الأديب و التشكيلي صبري يوسف لـ (الزمان):

الأديب و التشكيلي صبري يوسف لـ (الزمان):

غادرت المالكية بحثاً عن منافذ تتيح الإطلالة على الكون

الموصل – سامر الياس سعيد

تتمثل تجربة الاديب والفنان  التشكيلي صبري يوسف بكونها تجربة  متفردة من خلال مزج  الكاتب والشاعر  لذائقته الابداعية في بوتقة واحدة مع الفن  عبر مضامين ودلالات ذات قيمة  اضافة لاشتغاله الاعلامي من خلال مجلته  السىم التي تستقطب  الفنون الابداعية المختلفة وقناته التي يخصصها من اجل التنوير في تسليط الضوء على تجارب النخب الابداعية المختلفة .. (الزمان) التقت يوسف في لقاء سلط الضوء على المحطات الابداعية التي جال فيها يوسف وكانت هذه الحصيلة :

{ (بحثاً عن أبجديّات جديدة للإبداع) عبارة اقتبستها من بطاقتك التَّعريفيّة، هل تعني أنّك تركتَ بيئتكَ الأولى الَّتي لم تكُنْ ملائمة للإبداع نحو مرافئ أخرى أكثر توافقاً لاطلاق شرارة الإبداع؟!

-لدقَّةِ الإجابة عن السُّؤال أقول، وردَ في بطاقة تعريفي ما يلي: “اشتغلَ في سلكِ التّعليم 13  عاماً في إعداديات وثانويَّات المالكيّة، ثمَّ عبرَ المسافات بعد أنْ قدَّمَ استقالته من التّعليم، واضعاً في الاعتبار عبور البحار والضَّباب، مضحّياً بالأهل والأصدقاء ومسقط الرَّأس بحثاً عن أبجديَّاتٍ جديدة للإبداع.”. نعم، “عبرتُ البحارَ والضَّباب، مضحّياً بالأهل والأصدقاء ومسقط الرَّأس بحثاً عن أبجديَّاتٍ جديدة للإبداع.”، ولم أتركْ بيئتي الأولى لأنّها ما كانت ملائمة للإبداع بحسب سؤالكَ، بل أنّني أحملُ فوقَ أجنحتي طموحاتٍ أبعد من أن تكونَ محصورةً في بلدةٍ صغيرةٍ تقعُ في  أقصى الشَّمالِ الشَّرقي من سوريا، بلدة بعيدة عن العاصمة وبعيدة عن الحركة الثَّقافيّة، وأحببتُ أن أعيشَ/ ـ وأُقيمَ في عاصمة من عواصمِ النّورِ، مثل باريس، ولندن وستوكهولم وبرلين، وأطلَّ من عاصمة من هذهِ العواصمِ على العالم، كي أقولَ كلمتي بعيداً عن كلِّ ما يمكنُ أنْ يعيقَ إبداعي، ولأنَّ هذهِ النَّوافذ تتيحُ لي وللمبدعِ أنْ نطلَّ على آفاقِ الكونِ برمَّتِهِ، فلماذا لا أخطو هذه الخطوة؟! وهذا ما حصل، ولهذا أستطيعُ القولَ أنَّ طموحيَ المعشَّشَ في أعماقي هو الّذي دفعني لاتخاذِ هذا القرارِ وليسَ لأنَّ البيئةَ ما كانتْ ملائمةً للإبداعِ، ومن البديهي جدَّاً هناك فارقٌ كبيرٌ بينَ أن يقيمَ كاتبٌ ما في عاصمةٍ من أنْ يقيمَ في بلدةٍ صغيرةٍ ونائيةٍ حتّى وإن كانتِ العاصمة في دنيا الشَّرقِ، لكنِّي حسبتُ حسابي بأنَّني لو عشتُ في ربوعِ دمشقَ آنذاك، ما كنتُ قادراً على أنْ أحقِّقَ توازناً في مصاريفي، حيثُ غلاء المعيشة ما كان يساعدني أنْ أعيشَ في دمشقَ ككاتبٍ وأتفرّغَ للكتابةِ، حتّى وإن اشتغلتُ في سلكِ التَّعليمِ لأنَّ كل مردودي ما كانَ يكفي لإعالتي وإيجارِ شقَّةٍ أو غرفةٍ يتيمةٍ ومصاريف أخرى، لهذا جاء قرار الهجرة وعبور البحار بحثاً عن أبجدياتٍ جديدةٍ للإبداعِ صائباً في أكثر من جانبٍ، وفعلاً لو ظللْتُ في ربوعِ ديريك أو حتّى دمشق لما تمكَّنتُ أن أنتجَ 10 بالمئة ممّا أنتجتُهُ في سماءِ ستوكهولم والغرب، لألفِ سببٍ وسببٍ، ولستُ هنا في واردِ المقارناتِ، لأنَّهُ لا مجالَ للمقارنةِ أصلاً، وتأكيداً على أنَّ لديريك دورٌ كبيرٌ في انبعاثِ كتاباتي، أشيرُ إلى أنّني كتبتُ معظمَها في السُّويدِ، ستوكهولم، إلّا أنَّها مستوحاة من فضاءاتِ ذكرياتي وعالمي الّذي عشتُهُ في ديريك، فديريك كانتْ وستبقى الخزِّين الإبداعي الأعمق الّذي انطلقتُ منه إلى أعمقِ مرافئِ الإبداعِ، معَ أنَّهُ كانَ يفصلُني بحارٌ وقارَّاتٌ، ولكن لديريك فضلٌ كبيرٌ عليّ في تشكيلِ إبداعي بمختلفِ الأجناسِ الأدبيّةِ والفنّيّةِ!

