ادريس الجماع.. شاعر سوداني مسلوب الفؤاد بحب الحرية والجمال

 

ادريس الجماع

 

 

سمارة موفق

سمارة موفق

كاتبة عراقية مقيمة في تركيا

للظلم وجوه عديدة وانواع  مختلفة  لكن اشد انواع الظلم ان نتحدث عن التأريخ دون ذكر بعض الشخصيات والحديث عنهم, فبعضهم ترك بصمة لا تنسى في ذاكرتنا بل وحتى كان منهم من تضرب به الأمثال ومع ذلك غفل عنهم كتاب التأريخ.

حان الوقت ان يقف التأريخ أمام عظمتهم ونقف نحن امام أسمائهم وقفة تقدير..

 

****

أدريس الجماع

ادريس محمد جماع شاعر سوداني ولد في الاول من يناير عام 1922 وتوفي في السابع وعشرين من مارس عام 1980 , نشأ وترعرع في حي حلفايا الملوك وتمكن من حفظ القران الكريم في الكتاب ,نشأ نشأة  دينية في كنف اسرته الحافظة حيث كان والده محمد جماع بن الامين بن شيخ ناصر شيخ قبيلة العبدلاب ,دخل المدرسة الابتدائية في عام 1930م  وبعدها دخل الى المدرسة المختصة بالمرحلة المتوسطة  في منطقة ام درمان , بدأ العمل كمعلماً في احدى المدارس السودانية ,وفي عام 1947 قرر السفر الى مصر ليكمل دراسته الجامعية وتخصص باللغة العربية ثم عاد الى السودان واصبح معلماً للغة العربية فيها وشيخا لقبيلته بعد وفاة والده.

كان معروفا بين صحبة واقاربه بأنه كثير الخلوة , وانه انسان طيب القلب ويحب تلاميذه حتى انه اتصف يذكائه وعبقريته الفذة , كان يخترع الألعاب حتى يلهو بها أقرانه ,عرف بحبه للشعر وقدرته على الأرتجال فكان يلقي الشعر في كل المناسبات التي تحدث في مدرسته ليصبح بذلك شاعرا مشهورا على المستوى المحلي.

عاش حياة صعبة ولاسيما بعد ان اتهم بالجنون فعاش حياته وحيداً بعيداً عن الجميع ليصبح اسطورة يتحدث عنها الناس فيما بعد,فنسجت حول قصائدة مناسبات عديدة والتصق اسمه واشعاره بالتشاؤم والبؤس والحقيقة ان تجربته المريره كانت وراء اشعاره الحزينة ولانه كان كتلة من المشاعر وانساناً عرف بفلسفته العميقة فقد عانى كثيرا من الاهمال وعدم الفهم ممن كان حوله فأنعزل عنهم وراح يهيم في المدن ,تعرض لهزات مرضية عنيفة حاول التحكم بها لكنه فشل حتى انتهى به المطاف في مستشفى الامراض العقلية في لندن ولاسيما بعد القصيدة الي القاها في المطار تغزلا بسيدة كانت مسافرة مع زوجها في بداية زواجهما, حيث انه وقف امامها والقى قصيدته الرائعة :

أعلى الجمال تغار منّا

ماذا عليك إذا نظرنا

هي نظرة تنسي الوقار

وتسعد الروح المعنّى

دنياي أنت وفرحتي

ومنى الفؤاد إذا تمنّى

أنت السماء بدت لنا

واستعصمت بالبعد عنّا

هلا رحمت متيماً

عصفت به الأشواق وهنّا

وهفت به الذكري فطاف

مع الدُجى مغناً فمغنا

هزته منك محاسن

غنّى بها لما تغنّى

آنست فيك قداسة

ولمست اشراقاً وفنّا

ونظرت في عينيك

آفاقاً وأسراراً ومعنى

وسمعت سحرياً يذوب

صداه في الأسماع لحنا

نلت السعادة في الهوى

ورشفتها دنّاً فدنّا

 

اثارت هذه القصيدة غضب الزوج وكانت سبباً مباشراً  لدخول الشاعر مستشفى الامراض العقلية في لندن ، ولفرط جمال هذه القصيدة غناها المطرب السوداني سيد خليفة وعرفت من الاغاني الفلكلورية في السودان وقد غنتها المطربة السودانية مكارم بشير , وغناها بدبي عمار السنوسي مما جعلها لونا افريقيا مميزا.

