الشاعرة التونسية صباح نور الصباح : الشعر تحليق في عوالم الخيال والجمال – عادل الميالي

   الشاعرة التونسية صباح نور الصباح : الشعر تحليق في عوالم الخيال والجمال – عادل الميالي

  صباح نور الصباح شاعرة تونسية تميزت بغزارة إنتاجها الشعري وبأسلوبها المكثف والمكتنز, وقدرتها على جعل الحرف يبوح بمكنونه وسره بين يديها, إذ تمتاز بعذوبة عباراتها, وبصدقها الفني والإنساني, وبجملها الشعرية المبتكرة, فقصائدها تستلهم الجمال والحب عند أعتابها, متحررة من كل الأغلال التي تحد من حريتها وانطلاقها, معبرة عن هواجسها متنفسة الحرية والحداثة .

  تمتلك الشاعرة القدرة على البوح بمشاعرها الرقيقة عبر حبكة لغوية رائعة ومنتمية إلى وجدانها العاطفي, إذ  تمكنت من تأثيث نصها الشعري بجمالية الموسيقى الهادئة المصاحبة لمفرداته, وكأنها ترسم بالحروف لوحات فنية وصورا شعرية ملونة بحيث تشعر المتلقي بالإمتاع عبر جمالية الكلمة وعمق المعنى وغزارة اللغة .

  تكتب الصباح والجمال يتسيد روح القصيدة، وتفتح لنا نافذة على الحياة حتى تزاحم الشعر نفسه لصياغات شعرية حديثة فيها من اللمعان والبريق والتألق حتى يسمو النص إلى سموات عالية بفضاءات مؤثثة بروح الشاعرة ونبضات قلبها .

  قصائد الشاعرة صباح مشبعة بالحب والجمال وصدق الإحساس والشفافية, فهي ترسم بالكلمات, مرسخة حضورها في المشهد الشعري داخل تونس وخارجها .

   في هذه المساحة نسلط الضوء على تجربة الشاعرة ورؤاها الشعرية والإبداعية, فكان هذا الحوار :

شراك الحروف

{ متى وقعت في شراك الحرف؟

  الوقوع في شراك الحرف, كما الوقوع في شراك الحب, لا عمر محدد لهما, ولذلك أختلف تماما مع أولئك الذين يعتقدون أن الشاعر يولد شاعرا والأديب يولد أديبا والرسام يولد رساما … لا أنكر أن للموهبة دورا هاما في تحويل ما هو عادي إلى إبداع حقيقي, لكن لطريقة صقل هذه الموهبة وتطوير ملكاتنا الإبداعية دور جوهري أيضا في ولادة المبدع، ولا أدل على ذلك إلا أن أغلب الأدباء سطع نجمهم في منتصف أعمارهم كريتشارد أدامز وألكسندر ماكال وجورج إليوت وجارسيا ماركيز وغيرهم كثيرون.. لذا فأنا لا أتذكر تاريخا محددا ولا حدثا معيّنا جعلني أقع تحت سطوة الحرف, فقد كنت منذ طفولتي أكتب يوميا مذكراتي، وفي سن المراهقة كانت لدي محاولات في كتابة القصيدة .. فالشعر قدر محتوم, وكل إنسان مفرط في إنسانيته, عميق في مشاعره ، حساس حد الرهافة, لابد أن يصير شاعرا على نحو ما.

-لماذا الشعر دون غيره من الأجناس الأدبية الأخرى ؟

  علينا أن نقرّ أولا أن الأجناس الأدبية شهدت تطورا وتجديدا وتراكما صار من الصعب معه الفصل التام والبات بينها، هناك روايات تزخر باللغة الشعرية, وهناك قصائد تنبعث منها الموسيقى وتنسكب منها الألوان وتتكثف فيها الصور وتتالى فيها المشاهد الشبيهة بالمشاهد السينمائية، في النهاية أليس الرسام شاعرا ريشته الألوان والشاعر رساما ريشته الكلمات الأجناس الأدبية ؟ فالشعر قدر كما الولادة والحب والموت .. قد لا أكون أنا من اختارت الشعر بل الشعر من اختارني ..

طقوس الكتابة

{ كيف تولد القصائد في وجدانك وأي طقوس للحظة البوح بها ؟

   كتابة الشعر لذة، خلاص، هروب من جحيم الواقع إلى فردوس الحلم والخيال .. إنها تحليق على براق القصيدة نحو ملكوت الجمال والعشق والتحلل الصوفي، تأبيد لمشاعر نعيشها وأحاسيس تباغتنا وأفكار تتملكنا لحظة البوح شبيهة بلحظة البيغ

بانغ حيث الانفجار الكوني الأول وبداية الخلق، إنها لحظة ولادة حقيقية يمتزج فيها الألم بالأمل والوجع بالفرح، فرح وجودي عارم غامر يشبه إلى حد ما فرح الأم وهي تتفحص ملامح مولودها لأول مرة, ودهشة أول لقاء بين حبيبين, ولحظة تحلل صوفي .. إنه شعور غامض مزلزل, لكنه حتما ضرب من الخلاص كما الولادة وكما الموت .

