقية العريقة، لم يمر دبلوماسي عراقي بحالةٍ من التنمّر والتشهير مثلما مرَّ بها السفير العراقي الأخير في الأردن وحرمه، وتعرضهما لنقدٍ لاذع من كل الفئات وقلم جارح من كل الفرقاء، أجّجها إعلامياً وزاد في الطين بلّة، مواقع التواصل الاجتماعي وخفافيش الإنترنيت.

فرق مارق

ومنذ عام 2003 ولغاية الآن بات منصب السفير العراقي في عمّان فريسة تتصارع عليها الفرق المارقة في بغداد، وغنيمة تتقاسمها أحزاب السلطة الفاشلة. وعلى الرغم من المقبولية والرضا النسبي لما قدمه سفراءنا للجالية وللعلاقات بين البلدين من عمل مُجدِّ ونوايا صادقة إلا أن أياً من هؤلاء السفراء دخل مبنى السفارة وجلس على كرسي السفير؛ جابهته أيامٌ من النحس والنكد والشؤم في عمله من حيث يدري أو لا يدري، لينطبق عليه المثل الشعبي (تجيك التهايم وأنت نايم…)

في أيلول من عام 2004 تسلّم أول سفير عراقي بعد تغيير النظام، مهام عمله في الأردن، هو الدبلوماسي العريق ومستشار الملك فيصل الثاني، المرحوم عطا عبد الوهاب. فهذا الرجل تحمّل في مرحلةٍ ما من حياته عناءً لم يتحمله أي مواطن آخر، لذلك جاءت لحظة تعيينه سفيراً في الأردن بمثابة تكريماً له ولتاريخه ولما تبقّى من خريف عمره، وأيضاً فترة نقاهةً وترويح للنفس عمّا تحمله من جَلد وصبر أيام محنته تلك. فتسلّم السفير مهامه في سفارة كانت شاغرةً لهذا المنصب فترة عام ونصف، مع نظام جديد في سياسته الداخلية والخارجية، فعالجها السيد عطا بالحكمة والحنكة متّكئًا على خبرته القديمة في العمل الدبلوماسي. لكن الرياح هبّت عليه بما لا تشتهيها السَفَنُ…! ففي شهر آذار من عام 2005 وقعت ما سمّي بحادثة (الحلة-السلط) التي قُتل فيها مواطن أردني يدعى رائد البنّا، أثناء تنفيذه لعملية إرهابية في مدينة الحلّة العراقية ومنها نُقل جثمانه إلى مسقط رأسه في مدينة السلط الأردنية، ليقام له مجلس عزاء كبير سمّيَ بـ (العرس) وأطلق على المقتول لقب (البطل الشهيد) وقام عدد من أعضاء مجلس النواب الأردني بتقديم التعازي لذويه. ولّدت هذه الحركة أزمة في العلاقات بين العراق والأردن واضطرابًا غير مسبوق وحدثت أعمال شغب أمام السفارة الأردنية في بغداد، أحرق فيها العلم الأردني. على إثر ذلك قامت الحكومة الأردنية بسحب القائم بأعمالها. مقابل ذلك سحبت الحكومة العراقية سفيرها في عمان كأجراء دبلوماسي مماثل وأيضاً محاولة منها لتهدئة الأوضاع واحتواء الموقف، ليبقى السفير عطا في بغداد بعيداً عن مقر عمله فترة قاربت الشهرين، عاد بعدها إلى عمان.

وفي ليلة التاسع من شهر تشرين الثاني 2005 وبتخطيط من زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي، الأردني أبو مصعب الزرقاوي وقعت في عمان ثلاثة انفجارات في ثلاثة من كبريات فنادقها أدّت إلى مقتل ستين شهيداً بريئاً وجرح أكثر من مئتين آخرين. كان منفذوها نفر عراقي خارج عن القانون. لكن هذا العارض الأليم لم تظهر عليه انعكاسات سلبية في العلاقات بين البلدين على جميع الأصعدة. ومن جانب آخر التقت زوجة السفير عطا بجلالة الملكة رانيا العبد لله، وقدّمت التعازي لها ولذوي الشهداء. فيما تفهّمت الملكة الوضع القائم في العراق. وتم احتواء الموضوع على الرغم من هول الفاجعة وتواجد جالية عراقية كبيرة وقتئذ.

