قصة المجمع السكني في الصالحية –  صلاح عبد الرزاق

العمارة الأجنبية بالعراق

قصة المجمع السكني في الصالحية –  صلاح عبد الرزاق

تاريخ منطقة الصالحية

تقع منطقة الصالحية في جانب الكرخ ببغداد، وهي تجاور منطقة كرادة مريم والعلاوي وشارع حيفا ، والجهة الشرقية تشرف على نهر دجلة.

كانت هذه المنطقة من مزارع مقاطعة بادوريا ، وسميت بالصالحية على اسم مالكها صالح عبد القادر. وكانت عبارة عن بساتين زراعية (فواكه ، نخيل وخضراوات).

بعد افتتاح جسر مود (الأحرار حالياً) وهو أول جسر حديث في بغداد بعد استمرار الجسور الخشبية لقرون مديدة.

في عام 1903 منحت شركة (الخطوط الحديدية الأناضولية) وهي شركة ألمانية يساهم فيها البنك الألماني امتياز إنشاء (سكة حديد بغداد – برلين). في عام 1904 باشرت الشركة بأعمال التحري الهندسي والجيولوجي للأراضي التي ستمر فيها السكة الحديد. احتجت فرنسا وروسيا و خاصة بريطانيا لدى تركيا  لأنها رأت في الخط المقترح تهديداً مباشراِ لامبراطوريتها في الهند. تأخر العمل آنذاك بسبب تلك الاعتراضات لكن استؤنف فيما بعد.

في عام 1911 وصل المهندس الألماني مايستر باشا كما كانوا يسمونه ، لتسلم منصب مديراً للأشغال العامة حيث أرادت ولاية بغداد بناء محطة للسكك الحديد في هذه المنطقة. قام المهندس مايستر بافتتاح مكتبه في دار كاظم باشا، وهو أحد الأغوات العثمانيين المقيمين في بغداد. وكان المكتب يقع في محلة الكريمات (الشواكة فيما بعد) . تقع الدار على ضفة النهر ، وهي دار كبيرة تم اتخاذها مقراً للسفارة البريطانية ببغداد. وكانت لا تبعد كثيراً عن الموقع المقترح لمحطة السكك الحديد. في 27 تموز 1912 جرى احتفال رسمي ببدء العمل في المشروع بحضور الوالي جمال باشا وقناصل الدول الأجنبية في بغداد وحشد من كبار الشخصيات ونحو أربعين مهندساً معظمهم من الألمان.

كانت المحطة تقع خارج حدود مدينة بغداد، وشغلت المحطة أرضاً واسعة (كراج العلاوي ودور السكك في الصالحية) التي بنيت لمنتسبي السكك الحديد وقريباً من المحطة الرئيسة. وكان الخط في البداية يصل بين بغداد وسامراء. وبدأت المنطقة تنمو تدريجياً حيث بدأ إنشاء مطار المثنى عام 1931 . بعد ذلك اتخذت دار الإذاعة العراقية عام 1936 موقعاً لها في الصالحية. بعد الحرب العالمية الثانية بدأ تخطيط المحلات السكنية، فكانت الصالحية نموذجاً حديثاً لذلك. إذ استعمل الناس لأول مرة الثيل في حدائق منازلهم، واستعملت النباتات كأسيجة للحدائق. كما زرعوا أشجار الكالبتوس والدفلة التي دخلت العراق لأول مرة.

في 25 تشرين الأول 1954 أقامت بريطانيا معرضاً تجارياً في الصالحية (في موقع المجمع السكني الحالي) حيث عرضت فيه أنواع من السيارات ومكائن الطائرات والقطارات والآلات الزراعية وغيرها من المنتجات البريطانية. واستمر المعرض لمدة شهر واحد. وكان من بين المعروضات محطة تلفزيون وكاميرات وأجهزة تلفزيون، وكان التلفزيون قد انتشر حديثاً في أوربا. قامت الحكومة العراقية بشراء المحطة وتجهيزاتها بمبلغ خمسة وستين ألف دينار عراقي، وأسست أول محطة تلفزيون في العالم العربي. تم افتتاح التلفزيون العراقي في 2 مايس 1956 في ذكرى عيد ميلاد الملك فيصل الثاني.