وفي اثناء وجوده بالمستشفى في لندن وقع في حب عيون الممرضة التي كانت  تعالجه ,فراح يحدق بعينيها بتمعن شديد اخاف الممرضة كثيرا فأشتكت منه لمدير المستشفى فطلب منها مدير المستشفى ان تلبس نظارات , وفعلا دخلت على الشاعر مرتدية نظارات فقال :

السيف في غمده لا تخشى بواتره

وسيف عينيك بالحالتين بتار

فقيل انها بعد ان ترجمت هذا البيت الشعري الى اللغة الانكليزية وعرفت انه شاعر انهالت بالبكاء .

وقد اعتبروا النقاد هذا البيت من الشعر هو الابلغ في العصر الحديث فقد اعاد فيهم الخيال لأشعار الجاهلية من ناحية جمال ورعة التصوير, بعض الادباء اشادوا به ومنهم من كان يراه عبقرياً كالاديب عباس محمود العقاد ,فقد سأل يوما العقاد عن صاحب قصيدة:

أعلى الجمال تغار منا

ماذا علينا ان نظرنا

التي اوردنا ذكرها سابقا , فقيل له انه ادريس الجماع

فسأل اين هو الان..؟ , فقيل له في التيجاني مستشفى المجانين.

فقال : هذا مكانه “لا يقول هذه الابيات عاقل”.

اختلفت الروايات حول جنونه ومنهم من ذكر  ان سبب جنونه حبه الأول  , بأنه كان يعشق فتاة وكان متفق على ازواج منها عند عودته من مصر لكنه عندما عاد وجدها قد تزوجت , مما اثر في نفسه وقاده الى الجنون , ولكن اثناء لقاء تلفزيوني مع عائلته في تلفزيون السودان لم يتطرقوا لهذه القصة مطلقا , اي ان ليس هناك ما يؤكد صدق هذه الرواية, سعت دولة السودان لعلاجه وارسلته للعديد من دول كان اخرها لبنان الأ ان حالته ساءت ووصل الامر به انه كان يسير في الشوارع اشعث الشعر ومغبر الملامح,حتى انتهت مسيرة حياته بوفاته في عام 1980 في مسشفى الامراض العقلية في الخرطوم.

 

****

أعماله الأدبية

لدى الشاعر ادريس الجماع ديوان شعري واحد وهو الاشهر على الاطلاق في تأريخه الأدبي , عرف هذا الديوان بأسم (لحظات باقية) الذي بدأه بمقدمة كتب فيها : إن اتجاهي في الشعر ولا أقول مذهبي يحترم الواقع ولكن يريد له الإطار الفني وألا يضمن عليه بالنظرة الجمالية ويساهم في دفع الحياة إلى الأمام ولا يجرد الشعر من أجنحته ولكن يأبى التحليق في أودية المجهول ومتاهات الأوهام ويحب الجديد ليس لأنه جديد ولكن للخلق والابتكار ويحب الإنسان وينفعل للطبيعة، وليس هو رد فعل لاتجاه أو تأكيدا لآخر

ثم اكمل قائلا: هذا هو الطابع في شعري قد انطبع به شيء عامد أو لم أشأ فتكويني في جملته يتجه بي نحو هذه الوجهة، ولو أردت لشعري غير ذلك لعصاني وشق علي، فهذه القصائد هي من نفسي ومطابقة لها وهي ومضات في حياتي بين الحداثة والكهولة، وأردت لها أن تكون لحظات خالدة.