{ تركزين في قصائدك على جماليات الصورة الشعرية والتضمين ، فهل هو تعويض عن الوزن والقافية ؟

   سواء تعلّق الأمر بقصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر, المهم عندي أن يكون الشعر خلقا للغة تثير الدهشة وترج الكيان وتحدث الصدمة وتحفز الخيال .. الشعر يجب أن يخاطب في الإنسان إنسانيته ويحلق به نحو عالم أرقى وأجمل, يجب أن يكون له مفعول السحر فيحدث انتشاء كالذي يحدثه النبيذ، لذلك أنا أرى ما رآه رامبو من أن ” الجحيم هو الحياة على الأرض والخلاص في الشعر” وسيان عندي إن كان الشعر موزونا مقفى أو حرا, فالمهم هو مدى ما يحدثه في وجدان القارئ من تلذذ بالنص حد المتعة والشعور ” بالكيف” .

{ قصائدك مسكونة بالحب والحرارة والعشق الأبدي ، فهل أنت عاشقة حدّ الثمالة ؟

 العشق دينامو الشعر، روحه، قبسه الذي لا ينطفئ، قلبه النابض .. أنا على مذهب ابن عربي حين يقول ” أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني” فليس شاعرا في تقديري من لم يكن مسكونا بالحب حد الثمالة, ولم يكن عاشقا حد الوجد الصوفي والتحلل والانصهار، فالشاعر عاشق بالفطرة  للحياة والجمال ، للخير والسلام .. لذلك تراه مفتونا بتفحص الموجودات، سابحا في ملكوت الخيال ، مقتنصا ماهرا للصور والألوان, محلقا على براق اللغة لتأييد المشاعر والأفكار .

{ ما هو حلم القصيدة عندك ؟

   الشعرغايته إنسانية بالأساس, لذلك حلم القصيدة عندي هو الرقي بالإنسان ، الكشف عن مكامن الجمال، زرع فسائل الحلم ، تحويل الألم إلى أمل والقحط إلى حدائق غناء, صحيح أنه لا شيء سينقذنا من الموت, لكن بالشعر يمكن أن نستسيغ الحياة ونجعلها أقل أذى, لذلك أرى أن الشعر الحقيقي هو ذلك المحفز على الحلم لتجاوز الواقع بكل ما ينطوي عليه من سائد ومألوف ونمطي، الشعر الحقيقي نبيذ معتق، شراب مفعوله كالسحر .

كسر السائد

{-هناك من يرى أن الشعر هو روح الأشياء ، وخروج عن رتابة العالم ، فما قولك ؟

   كل ما في الوجود من تناغم سرمدي دليل على أن روح الأشياء مسكونة بالشعر، الطبيعة في سكونها وغضبها شعر، الشهيق والزفير شعر، زرقة البحر واخضرار الغابات شعر، سقسقة العصافير ورفيف أجنحة الفراشات شعر، الحياة بملذاتها وأوجاعها شعر, فالشاعر هو ذلك الإنسان العميق في إنسانيته الذي يمتلك عينا ثالثة قادرة على رؤية روح الأشياء وجوهرها, لذلك أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أفونسو كروش حين قال ” ننقذ كل شيء بالجمال، ننقذ كل شيء بالشعر, ننظر إلى جذع ميت فتنبعث فيه الحياة ”  الشعر هو أن تسكب تسبغ كلماتك على صحراء قاحلة فتحولها إلى جنات، وأن تنثر المعاني حبوب طلع فتحول الخريف ربيعا بلا نهايات, وأن تضخ أدرينالين العشق في جسد متهالك فتعيد إليه الشباب, الشعر هو كسر للسائد والمألوف وتمرد على رتابة العالم لخلق عوالم من جمال وخيال وحلم وشباب سرمدي, باختصار الشعر أن تسكب خمرة اللغة في كؤوس الحياة لبلوغ مرحلة النيرفانا أو التحلل الصوفي .