جسر مود

وكان في الصالحية معسكر للجنود الهنود الذين جاؤا مع القوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى. تأسس المعسكر على جانب جسر مود ، وبعد انسحاب الجنود تم إنشاء ملهى ليلي الصفا ، ومستشفى الرمد التي تأسست عام 1952 قبل إنشاء هيئة التقاعد عليه. في عام 1957 وضع حجر الأساس لبناية المتحف العراقي في العلاوي، وكان المكان يعُرف ببستان حسون أغا الذي كان أحد أغوات العهد العثماني، ثم آلت الأرض إلى ملكية مصلحة السكك الحديد. وسرعان ما بدأ إنشاء المحلات السكنية في الصالحية وافتتحت فيها شوارع عريضة. وكان فيها مقهى علي عرب الخزرجي ، وسينما الأرضروملي (قدري ثم سينما بغداد فيما بعد). وكان هناك خان مجاور للسينما يعود للحاج حسن المسير شقيق الحاج علي المسير، وهو الذي اشترى قصر حسون أغا الذي يقع في وسط المحلة.

أهم معالم الصالحية

تضم منطقة الصالحية عدداً من الأبنية الحكومية مثل : وزارة التخطيط ، وزارة الخارجية ، وزارة العدل ، وزارة الإسكان والبلديات ، محافظة بغداد ، مجلس محافظة بغداد ، وزارة الإعلام سابقا، المتحف العراقي الوطني ، ديوان الرقابة المالية ، كراج العلاوي للمحافظات ، جامع ابن بنية،  مديرية حماية المنشآت والشخصيات ، معهد تدريب الاتصالات ، وزارة التخطيط، مبنى الإذاعة والتلفزيون ، المعهد الدبلوماسي ،  مستشفى ابن البيطار للقلب ، مستشفى العيون (الرمد سابقاً) ، مستشفى الطفل العربي سابقاً ، جامع مظهر الشاوي ، الكنيسة الانكليكانية ، فندق المنصور ميليا ، مركز شرطة الصالحية ، السفارة الإيرانية ، المصرف العقاري ، محطة السكك الحديد (المحطة العالمية)، مديرية جوازات الكرخ ، شركة النجف العالمية للنقل التي تمت مصادرتها من صاحبها وأنشئت في أرضها وزارة البلديات. وكان الشارع الممتد من جسر الأحرار إلى المتحف وعلي جانبيه مكاتب شركات السفر خارج العراق حيث تنقل المسافرين إلى تركيا وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

شركتان يابانيتان عريقتان

في عام 1979 كلفت الحكومة العراقية شركة ميتسوبيشي و شركة شيميزو Mitsubishi Corporation and Shimizu Construction Co. Ltd لإعداد تصاميم وتنفيذ مشروع سكني كبير.

تأسست شركة ميتسوبيشي كشركة شحن عام 1870 من قبل ياتارو إواساكي (1834-1885). في عام 1873 تغير اسمها إلى شركة ميتسوبيشي شيكو. والاسم يتألف من مقطعين الأول )متسو mitsu) وتعني ثلاثة. والثاني )بيشي bishi) ومعناه ماسة، فيكون المعنى (ثلاث ماسات). وهو ما يظهر في شعار الشركة المتكون من ثلاث أشكال معينية.

وكانت طائرة ميتسوبيشي زيرو الحربية تعمل في سلاح البحرية اليابانية . وقد استخدمها الطيارون اليابانيون في الهجوم على ميناء بيرل هاربر الأمريكي في جزر هاواي. كما استخدمت هذه الطائرة في الهجمات الانتحارية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945). بعد الحرب أخذت ميتسوبيشي تعمل في الصناعات الكهربائية والكيمياوية والنفط والمعادن، إضافة إلي ميادين الطيران والفضاء والاتصالات والحاسبات والسيارات وأجهزة التكييف والسلع الاستهلاكية.

تأسست شركة ميتسوبيشي للبناء والانشاءات في 1 تموز 1954 ، وتعمل الشركة ضمن مجموعة شركات أخرى تابعة لها.أما شركة شيميزو للإنشاءات Shimizu Constrution Co. Ltd التي يبلغ عمرها أكثر من قرنين فقد أسسها كيسوك شيميزو عام 1804 ، لتصبح واحدة من خمس شركات كبرى في صناعة البناء. وقامت بإنجاز عدد من المشاريع والأبنية العريقة مثل المبنى الرئيس لداي إيجي هيبيا Dai-ichi Hibiya  ومبنى شين مارونوشي Shin Marunochi  وملعب يويوجي الوطني، ومبنى الحكومة في طوكيو.