في شهر أيار من عام 2006 انتهت مهام عمل السفير بعد قضائه بمنصبه فترة سنة وعشرة أشهر، وهي مدّة قصيرة نسبياً. وأقام له السفراء العرب دعوة غداء كبرى في فندق غراند حياة، دُعيت إليه زوجات السفراء أيضاً وحضره أمين عام وزارة الخارجية الذي نهض أمام الجميع ليعلن إن جلالة الملك عبد الله الثاني قد أنعم على السيد عطا عبد الوهاب بوسام الاستقلال الأردني من الدرجة الأولى. وقال إن هذا الوسام لا يعطى بروتوكولياً إلا لمن أمضى أربع سنوات سفيرا لبلاده وتعمل هي بمثل هذا العرف، وهذا غير حاصل في العراق، لكن أمر جلالة الملك كان هو المطاع…!

بعد ثلاثة أشهر من مغادرة السفير السابق، حلَّ محله سفيرُ جديدٌ ودبلوماسيٌ سابقٌ هو السيد سعد جاسم الحياني، الذي أعيد لوزارة لخارجية بعد 9/4 / 2003.

في عهد هذا السفير جرى لبناية السفارة والقسم القنصلي فيه تغييرات هندسية وتطويرية واسعة بما يتناسب ومكانة العراق وعراقة المبنى، وجالية عراقية متنامية، كما واستقدم موظفين جُدّد لتقديم خدمات أفضل للمراجعين.

واجه السفير الحياني في بداية عهده تعاظم غير مسبوق في أعداد العراقيين القادمين للأردن، وباطراد يومي نتيجة الوضع الأمني المتدهور في العراق، حتى وصل عددهم رسمياً إلى 450 ألف فرد. وفيها بدأت السلطات الأردنية -في واقعة غير مسبوقة بين البلدين-منعهم من دخول الأردن بشكل تعسّفي وعشوائي لأسباب مجهولة، اتخذتها السلطات بعد تفجيرات فنادق عمان. أصبح هذا السلوك يؤرق العراقيين وولّدَ احتقاناً لديهم تجاه حكومتهم من جهة وحَنِقَاً ضد حكومة الأردن من جهة أخرى، مما وضَعَ السفير الجديد في موقف لا يُحسد عليه وفي مأزق أمام الطرفين، فسعى جاهداً لاحتواء هذه الأزمة رسمياً قبل تفاقمها؛ من خلال لقاءات منفردة مع أصحاب القرار في هذا الشأن؛ أبرزهم جلالة الملك ومدير المخابرات ووزير الداخلية، طالباً أن يُمنح الزائر العراقي تأشيرة دخول رسمية (فيزا) كي يدخل المواطن إلى بلده الثاني معززاً دون أن تُخدش كرامته، ولا يعود خائباً وماله مهدور. فبوشر العمل بذلك بداية عام 2008 وما زال نافذاً. وبذلك انتهت شر هذه الأزمة وانتهت معها محنة عصيبة واجهها السفير بهدوء ورويّة نتيجة خبرته الإدارية والدبلوماسية وعلاقاته المتينة والمتميّزة مع كبار المسؤولين الأردنيين.

منصب جديد

وفي شهر كانون الأول من عام 2010انتهت سفارة السيد سعد الحياني في عمان. وقبل أن يغادر إلى منصبه الجديد سفيراً في تونس، أقام له عدد من الوجهاء العراقيين حفلاً لائقاً في فندق الرويال، عرفاناً بما قدمه من جميل الأفعال والصنائع خلال خدمته في الأردن.

في بداية عام 2011 وصل إلى عمان قادماً من باريس الأكاديمي والتربوي الدكتور جواد هادي عباس، ليمثل الدبلوماسية العراقية في الأردن، حيث بدأ مشواره العملي بالتعرّف على الجالية العراقية الكثيفة ومشاكلها ومحاولاته الجادّة والعملية لحلّها، وحرصه الدائم على حضور مناسباتهم الاجتماعية والثقافية، كما أولى اهتماماً أكثر وعناية أكبر بالجانب الإنساني للعراقيين المتعفّفين. مساء يوم 16/5/2013 وبتوجيه حكومي أقامت السفارة العراقية حفلاً خاصاً في المركز الثقافي الملكي في عمان بمناسبة ما سمّي بـ (المقابر الجماعية). كان هذا الحفل غير محسوب ولا مدروس؛ لا من حيث الزمان ولا من حيث المكان، حضره عدد من السفراء العرب وضيوف آخرون وعدد محدود من العراقيين. وبعد بدء الحفل بقليل دخل قاعة الاحتفال ثلاثة محامين أردنيين أحدهم كان ضمن فريق الدفاع عن الرئيس صدام، لتعلو منهم هتافات غاضبة واتهامات للحاضرين ولأعضاء السفارة بالعمالة والخيانة، قابله رد مباشر من الحضور بالسب والشتم، ما لبث أن تطوّر إلى عراك بالأيدي والكراسي وتحوّل الحفل إلى هرج ومرج سرعان ما انفضّ وانتهى كلَّ شيء.