حنين الروح

وأصدرتُ كتاباً بعنوان: “ديريك معراج حنين الرُّوح”، والعديد من الكتبِ انبعثَتْ فضاءاتُها من عوالم ديريك، فتحيّة لديريك مسقط رأسي ولكلِّ شعبِ ديريك ولكلِّ الّذين صادفتُهم وعرفتُهم في ديريك وخارج ديرك وكل مَن تعرَّفتُ عليهم عبرَ كافّةِ محطَّاتِ رحلتي في الحياة.

{ تحيط يوم ربيعي من عام 1987  لاختياره كيوم ميلادي بديل وفي هذا الخصوص يتوارد في ذهني سؤال حول مدى النَّأي عن سلوكيّات تقليديّة يتبعها الكاتب والفنّان لكي تشكِّلَ منعطفاً لانطلاقةٍ أخرى يعتبرُها يوم ولادة جديد؟

-يأتي هذا السؤُّال مشوَّشاً للقارئ ، ولهذا أودُّ توضيح سياق وجوهر ما جاء في بطاقة تعريفي: “أعدمَ السِّيجارة ليلة 25. 3. 1987  إعداماً صوريَّاً، معتبراً هذا اليوم وكأنّه عيد ميلاده، ويحتفلُ كل عام بيومِ ميلاد موت السِّيجارة، لأنّهُ يعتبرُ هذا اليوم يوماً مهمّاً ومنعطفاً طيّباً في حياته.”.  نعم، هذه هي القصّة وليس شيئاً آخر، ولا يوجدُ أي تفاسير ومدلولات أخرى في اعتبار هذا اليوم بمثابةِ عيد ميلادي،  لأنّني اعتبرتُ السِّيجارةَ عدوَّاً لدوداً وهي في طريقِها لقتلي وإعدامي بطريقتِها الحارقة، ولهذا خطّطْتُ بالاحتيال عليها وإعدامها بطريقةٍ صُوْريّة رمزيّة وعلّقتها من عنقِها وأعددْتُ مشنقةً حقيقيّةً لها وظلّتْ هذه السِّيجارة مشنوقةً حتّى تاريخه رمزيّاً وحقيقةً، والمقصود من كلِّ هذهِ الرُّؤية أنَّني أعدمتُها قبلَ أن تقتلَني بسمومِها، ولهذه المناسبة حتّى اليوم أهمِّية في حياتي، أكثر من يوم ميلادي، لأنَّني لا أحتفلُ بعيدِ ميلادي، وقلتُ في أكثر من لقاءِ، لا أحتفلُ بهذا اليوم لأنَّني لا أعتبره يوماً مفرحاً بقدرِ ما اعتبرُهُ يوماً محزناً، لأنَّني أكبَر سنةً وأقترب عن الحفرةِ الصَّغيرةِ سنةً، وهكذا هو مفهومي لعيدِ ميلادي، ربّما يخالفُ رأيي ملايين بل مليارات البشر، .. مع أنَّهُ يتمُّ معايدتي في صفحتي على “فيسبوك” ويتمًّ تقديم التَّهاني فأضطرُّ الإجابةَ عن التّهاني ولكن هذه المعايدة تتمُّ بشكلٍ أوتوماتيكي من الأصدقاءِ والصَّديقاتِ وليس منِّي، بدليل أنَّني لا أحتفلُ بعيدِ الميلادِ كاحتفالٍ، بينما أحتفل حتّى الآن بيومِ ميلادِ موتِ السِّيجارةِ بتاريخ 25. 