المواصفات مجمع الصالحية

تبلغ مساحة المجمع السكني (360) متراً مربعاً حيث تم الاستيلاء على أراضي وتهديم منازل كانت في المنطقة. وقد عرف المشروع باسم (مشروع إسكان رقم 10) من المشاريع الإسكانية العديدة آنذاك. يخترق المشرع شارع رئيس بعرض خمسين متراً يمتد من جسر السنك.

يضم المجمع السكني (2300) شقة بمساحات مختلفة حسب ما يلي:

  • 724 شقة بغرفتي نوم وبمساحة (103) متر مربع للشقة الواحدة.
  • 1576 شقة بثلاث غرف نوم وبمساحة (119) متر مربع للشقة الواحدة.

وتوزعت هذه الشقق على (34) عمارة اختلفت في عدد طوابقها حسب التالي:    •           12عمارة ذات (10) طوابق.

  • 7 عمارات ذات (8) طوابق
  • 14 عمارة ذات (6) طوابق
  • عمارة واحدة ذات (7) طوابق

اعتمد التصميم على الشقق المستقلة يتم الوصول إليها عبر ممشى خارجي Gallery . كما تتشارك في السلالم والمصاعد. وتمتاز الشقق الأرضية بوجود حديقة خاصة بها مع سياج.

بدأ العمل بالمشروع عام 1979 وتم الانتهاء منه عام 1983 .

الشقق والعمارات كلها مجهزة بالتكييف المركزي والماء الحار للاستعمال المنزلي، والغاز السائل للطبخ تأخذ الغاز من خزانات أرضية. كما تم تزويد المصاعد والسلالم العادية والاضطرارية ، وفتحات لتجميع النفايات، وصناديق بريد ، وأجهزة إطفاء الحريق ، وأجهزة الهواتف المنزلية التي تؤمن الاتصال بين ساكني الشقق بمداخل العمارات. كما تم بناء خزان ماء تحت الأرض لتوفير الماء عن حدوث انقطاع.

يضم المجمع دارين حضانة ، روضتين للأطفال ، مدرستين ابتدائية ، مدرسة ثانوية للبنين وأخرى للبنات.  وتم توفير ساحات خضراء، وطرق للمشاة لا تتقاطع مع طرق السيارات لتأمين سلامة السكان والأطفال أثناء تنقلهم داخل المجمع. وقد روعي في تصميم طرق السيارات إحاطتها للمجمع وربط القطاعات السكنية بالمركز، وتتفرع منها مواقف للسيارات لا تبعد عن مداخل العمارات بأكثر من (50) متراً. وتم تزويد الشارع الرئيس والساحات والشوارع الفرعية بالإنارة والنباتات علي جانبيها والجزرة الوسطية. ويضم المجمع  عدداً من المجمعات الثقافية والتسويقية والاجتماعية والملاجئ والملاعب. عند إنشائه سمي بمجمع (28 نيسان) على تاريخ مزعوم لصدام، ثم استبدل باسم (9 نيسان) وهو تاريخ سقوط النظام عام 2003 .

كارثة الاعتداء الإرهابي

في 19 أب 2009 تم استهداف وزارة الخارجية المقابلة لمجمع الصالحية بسيارة مفخخة من قبل تنظيم القاعدة. ولكوني محافظاً لبغداد آنذاك سارعت لزيارة المجمع حيث زرت الشقق المتضررة والتقيت بسكانها الذين كانوا غاضبين. وتمكنا من تهدئة روعهم بأن المحافظة تدعوهم لاستلام مبالغ تعويضات فورية بعد يومين. وبالفعل انشغل السكان بإعادة ترميم دورهم وزجاج الشبابيك والأبواب والجدران، وشراء ستائر وأثاث جديد بدل القديم المتضرر. كما تم تعويضهم عن سياراتهم المتضررة في المجمع.

{ تتمة الموضوع على موقع (الزمان) الالكتروني

وقامت محافظة بغداد بإعادة تأهيل المجمع خارج الشقق من حيث تم ترميم السلالم والشرفات والأنابيب والإنارة والمصاعد، إضافة إلى تأهيل المدرسة التي تضررت كثيراً. كما تم أعادة طلاء العمارات من الخارج وبنفس ألوانها السابقة (الأحمر والأصفر و الأزرق والأخضر).