{ لو لم يكن الرجل موجودا، فهل كنت ستكتبين الشعر ؟-

   لولا وجود الرجل لما وجدت المرأة ولا وجد العالم, فتواصل الحياة الإنسانية على هذه الأرض رهين الحب الذي يجمع الرجل والمرأة, وبما أن الشعر روح الأشياء، امتداد الكون داخلنا، والأوعية التي تتعتق فيها خمرة الحياة, فإن حضور الرجل في شعر المرأة كما حضور المرأة في شعر الرجل جوهريّ، أليس أجمل الشعر ما جادت به قريحة شاعر عاشق أو شاعرة عاشقة ؟ على أن شعر الغزل ليس اختزالا لكل الشعر, فالشاعر إنسان قبل أن يكون امرأة أو رجلا, وهناك قضايا ومشاعر وأفكار تعتمل في فكره ووجدانه فيسيل لها دمه حبرا مثل الوجود، الجمال، الطبيعة، الحرية، المرض، الهرم، العجز، الموت، العدم، الحرب، الظلم، الاحتلال .

تقسيمات الجندرية

{ هل المرأة والشعر توأمان ؟

  الإنسان والشعر توأمان، الشعر لا يقبل التقسيمات الجندرية, فكل من يمتلك تلك العين الثالثة، العين التي تبصر مكنونات الأشياء وجوهرها وسحرها وبريقها وعمقها الذي لا يدركه الآخرون, ثم يطفو بهذا الدر المكنون ويحلق به عوالم الخيال على براق اللغة, هو والشعر توأمان يسكنان معا مشيمة الوجود وينتجان عالما آخر، عالم أجمل وأرقى وأرحب, لا يخضع لقواعد الفيزياء ولا ضوابط الأديان ولا بشاعة الإيديولوجيات … الشعر رفع لمستوى الجمال والحب والحرية .

{ هل أنت شاعرة متمردة ؟

  أنا شاعرة عاشقة, لا أكره إلا الكراهية, ولا أتمرد إلا على الظلم والقهر والكبت والرداءة والروتين وكل ما يكبل الإنسان ويحد من إنسانيته .

{ هل يفتح الألم أفقا للكتابة ؟

   القلم مداده ألم .. فالكتابة دليل وجع وحيرة وشك وتمرد .. أجمل الكتابات وأصدقها تلك التي تولد من جرح مفتوح وقلب نازف وفكر تعتمل فيه الشكوك وتتوقد فيه الحيرة .

{

قصيدة الشاعرة

-أنت ونصك أين تلتقيان ؟ وهل من الممكن أن تختلفا ؟

  النص الذي أختلف عنه وأتخالف معه لا أكتبه، نصوصي أجنتي .. هي تلاقح بين مشاعر تتملكني وأفكار تعتمل في عقلي بينما تكون لغتي الرحم الذي يغذي هذا الجنين إلى حين لحظة الولادة .. أنا ونصي نلتقي عند نقطة الصفر لنؤثث معا مساحة ومسافة على خارطة الإنسانية .

  -تكتبين قصيدة النثر ، لماذا هذا النوع من الشعر ؟

    الشعر عندي تحرر من القيود وخروج عن المألوف وتحليق في عوالم الخيال والجمال, لذلك أجد القوافي والأوزان مكبلات للقصيدة التي أنشدها, وهي تتعارض مع طبيعتي كإمرأة ترفض السجن داخل الأطر ، على أن موقفي ثابت ولا يتغير من الشعر الموزون المقفى, فهو بلا شك شعر خالص مكتنز بضروب الإبداع, غير أنه ليس الشكل الوحيد ولا الأجود للشعر, وبالتالي لا فضل له آو امتياز على بقية أنواع الشعر .

-هل تراهنين على قارئ يفتش في تلابيب النص ؟

  لدي قناعة بأن النص الجميل حد الإثارة وإحداث الدهشة, ذلك يؤجج المشاعر ويضرم في المسلمات النار ويرج القارئ حد زلزلة وجدانه بحيث يحدث نوعا من السحر في قارئه حتى وإن كان مفتشا في تلابيب النص ومقتنصا لمكامن الضعف فيه, فالنص إما أن يأتي بغير المتوقع على حد تعبير نزار قباني فيشدك ويهزك ويأسرك فلا تبحث في تلابيبه إلا عن الدهشة والجمال, أو أنه يفشل في كل ذلك فيكون فريسة سهلة للباحثين عن مكامن الضعف والخور, لذلك أنا أراهن على جودة النص أولا لأنني أعرف أنه سيأسر قراءه ولا يترك لهم مجالا في التفتيش في تلابيبه.

-الكتابة كفعل إبداعي كيف تصفينها ؟

  الكتابة لحظة تجلي حيث يبلغ الألم منتهاه واللذة أقصاها بولادة النص .. الكتابة كما الرسم والموسيقى وسائر الفنون, فعل إبداعي يسمو بالإنسان ويضعه في مرتبة بين الآلهة والبشر .

مشاركة