3, 1987 حتّى وإنْ كان بطريقةٍ مصغَّرةٍ وأشعلُ شمعةً، وقد احتلفلتُ في يومِ ميلادي 66  الأخير بإصدار كتابي التّسعين أو إصداراتي التّسعين، واعتبرتُ الاحتفال بإصداراتي التّسعين أكثر من احتفالي بعيدِ ميلادي، وهكذا عيد ميلادي يُقاس عندي بما قدَّمتُهُ في السَّنة السَّابقة وماذا يمكنُ أن أقدِّمَ مستقبلاً، وبهذا أخرجُ بجوابٍ أنَّ يومَ إعدام السِّيجارة هو أرقى وأهم يوم في حياتي وسيبقى، لمجرّد أنَّني أعدمْتُ السِّيجارة إعداماً صوريَّاً وعمليّاً وتركتها من دون رجعة، وكتبْتُ قصَّةً قصيرةً بعنوان: “الذّكرى السَّنويّة” تتمحورُ حولَ كيفيّةِ إعدامها واحتفالي بهذا اليومِ، ونشرتُها ضمن مجموعتي القصصيّة الثَّانية: ترتيلة الرّحيل!

{ بين ستوكهولم السُّويديّة وديريك السُّوريّة، هل هنالك قواسم محدّدة يمكن أن تمنحَ بُعداً دلاليَّاً لولادةِ وبلورةِ شخصيّة الفنّان والكاتب صبري يوسف؟

-بلا شك لهذين المكانين، ديريك وستوكهولم دورٌ كبيرٌ في تشكيلِ فضائي الإبداعي والفكري والفنّي، وللمدينتَين بُعْدٌ محوري في تطويرِ شخصيّتي وصقلِها في الكثيرِ من الجوانبِ الإبداعيّةِ والفكريّةِ والحياتيّةِ، ففي ستوكهولم كتبتُ تسعينَ كتاباً، واشتغلتُ في فضاءِ الأدبِ والفنِّ والإبداعِ سنيناً طويلة، وقرأتُ مئاتِ الكتبِ وكتبتُ آلافَ النُّصوصِ والمقالاتِ والقصائدِ والكتاباتِ والحواراتِ والنُّصوصِ الأدبيّةِ والدِّراساتِ، وأصدرْتُ مجلّةَ السَّلامِ ثمَّ أصبحَتْ مجلّةَ السَّلامِ الدَّوليّة، وأسَّسْتُ قناةَ السَّلامِ الدَّوليّة ومنها وعبرَها أقدِّمُ برنامج “من أجلِ التَّنويرِ”، وقدّمْتُ عشراتِ المشاريعِ الإبداعيّةِ الفنِّيّةِ في ستوكهولم، ولها دورٌ كبيرٌ في انبعاثِ حرفي وتجلِّياتِهِ الخلَّاقةِ، ولكن ديريك كانت وستبقى الحضنَ والمنبعَ الأصفى لإبداعي حتَّى وإنْ انبعثَ في ربوعِ ستوكهولم، لكن ديريك هي المنبعُ الَّذي أستوحيتُ منه الكثيرَ من تجلّياتي الإبداعيّةِ الفكريّةِ والأدبيّةِ والفنِّيّةِ ولولا ديريك لما أمسكتُ قلمي، فهي التّي أوحَتْ لي بما كتبتُهُ، وكأنَّها هي الكتابةُ بعينِها.