في عام 2011 تعرض مجمع الكرفانات السكنية لمنتسبي فندق الرشيد لقذائف أدت إلى تدميره واحتراقه واستشهاد وجرح عدد من ساكنيه. وقد زرنا المجمع واطلعنا على الأضرار الجسيمة التي تعرض لها والتقينا بسكانه. وقررنا أعادة تأهيله من جديد وفق مواصفات عالية مع تزويده بالتأسيسات الصحية والماء والكهرباء ومولدة ، إضافة إلى تزويده بالأجهزة المنزلية. استغرق العمل أربعة أشهر ثم قمنا بافتتاحه في بداية عام 2012 وسط فرحة الساكنين.

ساكنو المجمع بعد الحادث مباشرة

بعد الحادث الإرهابي في 19 اب 2009 قامت محافظة بغداد بتشكيل لجنة لمتابعة أسماء الساكنين في المجمع وتسليمهم التعويضات المخصصة لهم حسب درجة الضرر للشقق. وجاء في التقرير ما يأتي:

  • الشمالية (الزرق) تضم العمارات (30? 32? 34? 36? 38? 40? 42? 44 ) ? قرابة 90% من ساكنيها شرعيون. و10% كسروا أقفال الأبواب وشغلوا الشقق بدون سند شرعي أو قانوني.
  • الجنوبية (الخضر) تضم العمارات (3? 5? 7? 9? 11? 13? 15? 17? 19? 21) ? أغلبية ساكنيها مؤجرين من أصحاب الشقق الذين لديهم سندات ملك صرف، غادروا العراق أو يقيمون في مكان آخر. هناك 10-15% من الساكنين شغلوا الشقق عنوة لعدم وجود المالكين فيها. تعرضت هذه العمارات إلى التفجير الإرهابي في 19/8/2009 أكثر من غيرها.
  • الغربية (الصفر) تضم العمارات (2? 4? 6? 8? 10? 12? 16) . كانت مخصصة كمقر بديل للقيادة القطرية المنحلة، والخبراء والضباط السودانيون والسوريون واليمنيون من أنصار حزب البعث المنحل. وقد قام المتجاوزون بإشغالها بالقوة بعد هروب ساكنيها بعد السقوط.

 العمارتان 2 و4 يشغلها ساكنون ليس لديهم عقد أو صفة رسمية يريدون الاستيلاء عليها بلا سند قانوني. وهم من يظهرون في وسائل الإعلام يطالبون بتمليكهم الشقق. الجدير بالذكر أن هاتين العمارتين قد تم بيع شققها إلى منتسبي وزارة الدفاع. وقد دفعوا مبالغ بين 130 إلى 177 مليون دينار للشقة الواحدة، ولديهم سندات رسمية من التسجيل العقاري. وقد أقاموا دعاوى في محكمة الكرخ  ضد المتجاوزين. وحصلوا على قرار قضائي بالدرجة القطعية، فقام القاضي بإصدار قرارات الإخلاء بعد توجيه الانذارات لتقوم تنفيذ الكرخ بالمهمة. جرت الإخلاءات من قبل شرطة الصالحية وبحضور ممثل المجلس البلدي.

  • الشرقية (الحمر) تضم العمارات (39? 41? 43? 45? 47? 49? 51? 53? 55) وكانت مخصصة لعناصر الكيانات المنحلة كالأمن الخاص والحرس الخاص وديوان الرئاسة والدائرة الهندسية والمخابرات .

كان لساكنيها عقود سابقة مع دائرة عقارات الدولة التابعة لوزارة المالية. وقد صدر قرار بإلغاء جميع العقود الموقعة قبل 9 نيسان 2003  . أقام الساكنون دعاوى على أمانة مجلس الوزراء. تم تخصيص الشقق إلى موظفي العقارات، ثم صدر قرار بتمليكها لمن يشتريها. عندما حدث نزاع بين الطرفين تم تخيير الشاغل أو المخصص لهم بالشراء من أجل حل المشكلة.

المصادر

  • محمد رضا الجلبي (موسوعة العمارة العراقية) ، الجزء الأول
  • دليل المملكة العراقية لعام 1936 ، ص 760
  • مدونة علاء العبادي في 2 أب 2015
  • محمد حسن الجابري (محلة الصالحية ومنطقة السكك في بغداد) ، جريدة المدى في 8 تشرين الثاني 2009
  • موسوعة ويكيبيديا
  • تقرير لجنة محافظة بغداد حول المجمع في 30 آب 2010
مشاركة