الكتابة على الأرض عودة الشاعر من كهف العزلة**

الكتابة على الأرض عودة الشاعر من كهف العزلة**
حين نذبح هذا الوطن الواقف كالنخلة**
حامد فاضل المثنى
في مستهل سبعينيات القرن المنصرم أعلن صادق الزعيري وبصوت عالٍ عن نفسه كشاعر من خلال القصائد التي كان يُلقيها في الأماسي السماوية في مدينة السماوة، أو تلك الأماسي الأدبية التي كان يشارك فيها بالعاصمة بغداد . وقد عُرف كشاعر مجيد من خلال قصيدته الثورية المغناة التي لحنها الفنان جعفر حسن، وأختيرت كنشيد في مهرجان الشبيبة العالمي، كما شاركت في مهرجانات أو ملتقيات مجلس السلم والتضامن في ذلك الوقت . وقد أثار هذا الشاعر اهتمام أساتذته في كلية الآداب نازك الملائكه وعاتكه الخزرجي وعناد غزوان وعلي جواد الطاهر وعبد الاله احمد الذين شجعوه بعد ما توسموا فيه قدرات شاعر واعد.. واللافت للنظر في شعر الزعيري المنحدر من عائلة جلّ أبنائها هم من الشعراء فهو شقيق الشاعر يحيى صاحب، والشاعر باقر صاحب أنهأبنا غير متأثر بشاعر معين، فنحن لا نستطيع رد شعره الى هذا أو ذاك من الشعراء المتميزين الذين اعتلوا منصة الشعر طيلة أعوام القرن العشرين . حيث يبدو لي أن صادق الزعيري كشاعر، متأثر بصادق الزعيري الشاعر.. لقد كتب صادق الشعر بروحية المناضلين الستينيين والسبعينيين، فجاءت قصائده صادمة مقتحمة
لن أُبْهَجَ حتى يسقط
آخر طاغٍ في التأريخ
لن أفرحَ حتى أمسح
آخر دمعٍ
في أجفان المحزونين
لن أضحك حتى تطفئَ
أحزان البشرية
السيف الراحل
وكان لتلك القصائد الحماسية التي لم ينشر أغلبها في الصحف العراقية في تلك الفترة قراءها ومتابعيها من سالكي طريق المبادئ الرافضة للجور والعسف والطغيان. وبسبب هذه الحدة وهذا النقد اللاذع لكل ممارسة سلبية سواء من السلطة، أو من المجتمع وجد صادق الزعيري نفسه مجبراً على هجر مملكة الشعر، والاعتكاف في ظل غابة الواقع العراقي المتشابك الى الحد الذي لا تنفذ منه نصاعة ضوء الأمل تركت كتابة الشعر وعوالمه الرائعة منذ سنة 1979 الى 2003 لأني عانيت إحباطاً سياسياً قاسياً خلال هذه الفترة، وشعرت أن الفن والأدب جُيّرَ تماماً لحساب السلطة
السيافُ الراحل
مَنحَ الشعراءَ المغيَّبين
جائزة الخرسِ الإجباري
فكان الشاعر أمام خيارين، أما أن ينظم الى جوقة المنشدين والمزمرين والمطبلين للبلاط والسبطان، وأما أن يتخذ له متكأ في محراب الصمت، وقد اختار الصمت
لَمْ أشربْ بكأسٍ من ثمالتهم
وَلَمْ أُغمسْ يراعي في محابرهم
وَلَمْ تُبحرْ ببحر الكذب أشرعتي
وَلَمْ اُشْعِلْ بخوراً في معابِدِهم
ولم أفرح إذا دقّت طبولهم
ولا لامستُ أكتاف الولاة
هكذا إذن كان الحال بالنسبة الى الشعراء المتيمين بحب العراق، إذ وجدوا أنفسهم أبان الفترة المظلمة عند مفترق منفيين، منفى الداخل القاهر، ومنفى الخارج حيث الضباع والتيه في دول الشتات.. ويعترف الزعيري الذي كان واحداً منهم بأن عزوفه عن كتابة الشعر في تلك الفترة السوداء كان خطئاً فادحاً. فالشاعر ليس نجاراً أو خياطاً فيبدل مهنته متى شاء.. إن الشعر هو ظل الشاعر الذي يلاحقه أنى مضى، وهو قدره المٌعَذِبْ الجميل. وصادق الزعيري لا يعترف بالولادة القيصرية للشعر بل الولادة العفوية الموحية التي تطرق باب المخيلة دون ميقات، شانه في ذلك شأن حمزاتوف الذي كان يضع أقلاماَ وأوراقاَ في أماكن عديدة من منزله، وحين سأله أحد الصحفيين لماذا تفعل ذلك؟ أجاب الشاعر الروسي الكبير لأني لا أعرف متى يأتيني ملاك الشعر، فمرة في غرفة النوم، وأخرى في الحمام، وتارة في صالة الجلوس أو في الحديقة، وربما حتى في الحافلة، لذا جاء شعر صادق الزعيري » صادقاً » تلقائياَ » عفوياً » يقطر عذوبةً وجمالاً، وينم عن أحاسيس إنسانية فريدة وفذة
الشعر لا يخجل مني
يضاجع ورقي دون استئذان
يدلف غرفتي الثكلى دون موافقتي
يأمر قلمي أن يكتبه
ويفرَّط رمانة قلبي
يغتصب الفكرة من رأسي
يفقد عذرية الكلمات
حتى أن غلّقت الأبواب لا مهرب منه
يكسر نافذة الفكرة
ويدلق محبرتي فوق سرير الطرس
مرة قال الناقد الانجليزي ستيوارت إن الشعراء في العراق هم أكثر من عدد نخيله ونرى أن دائرة جمهور الشعر ما تزال تضيق، برغم هذا الكم الهائل من الشعراء، ولعل ما ينشر، أو يلقى على المنابر من شعر مركب صعب هو واحد من أسباب عزوف المتلقي عن الشعر المقروء، أو المسموع، إن لم يكن هو السبب الرئيس.. ولعل الكتابة على الأرض الديوان البكر للشاعر صادق الزعيري المتأخر نسبياً بالنسبة الى عمر صادق الشعري واحداً من الدواوين التي تصدر على مكث ساعية لردم الفجوة ما بين الشعراء والمتذوقين للشعر. فهذا الديوان بما احتواه من قصائد فنية سهلة ممتنعة وعصية على المتشاعرين، يدعو الشاعر من خلاله الى إقامة صرح شعري حديث يتمتع بكل مقومات الحداثة ، والصور الشعرية الفنية الجديدة، والمجازات المستجدة غير المستهلكة. كما يسعى الى خلق فضاءات رحبة طامحاً الى خلق متلقٍ يرتفع الى مستوى ذائقة الشاعر ووعيه بعوالمه الشعرية الراقية، متواصلا مع قول الشاعر أبي تمام حينما قال له أحد المتلقين لماذا لا تقول ما يفهم؟ فرد الشاعر لماذا لا تفهم ما يقال إن الشعراء أنبياء غير مرسلين على الأرض، ومثلما كان لكل نبي فراعنته الذين يناصبونه العداء، فإن الطغاة هم فراعنة الشعراء .. ليس هناك من جهد إنساني لا تُحْصَدُ ثماره إلا الشعر. فالشعراء الذين يُضيؤن العالم بمصابيح قصائدهم، ويسفحون دماءهم على الأطراس، لا ينالون إلا » العسف » الصدود » النكران » الخسارات » لا سيما الشعراء الذين يسيرون في الاتجاه المعاكس لسير القائمين على تقيّم نتاجاتهم، ولا يجيدون التصفيق للساسة، وولاة الأمر، ولا يتصالحون مع الطغاة، ويظل الإحساس بظلال الطغاة وأشباحهم مرافقاً للشاعر حتى بعد رحيل الطغاة
لا يزال يطاردُني
كلُ الطغاة
لأني تحدثت عن العصافير والموسيقى
في قصيدة البكاء بين يدي الوطن، يبدو أحساس الشاعر بالألم جلياً فقد صار الوطن ملعباً للأهواء وحوضاً للأسماك الملونة، هذا الوطن الصابر على بلاء قانون الغابة
وطني …غابة
الكل فيها مفترس
نحن في الملعب كالطابه
الوطن الذي يذبح كل يوم على مرأى ومسمع من العالم، الوطن المنتصب كالشجر، هو خانع أيضاً
باسم الله
نذبحُ يومياً هذا الوطن
الواقف كالنخلة
والخانع كالإسفلت
الذي يصرخ بصوت عال دون أن يستثني أحدا أن أخوة يوسف تركوه في غيابة الجب وإن قميصه قد من قُبلٍ ومن دُبرٍ، هذا الوطن الذي يتهم العالم دون أن يستثني أحداً الكل يروم مضاجعتي .. وفي غمرة الاحتراب على المناصب تحول الوطن الى شجيرة موز الكل يبغي تسلقها