وأنا مجرّد كائن مطيع لما قدَّمتُهُ وتقدِّمُهُ لي من آفاقٍ خلّاقةٍ على كافّةِ المستوياتِ الإبداعيّةِ، وكانتْ ستوكهولم الرّافد الشَّفيف لاستقبالِ هذهِ التَّجلياتِ المنبعثةِ من فضاءاتِ ديريك بمختلفِ انبعاثِ عوالمِها بكلِّ ما خزَّنَتْهُ الذَّاكرةَ وجموحاتِ الخيالِ!

*تبرز في سيرتِكَ الابداعيّة عشرات المعارض الفنِّيّة الّتي أقمتَها، هل يمكنُ أن تكونَ مثل تلك المعارض بمثابةِ مراحل أو حقب فنِّيّة مرّتْ بها تجربتك الشَّخصيّة معَ الفنِّ التَّشكيلي وهل يمكنُ فرزها أو تصنيفها في ضوءِ هذا الأمر؟

-لم أقدّمْ عشرات المعارض لكنِّي قدّمْتُ عدّة معارض فرديّة وجماعيّة، ورسمتُ خلال العام 2004 و 2014 ما يقارب من 300 لوحة وعشرات بل مئات التَّخطيطاتِ الفنّية، ولم تكُنِ المعارضُ الّتي قدَّمتُها بمثابةِ مراحل أو حقب فنِّيّة مرّتْ بها تجربتي الشّخصيّة في الفنِّ التَّشكيلي كما جاءَ في سياقِ سؤالِكَ، لأنّني أرسمُ أعمالي من دونِ الانطلاقِ أو الاعتمادِ على أيّةِ مدرسةٍ فنّيّةٍ ومن دونِ أيّةِ تخطيطاتٍ لأسلوبٍ معيّنٍ. أسلوبي في الرَّسم بسيط وفي غاية العفويّة، ويُشبِهُ شخصيَّتي الأدبيّة، أرسمُ بطريقةِ وشغفِ الأطفالِ، الأطفالِ الكبارِ، وبحساسيّةِ طفلٍ. كلُّ أعمالي تتمحورُ حولَ الفرحِ والحبِّ والسَّلام، وما يتفرَّعُ عن هذهِ المفاهيمِ، أشتغلُ بالسّكينِ أسلوبَ التّجريدِ، كما أشتغلُ بالفرشاةِ النَّاعمةِ، مركِّزاً على المنمنمات الصَّغيرةِ برسمِ الزُّهورِ والتَّرميزاتِ، وكل هدفي من الرَّسمِ، تقديمُ متعة للمشاهدِ، وأترجمُ شغفي في نشرِ ثقافةِ السَّلام والحبِّ والفرحِ، وتُشبِهُ لوحاتي قصائد شعريّة، كما أنَّ قصائدي الشِّعريّة تتعانقُ بصيغةٍ ما معَ فضاءاتِ التَّشكيلِ الفنِّي!

