جدلية القضاء والقدر – قيس الدباغ

 

قيس الدباغ

قيس الدباغ حيران تايه زعلان جندي احتياط من المواليد المخضرمة في الجيش تعرضت  وحدته العسكرية إلى معركة ضارية في حقبة الثمانينات الموجعة نتيجة لسوء تقديرات المعركة واستشهد العديد من إخوانه وقد نفذ كل عتاده واضطر إلى الإنسحاب مبتعدا عن مصادر نيران العدو والقصف الكثيف.

سار الليل بطوله حتى قادته قدماه المتعبتان إلى قرية مهجورة منذ بداية الحرب دخل أحد دور الطين المتهالكة ورمى بنفسه على كومة من قش وغط في سبات عميق وبعد ساعات طويلة من النوم ايقظه ألم  الجوع.

بدأ يبحث عن أي شيء يسد رمقه فلم يجد،  فكّر بالحشائش. خرج من دار الطين إلى الفضاء جذب انتباهه نخلة هزيلة وفيها عذق متدلي من الرطب اليابس فرح بذلك وبدأ يرمي بالحجارة على مكان الرطب وبعد عدة رميات فاشلة تمكن اخيرا من إصابة الهدف وأخذ يلتهم الرطب اليابس بنهم وتوجهت بصيرته للبحث عن الماء واهتدى إلى بركة آسنة رمى نفسه في البركة على مافيها وشرب براحة يده بعد التصفية الابتدائية من العوالق الكبيرة فقط عاد الى الدور الطينية لعله يحظى بإناء يصفي به الماء ووجد بين الأنقاض علبة معدنية على شكل دورق تحمي بداخلها قارورة زجاجية عتيقة جدا وعلى العلبة طلاسم ورموز غريبة حاول فتح العلبة لم يفلح استعان بالحربة التي في بندقيته التي لم تفارق يده رغم خلوها من العتاد.

و  أخيرا تمكن من فتحها بعد جهد وياليته لم يفتحها إذ خرج منها دخان كثيف ملأ المكان ولما فتح عينيه شاهد عملاق ضخم يقارب طوله طول النخلة والعملاق يفرد ذراعيه في الفضاء كأنه يتمطى من بعد سبات طويل أحس حيران بالخوف الشديد ولكن سمات وجه العملاق لاتوحي بالرهبه إذ أن تقاطيع وجهه سمحة صاح حيران ممم منننن من انت أجاب العملاق لاتخف أنا مارد من المردة ونحن مثلكم بني البشر فينا الصالح والطالح وأنا من الصنف الأول تم معاقبتي بالحبس الطويل منذ قرون سحقية قال حيران إذا كنت من الصالحين فما الذي اوعدك هذا السجن الطويل قهقه المارد ثم جلس على الأرض متربعا وقال أبدا خطأ بسيط لنقل إختلاف في وجهات النظر نحن المردة لايحق لنا أن نتدخل في حياة البشر مطلقا اضطررت في غابر الازمان إلى خرق هذه القاعدة وعوقبت  بالسجن في هذه القارورة اللعينة نظر المارد في وجه حيران وأردف قائلا  أراك لم تقتنع بالمناسبة نحن الصالحون لانكذب مثلكم ولانلبس ثياب التقوى على أجساد الذئاب ونحن واضحون إما ابالسة أو مردة اتقياء لاخلط لدينا بين الشخصيتين الظاهر والباطن لدينا واحد، ماعلينا العرف لدينا ان من يخلصنا من السجن نبقى معه إلى أن يأمرنا بالانصراف نحقق له مايريد قل لي ماتشتهي نفسك قفز حيران منتصبا أول شيء قدح من الشاي العراقي وعلبة سكائر أوربية ضحك المارد وقال اذهب وراء النخلة تجد ماتريد قفز حيران ووجد ضالته عاد وهو يرتشف الشاي مشعلا سيكارة وينفث الدخان بقوة  وجلس قرب المارد متربعا وأنشد أول شيء قاطعه المارد الطيب خطأ بل قل ثاني شيء

قال حيران وهل تعتبر قدح شاي وعلبة سكائر مطلبا إعجازيا غير مهم أريد منك أن توقف هذه الحرب فورا ثم تسرح كل الجنود فورا ثم تعطي لكل جندي بيت كبير وسيارة و وزوجة جميلة لكل عازب وووو ضحك المارد قائلا على رسلك واحدة واحدة ياصاحبي قبل ذلك أود أن ابين لك أمر في غاية الأهمية وهو أنا لست مطلق الصلاحيات ولست خارقا الى هذا الحد الذي ذهبت اليه ولكن بسيطة سوف نعقد اتفاقا كلما طلبت سوف نناقشه فقرة فقرة وسوف نذهب انا وانت إلى مشارف المستقبل وندرس خيارات ومآلات كل مطلب وما يترتب عليه وماهي نتائجه انا لا أقول لك أني أعرف الغيب فهذا محال ولا يعرفه إلا الله ومن شاء من رسله وبالقدر الذي يريده الله  لكن استطيع أن أبين لك احتمالات المستقبل بين إما أو فكل أمر يخضع لهذه القاعدة لأقرب لك الصورة فالظاهر ان قسوة المعارك قد ألقت بظلالها على عقلك خذ مثلا اذا اردت ان تسافر لمسافة طويلة فلا بد لك أن تهيئ مستلزمات السفر من ماء  وغذاء  وأموال تعينك فإذا أعددت لذلك إعداد جيد سوف تصل مبتغاك ولكن إذا سرت بدون تخطيط فإحتمال موتك في الطريق حتمي إن الله لم يكتب كل شيء لكل إنسان خلقه بل كتب كل ما يمكن أن يحدث وصيرورة كل أمر مبتدأه ومنتهاه ولم يهمل أو يغفل عن شيء مطلقا وهذه الاحتمالات المليارية وأكثر مما نتصور هي قدر الله وقضاءه ولايمكن أن يحدث أي أمر خارج ماخطه الله عز وجل وخارج تلك القواعد الإلهية واختيارك لأحتمال واحد من بين الكم الهائل من الخيارات المتاحة هو ماسوف يحاسبك عليه الله يوم المحشر العظيم لأنك انت من فكر وقدر ونظر بملئ إرادتك وكامل وعيك وإصرارك وبين النجدين الذي بين لنا الله تقبع كل الاحتمالات والخيارات المليارية اللانهائية نرجع لمسالة إيقاف الحرب تعال معي لندرس كل الاحتمالات لو اوقفنا الحرب الآن ماذا سيحدث ، بغض النظر عن من بدأ الحرب سوف يفتح إيقاف الحرب الآن شهية المنتصر على شن حرب أخرى اشنع وافضع من سابقتها  وتكون الضحايا أضعاف مضاعفة والتضحيات هائلة لايمكن تصورها و تنعكس آثارها السلبية حتى على الأجيال التي لم تولد بعد  الآن ما قولك ، عبس حيران ووجم ثم لوح  بذراعيه في الهواء وقال لا عمي خلينا على هذا الضيم أستر  واحسن ،

والله دوختني أجاب المارد ياحيران لكل أمر مبتدأ و منتهى  وما بينهما توقيتات و  وخيارات لايمكن القفز عليها نهض حيران يائسا متجهما قائلا  قم يامارد السوء أوصلني لأمي فأنا مشتاق لها كثيرا بعدها انصرف لحالك  راشد فما عاد وجودك يعنيني .

مشاركة