كاباريهت وأقتراب موت الذات – اضواء – مؤيد داود البصام

113

سيرة مدينة من خلال شخوصها

كاباريهت وأقتراب موت الذات – اضواء – مؤيد  داود البصام

تبدأ رواية الكاتب حازم كمال الدين ، ( كاباريهت) الصادرة عن دار فضاءات للطباعة والنشر، بعمان – الأردن، 2014 بفعل أمر (انتبه لي جيدا ً )، وتنتهي بفعل الأمر ( انتظر وسترى )، وما بين الأمرين، تتحدث لنا داليا رشدي، التي تفصح عن نفسها بالقول: ” أكتب القصة والمسرحية منذ نعومة أظافري” ص9 ومجموعة الأصوات المختلطة بصوت المؤلف، تتحدث عن حياة مدينة، بما تمليه الأحداث اليومية ما بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية المشتركة معها، وليس سيرة شخصية للمرأة التي خطف زوجها، أو حادثة الخطف، فهي القضية الثانوية التي يعبر الراوي من خلالها ليروي لنا ما يحدث في مدينتها، والتي يبلغنا على لسانها، أن لا ننسى بأنها ما تكتبه، له ما يشبهه من القصص والحكايات تختلف وتتطابق حسب الظروف، لان اللاعبين هم أنفسهم في كل ما يدور على أرض الواقع من لحظة احتلال العراق ولغاية ما وصله الكاتب قي نهاية قصته، ” فالنص تجمعه وحدة هرمونية تشبه وحدة الواقع العراقي ” ص11، فالكاتب حدد منذ البداية أنه يكتب عن قضية ” وحدة مركزها التشتت ” وقد اختار الكاتب إسم الرواية بدلالة الفعل، أي إننا إزاء عمل يتسم بالحركة وتدفق الأفعال من كل الأطراف التي ستشترك في إخراج رواية،( كاباريهت )، والمأخوذ من تسمية مسرح الكباريه الذي ظهر في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وأخذت منه المسارح العربية والعراقية ما قدم باسم المسرح التجاري ومسرح الملاهي ومسرح الفكاهة، وقد تطور بمراحل حتى وصل لما يسمى، ( مسرح الكباريه السياسي )،  والكباريه المكان الذي يعلو فيه الضجيج، ويأخذ العقل استراحة أو يذهب في سبات، ويبقى للأشياء الحسية الدور الفاعل في واقع الحال، وكما كتب عنه ، د/ محمد عبد المنعم قسم المسرح بكلية الآداب nجامعة الإسكندرية: في الحوار المتمدن، ( أن مسرح الكباريه السياسي بشكله القريب من النمر أو الفقرات القصيرة – التي تعتمد على التصوير الكاريكاتوري الساخر الذي يبالغ في تجسيم العيوب والأخطاء – له عندنا جذور تتردد أصداؤها في فنوننا الشعبية الدارجة التي عرفها القرن التاسع عشر مثل فنون الفكاهة اللفظية، والمناورة، والتشخيص، والتحبيط، والفصول الهزلية القصيرة، وغيرها ممن عرفتها الأسواق والمواليد والمناسبات المختلفة من فنون شعبية دارجة.

ثم انتقلت هذه الفنون مع التعديل إلى الصالات والكباريهات في الثلث   الأول من القرن العشرين، فخرجت منها شخصيات مثل كشكش بيه وعثمان عبد الباسط بربري مصر، وظهر مسرح الكباريه السياسي في مصر فعليا ً في أوائل السبعينيات وبالتحديد عام 1972 م على يد المخرج المسرحي هاني مطاوع عندما قدم أول مرة عروض هذا المسرح، وهو عرض ( البعض يأكلونها والعة )، ومن بعده تبارى المخرجون في تقديم سيل من الاعمال الكباريهاتية بغزارة مثل (كلام فارغ)، (باي باي عرب )،( عفوا أيها الأجداد علينا السلام ) ، و(جحا باع حماره ) ، ( كأسك يا وطن )، ( العسل عسل والبصل بصل )، (اللعبة ) ، (مساء الخير يا مصر ) ، (لا مؤاخذة يا مستر ريختر )، وغيرها .ولكن قبل هذا التاريخ كانت هناك ثلاث محاولات  رئيسيات  مهدت الطريق لظهوره، “.