إلى هنا الموضوع عادي لم يأخذ بُعده السياسي ولا الاجتماعي وكان بالإمكان احتواؤه بالتهدئة والتراضي بين الطرفين لو لا قيام أحد الإعلاميين العراقيين المندسّين بين الحضور بتصوير وقائع هذه المعركة بهاتفه الجوال وسرّب فحواه لينُشر على موقع (You Tube) فانتشر الخبر بعد يومين كالنار في الهشيم وبدأ يأخذ مداه لتثور ثائرة الأردنيين بمختلف أوساطها؛ الحكومية والنيابية والعشائرية والمنظمات الشعبية وحتى خطباء الجمعة من منابرهم، متهمين السفير بالتحريض المباشر على ذلك والإساءة للأردنيين. وفي اليوم التالي خرجت مظاهرات ضخمة واعتصامات غاضبة ملأت الشارع المحاذي للسفارة مطالبين بالانتقام والاقتصاص، وحاولوا اقتحام بوابة السفارة ووصل حد التهديد حينما طالب أحد النواب الأردنيين بطرد السفير وحرق السفارة إذا لم تتخذ السلطات الحكومية إجراءات حازمة بذلك، إلا أن قوات الدرك طوّقت المبنى وسيطرت على الوضع تماماً…! وقبل أن تنفجّر هذه الأزمة إعلامياً غادر السفير العاصمة عمان على وجه السرعة، فيما أُبعد الدبلوماسيين العراقيين المعتدين ممن ظهرت ملامحهم في شريط الفيديو، وسَجّلت في حينها أعمالاً انتقامية ضد مواطنين عراقيين ومصالح عراقية، أدانتها القوى السياسية الأردنية على الفور. بدأت بعدها مشاورات سياسية ودبلوماسية لاحتواء هذا الاضطراب وتطييب النفوس وجبر خواطر الجميع، وسوّيت عشائرياً أيضاً، وبمرور الأيام خفّ التوتر وانخفض ضجيجها إعلامياً واستأنف السفير هادي، عمله الاعتيادي.وفي عصر يوم 16/8/2015 وفي واقعة مؤلمة أخرى لكنها أقل تأثيراً من سابقتها، حينما حصل احتكاك مفاجئ وعنيف جداً بين طلبة عراقيين عسكريين وشباب أردنيين على قارعة إحدى شوارع عمان الرئيسية عندما قام خمسة من هؤلاء الطلاب بالتحرّش بفتاة أردنية، تحول إلى اعتداء وشجار بالأيدي مع مواطنين أردنيين عابري سبيل أخذتهم الحميّة للدفاع عنها. أصيب أحدهم إصابة بالغة لتتدخّل الشرطة على الفور وتحكم سيطرتها على الجميع، فيما سُلّم المعتدين إلى المدعي العام. ولمواجهة هذا الشؤم الجديد أقام السفير جواد هادي جلسة مصالحة وفصل عشائري أو ما يعرف في الأردن بـ (العطوة) في إحدى قاعات فندق لاند مارك، حضره أعضاء السفارة والملحق العسكري وعدد من زعماء العشائر الأردنية وذوي المعتدى عليه، وسوّيت الأمور بالتراضي والتآخي وانتهى كلَّ شيء. في شهر كانون الثاني من نفس السنة انتهت فترة مهام عمل السفير جواد هادي عباس، لبلوغه السن القانونية، وأقامت له عدّة جهات دعوات وداعية، بعد عطاء وتمثيل ناجح للدبلوماسية العراقية، ليقرر بعدها السفير الإقامة شبه الدائمة في الأردن ضيفاً كريماً على جلالة الملك ومُرحباً به من الحكومة والشعب الأردني المضياف.

في شهر كانون الثاني من عام 2016صدر في بغداد قرار ديواني بتعيين السيدة صفية السهيل، سفيراً جديداً في الأردن كأول امرأة تتسلّم هكذا منصب خارج العراق وأول منصب دبلوماسي لها في الخارج أيضاً.