*بين الشِّعر والقصّة والفن التّشكيلي، أيُّهما من تلك الهويّات الإبداعيّة تعبِّرُ عن صبري يوسف الإنسان؟

-أكتبُ الشِّعرَ، قصيدةَ النَّثر، واشتغلتُ على مدى أكثر من عقدين من الزَّمنِ على كتابةِ نصٍّ مفتوحٍ: أنشودة الحياة، وتمَّ ترجمة المجلَّد الأوّل بأجزائِهِ العشرة الأولى إلى اللّغةِ الإنكليزيّة، وأحد أجزائه إلى اللُّغة الإيطاليّة، كما ترجمتُ بنفسي ديوانين من دواويني إلى اللُّغة السُّويديّة، ولدي أكثر من 25 ديوان شعر بالعربيّة، وخمس مجموعات قصصيّة، وثلاث روايات، وثلاثة كتب نصوص أدبيّة، وعدّة كتب في الدِّراسات النّقديّة والتّحليليّة، والعديد من الكتب في أدبِ الحوار، ورسمتُ العديد من اللَّوحات، ولكلِّ هذه الإبداعات والأجناس الأدبيّة والفنِّيّة، خصوصيّتها في عالمي الأدبي والفنّي، وكل جنس من الإبداعِ الأدبي والفنِّي يمثِّلُني بطريقةٍ أو بأخرى، ولا أفضِّلُ أي جنس أدبي أو فنِّي على آخر. تولدُ القصيدةُ عندي بانسيابيّة، وهي تأتيني وتعانقني، وكذلك القصَّة والقصّة القصيرة جدَّاً والرّواية والنُّص الأدبي، واللَّوحة. ولدي كتاب بعنوان: مئة لوحة ومئة قصيدة، استوحيتُ من اللَّوحةِ قصيدةً ومن القصيدةِ لوحةً، وهكذا يتماهى ويتعانقُ عندي الإبداعُ معَ بعضِهِ بعضاً، وغزارةُ انتاجي الأدبي والفنِّي لا تؤثِّرُ على إبداعي سلباً، بل تعمِّقُهُ تماماً، وهذهِ الانشغالات المتنوِّعة عمَّقتْ تجربتي الأدبيّة والفنَّيّة كثيراً، وجعلتني أتمكَّنُ من أدواتي الفنِّيّة بمختلفِ أجناسِها، وهذا ما قاله وأكَّدَهُ النُّقادُ، حيثُ هناك سبع كتب نقديّة عن تجربتي الأدبيّة تؤكِّدُ الرُّؤية النَّقديّة للنقَّادِ على أهمِّيّةِ كل جنس أدبي شعراً كان أم سرداً أو نصوصاً أدبيّة أو دراسات، أو رسوم، وتؤكَّدُ على خصوصيّة وأهمّية كل جنس أدبي!

*تحمل ثنايا سيرتك الإبداعيّة محطَّات تكريميّة كثيرة، ماذا يشكل التَّكريم لصبري يوسف وما هو أثره على الواقعِ الإبداعي وهل يلقي على عاتقِهِ مسؤوليّة أكبر ممَّا كانَ عليه قبلَ حصولِهِ على التّكريمِ؟!

-لا يوجدُ محطّات تكريميّة كثيرة في رحلتي الإبداعيّة، وأفضل وأهم وأكبر تكريم لي هم قرّائي وقارئاتي. هؤلاء هم أكبر تكريم لي. المتابعون والمتابعات لأدبي وفنّي هم الَّذين يكرِّموني، وقد حصلتُ على تكريمات متفرِّقة هنا وهناك، ولم أتوقَّف عندَ هذه التَّكريمات سم واحد، ولم تحمِّلني أيّة مسؤوليّة جديدة، لأنّني لستُ من هواةِ التَّكريمات، ولكن عندما يردني تكريم ما، من جهةٍ رسميّةٍ ومحفلٍ أدبيٍّ وفنّيٍّ رصينٍ، أرحِّبُ بِهِ خاصَّةً عندما يكونُ التّكريمُ غير مشروطٍ. ولا أطيقُ التَّكريمات الَّتي انتشرَتْ في الآونةِ الأخيرةِ من جهاتٍ غير معروفة ومشكوك في رصانتِها، وهي تكرِّم المبدعُ من أجلِ نفسِها، كمنحِ شهادات الدُّكتوراه وشهادات تقدير وهي شهادات مماثلة لمئات المكرَّمين وهذه التَّكريمات برأيي هي إهانة للمُكَرَّمِ، لأنّها ليستْ أكثر من “كراتين” جاهزة يتمُّ تدوين اسم المكرَّم فيها، خاصّةً أنَّ هناكَ مَن يمنحها بالآلاف، وتضحكُني شهادات الدُّكتوراه الفخريّة الَّتي تُمنحُ على هذهِ الشّاكلة، وأعتبرها شهادة “التراكتوراه”، أي شهادة سائق جرّار! لأنَّ سائق الجرّار لا يحتاج إلى شهادة سواقة، خاصّةً عندما يقودُ جرَّارَهُ في البراري الفسيحة، بعيداً عن عيونِ شرطةِ المرورِ هاهاهاهاها .. وأنا من طبعي أنحازُ إلى الإبداعِ وليس إلى هكذا جهاتٍ تكريميّة، مشكوك فيها وفي تكريمِها! والتَّكريماتُ الحقيقيّةُ الرَّصينةُ، تأتي عاجلاً أو آجلاً من خلالِ ما يقدِّمُهُ المبدع من إبداعٍ خلّاقٍ ورصينٍ!