عندما نتحدث عن الشاعر ادريس الجماع وجب ان نعرفه ؛ بأنه الشاعر الاكثر رقة وان اشعاره الاكثر جزالة والاقرب الى واقع والاسلس بالتعبير حتى انها تمر على المتلقي كأنها نسمة عذبة.

في تأريخه مفارقات وقصص تركت صداها في اذهان الجميع ولاسيما من عاصره في حقبة حياته ،حيث ان اشعاره تدخل القلب قبل العين لفرط ما فيها من سحر وتأثير

لعل اجمل قصائده والاقرب الى الجميع قصيدة :

ان حظي كدقيق فوق شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه

عظم الامر عليهم قال منهم اتركوه

فأن من اشقاه ربي كيف انتم تسعدوه

لهذه القصيدة بُعد فني على الرغم من حدة الحزن بين ثنايها الا ان كمية الصدق فاقت الحدود,حتى انه اجبرنا ان نغوص بالخيال كثيرا ونصل لأقبية السماء ، ونكسو الارض ريحا بحثا عن ذرات الدقيق التي تبعثرت هنا وهناك.

 

****

هنالك من نفى ان تكون هذه القصيدة للشاعر ادريس الجماع ومنهم الكاتب والصحفي السوداني عزمي عبد الرزاق  وقال بالنص:

ان حظي كدقيق فوك شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه

ولفرط التشاؤم ,اصبح ذلك البيت الشهير في مقام التعزية النفسية لالاف الشباب العربي الفارين من شظف العيش وقهر حكوماتهم ولكنه ايضا ينذر باليأس والتطير والقنوط المنهي عنه ,ومع ذلك فهو ليس لادريس جماع ,الشديد الحضور هذه الايام  في التدوينات الالكترونية , من دون ان يعرف الناس قصته الحقيقية وتجربته المأساوية في الحياة التي غمت عليه ,وجنح يهيم كل واد ,حتى انتهى به الحال في مستشفى الامراض العقلية.  

كما اكد الكاتب عزمي عبد الرزاق ان هذه القصيدة ليست موجودة ضمن ديوانه (لحظات باقية) بكل طبعاته كما ان دراسة الشاعر وتخصصه اللغوي يمنعه من يأتي بالمضارع المرفوع محذوف النون ,فالصحيح (تسعدونه) بثبوت النون لا (تسعدوه) بحذفها .

والبعض نسب هذه القصيدة للشاعر المصري عبد الحميد الديب  (1898م -1922م)  الذي كان يسمى بوريث الصعاليك , لان هذه الابيات قيلت سنة 1939م  ” كما قالوا الرواة”  , وهذا يعني ان الشاعر ادريس الجماع كان في السابعة عشرة من عمره انذاك , ولأن الشاعر عبد الحميد الديب كان معروفاً بالتشاؤم والبؤس في اشعاره , وقد رجح الكثير من معاصريه ان تكون هذه الابيات الشعرية له مع انه ايضا لم يشمل ديوانه القصيدة ولم يذكرها مطلقاً.

****

ثم جائت قصيدته ( نومة الراعي ) لتكون الأولى التي القاها في صباه وقال فيها:

في مرقد طافت به الاحلام مشرقة الصور

للنوم قد اسلمت رأسك مطمئنا للقدر

سال الشعاع من الغصون على جبينك وانحدر

وغرقت في نسيم تعود حمل انفاس الزهر

اغنامك المرحات تفقز في الروابي والحفر

كم وقعت اقدامها في ارض انغام المطر

هو عالم من حسنه يوحي للجمال المبتكر

 

****

 

كان الشاعر إدريس الجماع متنوعا في نظم قصائده فقد كتب عن مصر والجزائر وتحرير فلسطين وترنم بالريف المصري ونهر النيل ولاسيما انه عاش في مصر فترة لا تعد قليلة ,ويبقى حب الوطن والتغني بجمال مدينته الفحوى الاساسي لقصائده حتى ان بعض من اشعاره  اصبحت اناشيد كقصيدته التي مطلعها:

