البناء الإنساني يتطلب جهداً عقلانياً – نصوص – ياسر جاسم قاسم

195

عجز الإبداع الذاتي في المجتمعات

البناء الإنساني يتطلب جهداً عقلانياً – نصوص – ياسر جاسم قاسم

الانطلاقات المعرفية والنهضوية تتم من خلال خلق النهضة داخل المجتمعات والخلق واسلوبه هو ما نحتاجه في ظل عقلنة rationaliazing مهمة نطمح اليها كأسلوب معرفي لنهضة مجتمع وهذه العقلنة ونتاجاتها لانقاذ مجتمع من براثن ما وقع به لن تتاتى الا باسلوب حضاري رفيع قوامه ان السيطرة والانجاز يحتم علينا المواظبة والاستمرار وليس التقاعس والتخاذل ،يقول الاديب العقاد: في كتابه(انا) : قرأت مرة في تاريخ امريكا الشمالية ان الانكليز والفرنسيين تسابقوا على استعمار كندا فنجح الانكليز حيث اخفق الفرنسيون … لماذا؟ زعموا في تعليل ذلك واصابوا ان استعمار القفار من الارض البور يحتاج الى اوقات طوال في عزلة عن المدن الحافلة وان الانكليز نجحوا في استعمار تلك الارض لانهم يستطيعون ان يقضوا اوقات الفراغ منفردين منعزلين وان الفرنسي لا يطيق العزلة ولا يحتمل ان يفرغ لنفسه ولايزال في شوق الى المدينة لقضاء السهرات بين الناس في الاندية والمجتمعات ، فترك ميدان الخلاء لمن هم قادرون عليه” وحقيقة هذا موضوع يصور نجاح الامم في قيادة المجتمعات والانطلاق يكون وفق الية النجاح بالجد والاستمرار وليس الابتعاد والهجران، للمجتمعات ،فنحن بحاجة الى رؤية امكانات فكرة ما وامكاناتها الكامنة حيث تنتقل وتعبر عن نفسها بشكل مختلف تماما في ازمنة مختلفة  وفي اماكن مختلفة وتعتمد باستمرار على عملية اعادة التفكير واعادة الصياغة المبتكرة والنقدية ، كما اننا بحاجة الى التطورات والتغيرات عبر الزمان والمكان في كل لحظة في حالات الحاضر المتعددة ، لكي نستطيع ان نؤسس لنهضة حتمية وواقعية فحركة عصر النهضة وانسياقاتها العالمية تحركت في الاتجاه الصحيح واصبحت مسائل كالعرق وتشكيل الهوية والتنوع الثقافي مجالات الاهتمام الاساسية بالنسبة الى عصور النهضة كما اننا كمجتمعات العالم ككل، واليوم نرى المثقفون العالميون ينتقلون بثقافاتهم من مراكز عابرة للكوكبية حيث اضطلع هؤلاء ولايزالون بممارسات خيالية عابرة للثقافات فقد هؤلاء المثقفون العرب اساليب النهضة وعناصر القوة للمجتمعات المتقدمة وامام كل هذه الاساليب تبقى مسالة التغيير مسألة عصية علينا لان جذر التخلف قوي جدا ويصعب قلعه بفعل الرؤية الدينية المقيتة التي اكلت الاخضر واليابس فعلينا ان ندرك ان الثقافات تتقدم من الميلاد الى حيوية الشباب الى الانتاج الناضج الى الشيخوخة الى الموت، كما يعبر عن ذلك وولتر اندروز في بحثه (عصر نهضة مكبوتة )

كما ان وولتر يناقش اسباب فساد النهضة العثمانية وهنا اضعها بين قوسين فليست نهضة العثمانيين نهضة اذن علينا ان نبين ان النهضة كمصطلح يختلف من زمان الى اخر ومن فهم الى اخر فما يعتبره الاتراك نهضة هو بمفاهيم النهضة الحديثة او التي سادت في اوربا ليس بنهضة بتاتا.

والسبب قضية ابستمولوجية (معرفية) تتمثل بتاريخ استمرار بقاء بقاء نظريات سيئة السمعة بشكل واسع في الظل حول الثقافة والعرق وعلم الاجتماع بل وحتى التاريخ نفسه.

ناسف ان نرى اليوم عجز بعض المجتمعات عن الابداع الذاتي او الاصالة فمن خلال الابداع الذاتي والاصالة تستطيع الناس ان تبني سلم مجدها ،لقد استطاعت الثقافة الغربية ان تفرض نفسها على الكثير من الثقافات ولاسيما التركية والفارسية وذلك بسبب عدم قابلية هذه الثقافات على انشاء حداثة خاصة بها ،فمع الحداثة الغربية ومؤسساتها استطاعت الثقافة الفارسية وكذلك التركية ان تبرز بشكل جيد بسبب التاثيرات الغربية اما مفهوم النهضة عند العرب فقد ابتدا المثقفون العرب في استخدام المصطلح منتصف القرن 19 لوصف الاحياء اللغوي والثقافي الذي انتشر من مصر ولبنان الى سائر العالم العربي في العقود الاولى من القرن العشرين. واستخدم الباحثون الاوربيون المعاصرون عبارات مثل (الحداثة الاسلامية) و(صحوة العرب) لوصف الفورة الثقافية في القرن 19 واوائل القرن العشرين في الشرق الاوسط. والبعض من مثقفي العرب يشير الى ان العام 1798م هو عام بدأ نهضة العرب عند غزو نابليون لمصر والاصلاحات المؤسسية في عصر محمد علي باشا كفترة زمنية لازمة للهضم حيث شرع المثقفون العرب في اثنائها في استيعاب ما جاء به الغرب بالدرجة الاولى من خلال البعثات التعليمية العديدة الى اوربا وتمثل الحرب العالمية الثانية نقطة موت الليبرالية ومن ثم وفاة المشروع النهضوي وصعود الايديلوجيا في العالم العربي والاصولية وما رافقها من حركات متطرفة .