*برنامجك (من أجل التَّنوير) هل يعدُّ محاولة لاستقطابِ نخب، اسهمَتْ بتجاربِها بتنوير المجتمع،  وما هي آفاق وتأثيرات مثل هذا البرنامج الإعلامي؟

-هذا السُّؤال جاء ناقصاً، وبعيداً عن جوهرِ وعمق ما أتوخَّاهُ من البرنامج، ولكي يأتي السُّؤال في سياقه الصّحيح، لا بدَّ من الوقوفِ عندَ مجلّةِ السَّلامِ، ثمَّ أصبحتْ في العددِ الخامسِ مجلَّة السَّلام الدَّوليّة، ثمَّ انبثق منها قناةُ السّلامِ الدَّوليّة ومنهما انبثق برنامج “من أجلِ التَّنويرِ”، لأنَّ هدفي من مجلّةِ السَّلامِ الدَّوليّة ومن ثمَّ قناةِ السَّلامِ الدَّوليّة هو نشرُ ثقافة السّلام والوئام بين البشرِ ونشرُ ثقافة المحبّة والفرح وثقافةِ العطاءاتِ الخلّاقة في شتّى أصقاعِ العالم، وبالتَّالي يأتي برنامج “من أجلِ التَّنويرِ” كتحصيل حاصل لما أتوخّاهُ من مجلّةِ وقناةِ السَّلامِ الدَّوليّة، ولهذا فإنَّ برنامج: “من أجل التَّنوير” هو رديفٌ للمجلّةِ والقناةِ معاً، وجواباً على سؤالِكَ: “هل يعدُّ البرنامج محاولة لاستقطاب نخب، اسهمت بتجاربها بتنويرِ المجتمعِ، وما هي آفاق وتأثيرات مثل هذا البرنامج الإعلامي؟!”، لا، البرنامج لا يعدُّ محاولة لاستقطابِ نُخَبٍ، اسهمَتْ بتجاربِها بتنويرِ المجتمعِ، لأنَّ البرنامجَ وُلِدَ من رحمِ مجلَّةِ السَّلامِ الدَّوليّة ومن خلالِ مجلّةِ السَّلامِ الدَّوليّة تشكَّلَ لدي آلافُ الكتَّابِ والكاتباتِ والمبدعينَ والمبدعاتِ والفنَّانين والفنّاناتِ، ولهذا “من أجلِ التَّنويرِ” وُلِدَ وبينَ يديهِ وفي فضاءاتِهِ آلافُ الكتّابِ والكاتباتِ الَّذين يكتبونَ في مجلّةِ السَّلامِ الدَّوليّة وتصبُّ رؤاهم في منارةِ التّنويرِ والتَّطويرِ والسَّلامِ والوئامِ الإنسانيِّ، وأمَّا آفاقُ وتأثيراتُ هذا البرنامج والمنبر الإعلامي، فلَهُ تأثيرٌ فعلاً، لأنَّ برنامجي وكلّ توجُّهاتي الإبداعيّة هي توجُّهاتٌ إنسانيّة إبداعيّة وتنويريّة وسلاميّة وئاميّة، بعيدة كلَّ البعدِ عن أيَّةِ أهدافٍ مادِّيّةٍ أو أهدافٍ سياسيّةٍ أو جهاتٍ مشكوكٍ فيها، لأنَّ كل هذهِ التَّوجهات تنبعُ منِّي وتصبُّ بي من حيثُ القرار، لهذا لا يوجدُ أيّة خلفيّاتٍ سياسيَّةٍ دينيّةٍ دوليّةٍ إقليميّةٍ إلخ، ولهذا أستطيعُ القولَ أنّني حقَّقتُ في هذا السِّياقِ الأهدافَ المطلوبةَ في نشرِ ثقافة السَّلامِ والتّنويرِ، وإنْ كانَ على نطاقٍ متواضع.