امة للمجد والمجد لها

وثبت تنشد مستقبلها

تنوعت اغراض ديوانه الشعري فكانت منها :

 

الاشعار الحماسية

 

 ومنها قصيدة:

ايها الحادي انطلق واصعد بنا

وتخير في الذرا أطولها

نحن قوم ليس يرضى همهم

ان ينالوا العلا اسهلها

وفي قصيدة ( سعير الكفاح) يقول:

سنأخذ حقنا مهما تعالوا

وان نصبوا المدافع والقلاعا

 

في هذه القصيدة ارتفع شعوره الوطني وعلا صوت الحرية والدفاع عن الوطن حتى اصبحت قصائده الوطنية سائغة على لسان الثوار ، كان سعيه الاول المطالبة بحقوق ابناء جلدته والحصول على ابسط متطلباتهم في الحياة .

 

القصائد النضالية

 

التي نظمها الشاعر لرفع روح الحماسة للوطنيين من اجل تغير الحال نحو الاحسن فجائت قصيدته نضال لاينتهي لتكون بمثابة قصة تحدث فيها عما يجول في خلده

من اجمل الابيات في القصيدة عندما قال:

إصدحي يا نفس في فيض السنى

وانسجي سحر المرائي حولنا

نحشد اليوم لذكرى ظفر

كم دم سال له من حشدنا

وسيجني كل بيت ثمرا

مثلما ضحى له في أمسنا

أمس صوت القوم دوى ههنا

ليدوي الطرق في مصنعنا

ولكى يجري بماء دافق

ونضير النبت في أربعنا

ولديننا يمحي الخوف بها

ولعلم ولمجد يبتنى

يرجع الغازي بسخط ودم

ولقد عدنا بما يسعدنا

وسلاح الحق أمضى هكذا

قال ما دوت به جارتنا

يومنا ذكرى كفاح ومنى

تحشد البهجة في حاضرنا

وسنمضي وسنمضي قدما

وسننفي كل ما يثقلنا

عد إلينا أيها العيد غدا

بالذي ننشده في غدنا

 

الاشعار الغزلية

 

يبقى شعره الغزلي هو الاجمل والاكثر ذكرا ,فالبحث عن مواطن الجمال في كل شيئ بالحياة تعد الوجه الاولى لأغلب الشعراء , كل شاعر كان له اسلوبه الذي يميزه عن غيره, والذي ميز الشاعر ادريس الجماع فلسفته الحرة في التعبير والغوص في مكنونات الروح والولوج في اكثر الاماكن تأثيرا بالنفس, صدقه في الوصول لغايته في كل اشعاره كان السبب في جعل اشعاره خالدة في الاذهان , على الرغم من انه منسي عربيا وليس له ذكر كثير ولم يصنف ضمن شعراء العرب مثل صلاح عبد الصبور ومظفر النواب وغيرهم من شعراء العصر الحديث الا ان ما وصلنا منه ليس بقليل من فن وتمكن ومهارة في التجسيد يسابق بها اعظم الشعراء.

اجمل قصائد الغزل لديه:

النيل من نشوة الصهباء سلسله

وساكنو النيل سمار وندمان

وخفقة الموج أشجان تجاوبها

من القلوب التفاتات وأشجان

كل الحياة ربيع مشرق نضر

في جانبيه وكل العمر ريعان

تمشي الأصائل في واديه حالمة

يحفها موكب بالعطر ريان

وللخمائل شدو في جوانبه

له صدى في رحاب النفس رنان

إذا العنادل حيا الليل صادحها

والليل ساج فصمت الليل آذان

حتى إذا ابتسم الفجر النضير لها

وباكرته أهازيج وألحان

تحدر النور من آفاقه طربا

واستقبلته الروابي وهو نشوان

في هذه القصيدة لم يتغزل بحبيبة ولا بجميلة مرت امام ناظره بل تغزل بريف مصر وجمال النيل عندما تشرق عليه شمس الصباح ,وبسمار المصرين الاصلاء وطبائعهم.لكونه قضى وقت طويل في مصر واحب العيش فيها كثيرا.