وبعضهم اشر الى ان صعود مبدا الحداثة الغربية عند العرب تجلى بفن الرواية فالرواية لها دور كبير في اطلاع الباحث على نشاة النهضة لدى العرب ، نحن اذن امام اشكالية كبيرة بخصوص نهضة العرب فنحن امام:

1-         رؤية اسلامية تقليدية للعالم.

2-         فكر علمي غربي.

3-         محاكاة لهذا الفكر واعادة انتاج لا حياة فيها.

4-         طريق تاريخي مسدود

5-         قلق من حدود جدلية بين اوربا والاسلام.

6-         افكار غير ملائمة للعصر الحديث.

7-         ازدواجية ميتافيزيقية قديمة  تتحكم بالمثقف العربي .

8-         سقوط المثقف العربي بفخ النزاعات الثقافية القومية واستعير من الكاتب سماح سليم بان المادي هو ميدان مهم ميدان الاقتصاد والكفاءة السياسية والعلم والتكنولوجيا ، ميدان اثبت فيه الغرب تفوقه وخض الشرق ومن ثم كان لا بد من الاعتراف بتفوق الغرب في هذا الميدان ودراسة انجازاته واستنساخها بعناية غير ان الروحي من ناحية اخرى ميدان الداخلي الذي يحمل علامات الهوية الثقافية الجوهرية لذلك كلما عظم نجاح الفرد في محاكاة المهارات الغربية في الميدان المادي عظمت الحاجة الى الحفاظ على تميز ثقافة هذا الفرد الروحية .

اما الترجمة وما ادراك ما الترجمة فلها اهميتها الكبيرة باطلاع الفرد العربي على نتاج الغرب وما وصلت اليه الاسس العلمية المثبتة التي اعتمدت لديهم اما بقاءنا مقيدين لانتاج الغرب وعدم درايتنا الكافية بمعارفهم وما توصلوا اليه وعدم اهتمامنا بالترجمة سيجعل من المحاكاة والبقاء على الحوادث شيء مقدس لدينا، ولكن وقعت الترجمة باشكاليات كبرى منها الترجمة الشعبية حيث ساهمت بالتشويه mutilation حيث نظر اليها الباحثين على انها ليست الا نوعا من الجريمة التي ترتكب ضد مؤسسات اللغة والادب بوجه عام، وضد النص الاصلي بوجه خاص اذ تتلاعب بالنص وتحذف منه كيفما تشاء كما انها تلجأ الى الكذب والغش والتشويه والسرقة لتحقيق غاياتها فالترجمة الشعبية سارق ادبي. هذا كمثال نضربه حول الترجمة لانها تعرف بالاخر .

فبفعلها كتب العرب قصيدة النثر بل ان بعض الادباء للاسف الشديد حذى حذو الغرب بشكل كبير حتى اضاع هويته في هذه القصيدة .

ومن اثار الترجمة ما قام به الملك الاسباني الحكيم الفونسو العاشر الذي حكم قشتالة ما بين ( 1284- 1252) للميلاد حيث رغب الفونسو في ان يطلع شعبه على الكتب الدينية للشعوب التي تعيش في اسبانيا لهذا امر بترجمة الانجيل من اللاتينية الى الاسبانية متحديثا بذلك الكنيسة التي تجرم كل من يترجم الكتاب المقدس عن اللاتينية الى اية لغة من اللغات وذلك حتى يحتكر الكهنة فهم النصوص الدينية وتفسيرها للبسطاء من المؤمنين كما امر بترجمة القران من العربية الى الاسبانية وامر بترجمة قصة الاسراء والمعراج كذلك وقام بها طبيبه ابراهام عام 1263م وعلى اساسها قام في العام التالي 1264م مترجم ايطالي اسمه بونيا فينتورا يعمل رئيسا لسجلاته بترجمة المعراج من الاسبانية الى الفرنسية واللاتينية أي ان الترجمة الى اللغتين تمت قبل ولادة دانتي بعام واحد وبالتالي يتبين اعتماد دانتي على هذه الترجمات في كتابه الكوميديا الالهية ( العربي، العدد 672، 2014 ، د عادل زيتون ، الملك الاسباني الفونسو والتراث العربي، ص 81) .

ملحوظتان:

1-         المحاكاة والتقليد الاعمى للغرب سوف يزيد في سقوطنا وعدم نهضتنا ، فنحن بحاجة الى المعارف المعتمدة على الذات والهوية المنفتحة على الغرب.

2-         الفونسو الحكيم اعطى للترجمة اهميتها لنهضة شعب وامة بالانفتاح على الاخر وهذا الانفتاح بحاجة الى عقلنة تكلمنا عنها ستقود الى ابستمولوجيا حقيقية وهنا علينا بالتفكير ولكن أي تفكير واي وعي يقود اليه التفكير .

مشاركة