*دائماً ما تُحاط كتابة السِّيرة الذَّاتية من جانب الكاتب باشكاليات البيئة والتَّجربة الملتبسة والانتقادات الَّتي تأتي من خارج محيط الكاتب، فما هي التَّأثيرات الّتي أبرزها مشروعك الحواري المعنون: “حوار مع الذَّات، ألف سؤال وسؤال”؟

“-حوار مع الذَّات، ألف سؤال وسؤال” ليسَ سيرةً ذاتيّةً! بل هو حوارٌ موسوعيٌّ تضمَّنَ ألفَ سؤالٍ وسؤالٍ، وقد أجرَتْ إذاعةُ مونتي كارلو الدَّوليّة لقاءً معي وتوقفَتْ عندَ هذا الكتابِ تحديداً، لأهمِّيّةِ ما جاءَ في هذا الكتابِ، وتفرُّد الفكرة الّتي أعددْتُها في الحوارِ، فهو بحسبِ رأيي ورأي الكثير من المتابعينَ أوَّلُ حوارٍ موسوعيٍّ أجراهُ كاتبٌ معَ نفسِهِ وأجابَ عنهُ، وإنَّ شكَّ هذا وذاك، فليدخل شبكة غوغل ويقومُ ببحثٍ عن أطولِ حوارٍ أجراهُ كاتبٌ ومفكِّرٌ وباحثٌ معَ نفسِهِ! وجاءَ في استهلالِ سؤالِكَ: “دائماً ما تُحاط كتابة السِّيرة الذَّاتية من جانب الكاتب باشكاليات البيئة والتجربة الملتبسة والانتقادات الّتي تأتي من خارج محيط الكاتب”، ليس لهذا التَّنويه أيّة علاقة لا من قريب أو بعيد في جوهر ما جاء في حوار مع الذَّات ألف سؤال وسؤال، لأنَّ هذا الحوار ليس سيرةً ذاتيّةً بالمفهومِ العميقِ لكلمةِ سيرةٍ ذاتيّةٍ، ولا يوجد اشكالات في سياقاتِ الحوارِ بالبيئةِ ولا بالتّجربةِ الملتسبةِ، ولا التباس أصلاً في الحوارِ سواءً كانتْ بالتّجريةِ كما لم أتوقفْ عندَ الانتقاداتِ الّتي تأتي من خارجِ محيطِ الكاتبِ، لهذا كنتُ أفضِّلُ لو جاءَ سؤالك عن حوار مع الذات، ألف سؤال وسؤال دونَ ربطِهِ بهذا الاستهلال، لأنَّ الحوارَ هو عبارة عن مجلّد من 10 أجزاء في أدبِ الحوار؟! كلُّ جزء هو بمثابةِ كتاب مستقل ومرتبط مع الجزء الّذي يليه بصيغةٍ ما، ويمكنُّنا أن ندرجه في مجلّد كبير من 1360 صفحة من الحجم الكبير. تناولت في هذا الحوار ما لا يخطر على بالِ ألف صحافي وصحافي يحاورُني.

مشاركة