 

اشعار الفراق واللوعة

وفيها اجمل قصيدة:

شاء الهوى أم شئت أنت
فمضيت في صمت مضيت
أم هز غصنك طائر
غيري فطرت إليه طرت
وتركتني شبحاً أمد
إليك حبي أين رحت
وغدوت كالمحموم لا أهذي
بغير هواك أنت
أجر .. أفر .. أتوه .. أهرب
في الزحام يضيع صوت
واضيعتي أأنا تركتك
تذهبين بكل صمت
هذا أوانك يا دموعي
فاظهري أين اختبأت
فإذا غفوت لكي أراك
فربما في الحلم جئت
في دمعتي في آهتي
في كل شيء عشت أنت
رجع الربيع وفيه
شوق للحياة وما رجعت
كوني كنجم الصبح
قد صدق الوعود وما صدقت
أنا في انتظارك كل يوم
ها هنا في كل وقت

في هذه القصيدة يؤكد انه مر بتجربة عشق فريدة خرج منها مثخن الجراح وبقى فيه الالم حتى اخرجه على هيئة نفثات مدوية في سماء الابداع ليجسد قصته الحزينة بهذه الابيات الشهيرة الخالدة.

وكان للهيب العشق واثره االمدمي في ثنايا نفسه حاضرا في قصيدة:

في ربيع الحب كنا نتساقى ونغنى

نتناجى ونناجي الطير من غصن لغصن

ثم ضاع الامس مني وانطوت بالقلب حسرة

في هذه القصيدة قام الشاعر بالجزم انه مر بتجربة عشق مريرة فقد فيها شغفه ولم يبقى سوى الحسرات والالم رفاق له في حياته البائسة .

 

 

اشعاره التحررية والسياسية

 

في الفترة المظلمة من حياته كان الاشد بؤسا ,فقد سلط الضوء على شقاء الحياة وضنك العيش وقلة الحيلة ليبدو غير سعيد في اغلب قصائده ,نادى كثيرا بالتحرر والرغبة في فك القيود والهرب بعيدا كونه انسان له حقوق في العيش الرغيد حتى اصبحت هذه القصيدة هي الاشهر:

انا من حقي الحياة طليقا

ليس الا لأنني انسان

هي عندي معنى يجل ويسمو

ليس شيئا تحده الأزمان

واذا عشت في سلام مع النفس

فما همني السرى والمكان

 

التي دعى فيها الى التصالح مع النفس ليعيش الانسان بسعادة حتى لو حده المكان وسرقه الوقت ,فالروح تسمو وتسعد عندما يقنع الانسان بما لديه .

ثم جائت قصيدته هذه لترسم الطريق القويم للذة الانتصار :

هُنَا صَوْتٌ يُنَادِينِي نَعَمْ لَبَّيْكِ أَوْطَانِي
دَمِي عَزْمِي وَصَدْرِي كُلُّهُ أَضْوَاءُ إِيْمَانِي
سَأَرْفَعُ رَايَةَ المَجْدِ وَأَبْنِي خَيْرَ بُنْيَانِ

هُنَا صَوْتٌ يُنَادِينِي تَقَدَّمْ أَنْتَ سُودَانِي
سَأَمْشِي رَافِعَاً رَأْسِي بِأَرْضِ النُّبْلِ وَالطُّهْرِ