قال الساسةُ بسم الله
يا أبانا الذي في السماواتِ
إترك لدينا العراق
إنَّا له لحافظون
قال الشعب… يا ساستنا نخشى عليه
أن يأكله الذئبُ
وأنتم عنه غافلون
جمجة العالم
وصادق الزعيري حتى وأن هو كتب الشعر بشفافية ورومانسية وانثيال فهو سرعان ما ينعطف بالقصيدة الى أسلوب التحدي والرفض الذي جبل عليه، والذي لا يستطيع كشاعر الفكاك منه.. نقرأ له في قصيدة المتنبي يقتل ثانية وهي القصيدة التي كتبها الشاعر بعد التفجير الإرهابي في سوق المتنبي أو سوق الوراقين حيث محاولة اغتيال الكلم الطيب حتى لا نرث لسان ابن السكّيت البغدادي حتى لا نولد من رحم أفكار إبن رشد وقد نصلب مرات أخرى فوق صليب الحلاج.. سنلاحظ كيف انعطف الشاعر من الاستهلال اليومي الاعتيادي نحو موضوع القصيدة المدمر وهو استهداف الثقافة العراقية العريقة من خلال استهداف شارع المتنبي
كنا صديقين نتسَّكع في الحيدرخانه
نرتع أياماً في سوق المتنبي
نتأبط أشعاراً
أو نقرأ في صحفِ الأثنين
نشرب شاياً
وندخن في مقهى الشابندر
ثم يأتي الانعطاف نحو الأثر الكلي الذي من أجله كتب الشاعر قصيدته
نتحدث أحياناً عن صحف صفراء تعتقل الفكر العربي
وعن عهر سياسة هذا العصر
لكن لا ندري أن هنالك ناسفتين
تغتالان الحرف الأبيض
إن الحرف لا يقتل سهوا في وطني
حتام يغتالون الوطن النائم بين جفون الله
هل سأسمي وطني من هذي اللحظة جمجمة العالم
إن الشاعر ينبئ المتنبي بأن ديار العاقول لا تقبل رمس الغرباء ويتساءل هل يقبل الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على رأي مالك المطلبي أن يقبر شهداء السوق المغدورين في مثواه
أعذرني إن كنت كتبت فوق رقاقة قبرك
هذا قبر الشاعر.. أُغتيلَ ثانيةً
قدام سوق الفكر في بغداد
ويتساءل الشا عر عن أهلية ولاة أمر الشعب العربي، أيظل التأريخ يجتر المُغْتَصِبِ والمغصوب، المُعَذَبُ واُلمُعَذِبْ
يا متنبئ … أنبئنا
هل يأتي عيدٌ آخر ؟
لبلادٍ عَلِقَتْ بين سيوفِ الدولة
وزنازين الأخشيدي
كم كافورٍ يرتعُ فوقَ كراسي العرش العربي؟
ويتساءل الشاعر من قلب مكلوم عن دوام هذه الحال
إني أسأل حتامَ نبقى نتأبطُ هذا الحزن الهمجي؟
حتامَ يغتالون الوطنَ النائمَ بينَ جفونِ الله؟
ثم يتساءل
هل سأسّمي وطني من هذي اللحظةِ جمجمة العالم؟
وللشهادة والشهداء مساحة واسعة في قصائد الزعيري
أنا الشهيد بدون إذن
للشهاده
أنا الحسين أقول للتأريخ
إن موتي في سبيل الحق
إذانُ الولاده
وبعد هي دعوة لقراءة ديوان الكتابة على الأرض لصادق الزعيري هذا الشاعر الذي استيقظ من غفوته في كهف العزلة، ليخرج قصائده الى المدينة الفاضلة، فصدم حين وجد أنها لما تزل فاضلة.. ولا أدري هل سيعود الشاعر الى عزلته وصمته كما السابق، أم أنه سيجرد حسام شاعريته من غمده ويخوض غمار المعركة الثقافية الجارية الآن.. ربما احتوت قصيدة الدماء تدق النوافذ القصيرة على الجواب
تَدّقُ البيوت
بحرٌ واحدٌ
ومائةُ حوتْ
يوسفٌ واحدٌ
ومائةُ بئر
لا أخشى أخوته
لا أخشى أحداً
أدفعُ رأسي
ثمناً لكلمةٍ
أو ربما أموتْ
/7/2012 Issue 4252 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4252 التاريخ 16»7»2012
AZP09