‏لكنه سقراط-رباح آل جعفر

‏تخيَّل‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬أيام‭ ‬زمان‭ ‬مراكز‭ ‬للتجميل‭ ‬مثلما‭ ‬لديهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭.. ‬فهل‭ ‬سيذهب‭ ‬إليها‭ ‬الأعشى،‭ ‬والحطيئة،‭ ‬والأحوص،‭ ‬والمعري،‭ ‬والجاحظ،‭ ‬وأبو‭ ‬العتاهية،‭ ‬والتوحيدي،‭ ‬وابن‭ ‬الرومي؟‭ ‬فربما‭ ‬تكون‭ ‬أنوفهم‭ ‬مشدودة،‭ ‬ووجوههم‭ ‬لامعة‭.. ‬وهل‭ ‬يصلح‭ ‬العطَّار‭ ‬ما‭ ‬أفسد‭ ‬الدهر؟‭!. 

‏فابن‭ ‬الرومي،‭ ‬مثلاً،‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬عويصة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬أنفه،‭ ‬واستدارته،‭ ‬وضخامته‭.. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يدع‭ ‬أنفاً‭ ‬لصاحبه‭ ‬إلا‭ ‬هجاه،‭ ‬وهو‭ ‬القائل‭:‬

‏لكَ‭ ‬أنـفٌ‭ ‬يا‭ ‬ابنَ‭ ‬حــربٍ

‏أنِـفَـتْ‭ ‬مـنـه‭ ‬الأنـــوفُ

‏أنتَ‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬تصلِّي‭ ‬

‏وهو‭ ‬في‭ ‬البيتِ‭ ‬يَطـوفُ

‏ومرة‭ ‬أراد‭ ‬الحطيئة‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬بالماء،‭ ‬فنزل‭ ‬إلى‭ ‬البئر،‭ ‬وعندما‭ ‬رأى‭ ‬صورته‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬الماء‭ ‬استقبح‭ ‬وجهه‭ ‬قائلاً‭:‬

‏أَرى‭ ‬ليَ‭ ‬وجهاً‭ ‬قبَّحَ‭ ‬الله‭ ‬خَلقَهُ

‏فَقُبِّحَ‭ ‬مِن‭ ‬وجهٍ‭ ‬وقُبِّحَ‭ ‬حامِلُـه

‏أمَّا‭ ‬شيخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬سقراط‭ ‬فمنذ‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬قرناً‭ ‬كان‭ ‬نموذجاً‭ ‬غريباً‭ ‬للقذارة‭. ‬قبيح‭ ‬المنظر‭. ‬شعث‭ ‬اللحية‭. ‬حافي‭ ‬القدمين‭.. ‬وكانت‭ ‬زوجته‭ ‬تحتقره،‭ ‬وتشتمه،‭ ‬وتحطُّ‭ ‬من‭ ‬قدره،‭ ‬وتنال‭ ‬منه‭ ‬بكل‭ ‬طريقة،‭ ‬وترميه‭ ‬بالنفايات،‭ ‬وتسكب‭ ‬الماء‭ ‬الساخن‭ ‬فوق‭ ‬رأسه‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يجمع‭ ‬تلامذته‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬للدرس‭. ‬

‏ربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬أصبح‭ ‬سقراط‭ ‬فيلسوفاً‭ ‬يهاجم‭ ‬المرأة‭ ‬بعنف‭ ‬ومرارة‭.. ‬حتى‭ ‬تلاميذه‭ ‬كانوا‭ ‬يخجلون‭ ‬من‭ ‬هيئة‭ ‬أستاذهم،‭ ‬ومن‭ ‬دمامة‭ ‬وجهه،‭ ‬وقباحة‭ ‬منظره،‭ ‬فيعتذرون‭ ‬للآخرين‭ ‬بقولهم‭: ‬لكنه‭ ‬سقراط‭!. ‬