زيارات رسمية

باشرت صفية عملها اليومي بشكل دؤوب ومتواصل يبدأ ولا ينتهي، وتوزّعَ بين العلاقات والزيارات الرسمية والدعوات البروتوكولية مع بقية السفراء ومشاركة أبناء الجالية نشاطاتهم وتعاطفها الأبوي والإنساني مع كل الفئات، ومن بين من زارتهم في مسكنه المرحوم الدكتور منذر الشاوي، أخر وزير عدل في النظام السابق والقانوني والشخصية الوطنية المعروفة، بعد تعرضه لوعكة صحية ألمّت به، وما أن نَشرت السفيرة السهيل صور ذلك اللقاء على صفحتها الشخصية في الفيس بوك حتى قامت الدنيا ولم تقعد من بعض المتصيّدين وضيّقي الرؤيا من أعضاء مجلس النواب.

مطالبين رئيس الوزراء ووزير الخارجية بإقالتها من منصبها، لكن تلك المطالب لم تلقى آذاناً صاغية من أي جهة ولم تُحقق مُبتغاها فكانت زوبعةً في فنجان وفورة إعلامية فارغة ليس إلا…!

{ تتمة الموضوع على موقع (الزمان) الالكتروني

انتهت سفارة السيدة صفية السهيل قبل انتهاء المدّة القانونية بسنة واحدة لتُغادر الأردن في الشهر العاشر من عام 2019 إلى منصبها الجديد سفيراً في روما.

أما السفير الأخير السيد حيدر العذاري القادم من سفارتنا في روسيا، فوصل عمان في شهر تشرين الثاني من عام 2019. وبعد أربعة أشهر من مباشرته العمل واجهته تعاسة انتشار وباء كورونا العالمي، قيّدته عن العمل والتواصل مع الجالية، مثلما أراد وخطط لها. وخلال تلك الأيام العصيبة ظهر عضواً في مجلس النواب، يتهم زوجة السفير بشراء مساحيق تجميل بمبلغ كبير على حساب السفارة، متوعداً بتقديم فاتورة الشراء لأثبات صحّة ادعاءه، إلا أنه لم يُظهرها، فكان أجوفاً كما هو الحال.

أما الحادثة الأقسى بين هذه وتلك وانفجر بركانها على حين غرّة؛ عندما قام فنان عربي بنشر عدّة صور على حسابه الخاص، بعيدة عن الذوق العربي والشرقي، ذيّله بتعليق معسول. هذه الصور التُقطت في مناسبة خاصة جمعته مع السفير العراقي وحرمه في دار السفير. كان في نشرها تجاوزاً لحدود اللياقة المطلوبة مع مقام سفير يمثل رئيس دولة مثل العراق، ولم يلتفت للحُرمات ولا للكياسة في النشر ولا مراعاةً للخصوصية، وإن كان واقع الحال بالنسبة لفنان مشهور له معجبين ومعجبات أمر طبيعي، لكن صوت العقل والمنطق لا بد أن يغلب إحساس القلب والعاطفة.

هذه الواقعة لم تمس السفير بشكل مباشر ولا تُعتبر إخفاقاً في عمله الدبلوماسي، لكنها أوقعته في مأزقٍ نفسي واجتماعي، وأحرجته سياسياً، لتطيح بمنصبه الكبير ومكانته المحبوبة بين الجالية العراقية ودماثة أخلاقه وكما قالت العرب: لكل حليم هفوة… ولكل جواد كبوة.

ومؤخّراً تناقلت مواقع فنية خبراً مفاده عن نيّة هذا الفنان -الذي جاء إلى بغداد في بداية الثمانينيات كمطرب مغمور وغنى في مرابعها-عن زيارة قريبة لأحياء حفلٍ فيها. فهل ستستقبله بغداد وتستضيفه كمطرب (سوبر ستار) بعد أن غادرها قبل عقود كمغني (مجهول)…؟

وهكذا كانت سمات الشدّة والشقاء التي لاحقت سفراءنا الخمسة الأكارم في الأردن. فهل سيواجه سفيرنا السادس الجديد ما واجه أسلافه من نحس وشؤم…؟ اللهم لا شماتة… فلسان الشاعر يقول:

كلُ المصائب قد تمرّ على الفتى

                        فتهون غيـرَ شماتةِ الأعداءِ

إن المصائب تنقضي أيامها

                        وشماتة الأعداءِ بالمرصادِ

مشاركة