وَمِنْ تَقْدِيسِ أَوْطَانِي وَحُبٍّ فِي دَمِي يَجْرِي
وَمِنْ ذِكْرَى كِفَاحِ الأَمْسِ مِنْ أَيَّامِهِ الغُرِّ
سأجعل للعلا زادي وأقضي رحلة العمر
هنا صوت يناديني تقدم أنت سوداني
فيا وطني سلمت غدا نحقق مشرق الأمل
سنجعل أرضنا خلدا بهيجا وارف الظل
فباسمك يعمل الصانع والفلاح في الحقل
وإن تبذل جهود فتى فخيرك غاية البذل
هنا صوت يناديني تقدم أنت سوداني
مضى عهد مضى ليل وشق الصبح أستارا
فلا ذل ولا قيد يكبلنا ولا عارا
نصون لأرضنا استقلالها ونعيش أحرارا
هنا صوت يناديني تقدم أنت سوداني

 

اكد الشاعر على وطنيته وحبه لبلده ومطالبته بالاستقلال والتحرر من الذل والعيش  بكرامة ,مؤكدا على ضرورة التحرك لتحقيق الامال والوصول للغاية الاساسية بوطن حقيقي وجديد يعيش فيه المواطن مرفوع الرأس بلا ظلم ولا الم ولا استنفاذ للطاقات.

 

 

****

 

 

يبقى الحب وما عانه في حياته هو من جعله يسمى بالشاعر المجنون حتى لو كنا نراه اكثر الناس تعقلا  فقد نقل لنا تجربته بعفوية ولسلاسة حتى نزلت سلسبيل على الافئدة قبل العقول ، لعل مشكلته الاكبر في حياته انه كان يحاسب نفسه كثيرا ،ويشعر بمن حوله كثيرا لانه يمتلك احساس مرهف وضمير حي وحب سامي لكل من حوله، هذا ما كان يضغط عليه ويؤلمه وخاصة بعد ما شعر بالفراغ الكبير والوحدة في حياته

وقد عبر عن ذلك بقصيدته التي قال فيها:

انا لست ساخرا

من ضمير له حدود

تارة كله اشتعال

وحينا به جمود

هذه علة الوجود

فهل يشفي الوجود

 

****

 

وفقاً للدكتور تاج السر الحسن الذي شارك في الإشراف على طباعة ديوان جمّاع فإنّ شِعر جمّاع يقع في إطار الشعر التراثي والديواني العربي. فجمّاع شاعر من المَدرسة العربيّة الابتدائية وهو من روَّاد التجديد الشعري في العالم العربي ومن شعراء مدرسة الديوان على وجه الخصوص ضمن مجموعة عبد الرحمن شكري والعقاد وإبراهيم المازني.

وقال عنه الدكتور عبده بدوي في كتابه «الشعر الحديث في السودان» إنّ أهمّ ما يميّز الشاعر جمّاع هو إحساسه الدافق بالإنسانية وشعوره بالناس من حوله ولا شك في أن هذه نغمة جديدة في الشعر السوداني.

وكتب عنه الدكتور عون الشريف قاسم قائلاً «لقد كان شعر جمّاع تعبيراً أصيلاً على شفافيته الفائقة والتي رسمت لنا الكلمات وأبرزت بجلاء حسه الوطني».  

****

كان من حقه ان يحيى حياة فيها كل ما يهوى لكن الله شاء ان تكون نهاية حياته  بهذا الشكل وان يصفه من حوله بالجنون حتى وان كان الجميع يعترف انه اكثر الناس تعقلا  , وشاءت الاقدار ان يلمع نجمه بعد وفاته وان يبقى مخلدا بالاذهان بكل ما فيه من صفات بشرية واحساس مرهف وقلب رؤوم

 

 

 

المصادر:

موقع ويكبيديا

موقع انتيكا

موقع الجزيرة

جريدة الزمان

جريدة الراية

ديوان الجماع

الموقع الرسمي للدكتور محمد بدوي مصطفى

الموقع الرسمي للكاتب والصحفي السوداني عزمي عبد الرزاق

عالم الادب

البيت العربي لتعلم اللغة العربية

مشاركة