‏وقرأنا‭ ‬للجاحظ‭ ‬كتاباً‭ ‬ظريفاً‭ ‬يحصي‭ ‬أسماء‭ ‬البرصان،‭ ‬والعرجان،‭ ‬والعوران،‭ ‬والحولان،‭ ‬والعميان،‭ ‬والصلعان‭ ‬من‭ ‬أعيان‭ ‬العرب‭ ‬وأعلامهم‭.. ‬لعلَّ‭ ‬شيخنا‭ ‬الجاحظ‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬المخلوق‭ ‬الدميم‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭.. ‬فلا‭ ‬هو‭ ‬أولهم‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬آخرهم‭!.‬

‏والموسيقار‭ ‬بيتهوفن‭ ‬كان‭ ‬يتضايق‭ ‬من‭ ‬كبر‭ ‬رأسه‭ ‬ومن‭ ‬فمه‭ ‬الكبير‭ ‬أيضاً،‭ ‬ومن‭ ‬أسنانه‭ ‬ورائحته‭ ‬الكريهة،‭ ‬وعاش‭ ‬حياته‭ ‬بين‭ ‬القاذورات‭. ‬يبصق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬ويسيل‭ ‬لعابه،‭ ‬ويربط‭ ‬أذنيه،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬كان‭ ‬يحلم‭ ‬ويؤلف‭ ‬موسيقى‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬القمر‭!.‬

‏وشاعرنا‭ ‬الكبير‭ ‬بدر‭ ‬شاكر‭ ‬السياب‭ ‬عاش‭ ‬اليأس‭ ‬والحرمان‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭ ‬بسبب‭ ‬قسمات‭ ‬وجهه‭ ‬وشكله‭ ‬الهزيل،‭ ‬ليخرج‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬بخيبات‭ ‬عاطفية‭ ‬من‭ ‬تجاربه‭ ‬الغرامية‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬يتوسَّل‭ ‬كل‭ ‬فتاة‭ ‬يقابلها،‭ ‬فيقول‭ ‬لها‭:‬

‏أحبِّيني‭.. ‬

لأني‭ ‬كلَّ‭ ‬من‭ ‬أحببتُ‭ ‬قبلكِ‭ ‬ما‭ ‬أحبّوني‭!.‬

في‭ ‬العام‭ ‬1979‭ ‬انتحر‭ ‬الأديب‭ ‬المصري‭ ‬رجاء‭ ‬عليش‭ ‬مؤلف‭ ‬كتاب‭ “‬لا‭ ‬تولد‭ ‬قبيحاً‭” ‬برصاصة‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬بعدما‭ ‬كتب‭ ‬السطر‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬بهذه‭ ‬الكلمات‭: “‬ارقد‭ ‬أيها‭ ‬القلب‭ ‬المعذب‭ ‬فوق‭ ‬صدر‭ ‬أمك‭ ‬الحنون‭ ‬واسترح‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬دع‭ ‬أحلامك‭ ‬الميتة‭ ‬تتفتح‭ ‬كزهرة‭ ‬تعيش‭ ‬مليونًا‭ ‬من‭ ‬السنين‭”. ‬

‏كان‭ ‬هذا‭ ‬الأديب‭ ‬المغمور‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬قساوة‭ ‬المجتمع‭ ‬وتوحشه،‭ ‬والظروف‭ ‬السيئة‭ ‬التي‭ ‬لاحقته‭ ‬بسبب‭ ‬شكله،‭ ‬وهيئته،‭ ‬ورثاثته،‭ ‬ومنظره،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬امراة‭ ‬لم‭ ‬تقبل‭ ‬به‭ ‬للزواج‭ ‬فقرر‭ ‬الانتحار‭.‬

‏بالمقابل‭.. ‬يدهشك‭ ‬في‭ ‬هؤلاء‭ ‬أيضاً‭ ‬وأنت‭ ‬تتأمَّل‭ ‬كم‭ ‬سيكون‭ ‬عالمنا‭ ‬قبيحاً،‭ ‬وتعيساً،‭ ‬وغليظاً‭ ‬من‭ ‬دونهم‭.. ‬من‭ ‬دون‭ ‬أشعارهم‭ ‬المشوّقة،‭  ‬وحكاياتهم‭ ‬الممتعة،‭ ‬وأسمارهم‭ ‬الجميلة؟‭!.‬

مشاركة