      وكتابة النص بهذه الصيغة، التي ذكرت أعلاه، هو تسديد مباشر من الكاتب لنقل ما يحصل في العراق من أحداث دراماتيكية، أشبه بالنكتة السمجة التي لا مفر لك إلا أن تتقبلها على مضض فهي الواقع الذي تعيشه، لأن حجم المأساة  أكبر من إمكانية استيعابها  في الرؤية الآنية، ولهذا يصعب تصورها بغير شكل الدراما المسرحية،  (فمهمة القصة هي أن تقص، ومهمة الدراما هي أن تفعل ويحول المأساة إلى ملهاة تعويضا عن عدم القدرة على تحويل الأمر الجارح إلى واقع آخر ). وعلى الرغم من أن المؤلف أراد من البداية أن يوهمنا بأنه يكتب سيرة ذاتية لحادث اختطاف، وأخضع الحدث إلى السخرية، إلا أنه لم يستطع من الاستطراد في الإيهام، ليكشف لنا، أنه يكتب عن مدينة وفي داخلها بشر بلغت بهم المعاناة حد الصراخ والاستسلام للألم من هوله، ويأخذ نموذجا لذلك، داليا رشدي خريجة كلية الفنون الجميلة، وهنا لابد من الأخذ بنظر الاعتبار إن المؤلف كاتب مسرحي وممثل ومخرج، وهو ما أضفى على السرد الحركة الدرامية، قبل أن يكون نصا ً استطراديا ً سرديا ً، ولهذا نجده نصا ً يبدأ من أول صفحة في الحركة والفعل، ولا ينتهي بنهاية الرواية، ( سأصبح أحسن كاتبة بالعالم. إنتظر وسترى ! ) ص143. وحتى يجرنا الكاتب إلى كشف اللعبة من دون إن يتدخل، اتخذ أسماء أبطاله، من تاريخ الف ليلة وليلة، السندباد وعلاء الدين، وهما أشهر شخصيتين في العالم للإشارة إلى بغداد.

المدينة سيرتها بسيرة أشخاصها..

 في بداية الرواية تضع داليا رشدي ملاحظتها المهمة ، ( فإذا وجدت أي تشابه في هذا الكتاب مع الواقع أو الوقائع قل إنه تضمين أو تناص أو تلاص  ! ولا تقل  إنه “محض صدفة ” كما درج القول..إذن أحداث المدينة واحدة، دخلها عفريت علاء الدين وأصبحت في قبضته، وما يحدث هنا أو هناك هو تواصل لفاعل واحد، دخل المدينة وعاث فيها الفساد، إنه احتلال بلد واستباحته تحت سنابك بساطيل جنوده، وعلى هذا البناء يتحرك حازم كمال الدين في رواية مدينة بغداد التي احتلت وحدث فيها ما حدث، وهو ينتقل بين أحيائها وشوارعها، لا كما يتحرك بطل رواية يوليسيس. لجيمس جويس (ستيفن ديداليوس )، بتسلسل مبرمج، انما بشكل عشوائي يصور الانطباع الذي وصل له الواقع و عشوائية الحياة، وعبثية ما يحدث، متخذا من اللقطات السريعة، والمونتاج السينمائي أسلوبا لتبليغنا ما يحدث، كما تنتقل الكاميرا لتصور عدة مشاهد في الوقت الواحد، لإعطاء بانوراما عن الحدث، بثلاث أبعاد. (قبل أن أشرع اليراع اختطفوا زوجي ذات 2007. آثار الخاطفين ابتزاز وإشارات إغواء )ص7. الرواية تملؤها الرموز والشفرات، بعضها تصوير مأساوي لما يحدث، والأغلبية سخرية سوداوية لما حدث ويحدث، وضع من الصعب الكتابة عنه إلا ضمن الملهاة، وهو ما نجح فيه المؤلف، وساعده الإمكانيات التي تتيحها الرؤية الإبداعية لمعالجات المسرح للواقع، وهذا التصور جاء كما ذكرنا كون المؤلف مسرحيا، فاستغل إمكانيات العمل المسرحي ليوظفها في عمله الروائي الأول، وتحرك في المدينة، ضمن فهمه السينوغرافيا بصورتها البانورامية، وليس ضمن محددات الديكور فقط.

السرد يلاحق الأحداث.. والأحداث تلاحق الــــسرد..تبدأ القصة من لحظة اختطاف زوج داليا رشدي، والذي أسمته السندباد، وكما سبق أن أشرنا فان استخدام أسماء ذات رمز، وضعها الروائي بقصديه، وخلال سردها للقصة يتناوب عدة أشخاص مع المؤلف، لرواية مكملات الحكاية مع الشخصية الرئيسية داليا، ولكن كل واحد من وجهة نظره، تجاه الأحداث، وربط في أثناء ذلك بين الماضي والحاضر باجتهاد كبير، وسط فوضى الحاضر المقسم حسب رؤية الطائفيين والفئويين الذين استلموا زمام الأمور من المحتل، وأسسوا مقاطعاتهم  على حساب دماء الجماهير ” بيتنا في جمهورية الجامعة.ص16 / اتجهنا إلى سلطنة البياع. طابور عند الحدود. انتظرنا الوصول إلى نقطة التفتيش. ص17 / كنا دخلنا منطقة التماس والقناصة عند منطقة الكسرة. كلية التربية الرياضية، أقصد الجدار الذي كان يوما كلية التربية.ص19 / طابور قصير عند الثقب المؤدي إلى الأعظمية، ص19/ انتظرنا عبور النقطة ساعات همس السند باد: أنظر وراءك إعلانات حزب كردي، بيارق سوداء، صور زعماء.ص19 ” ، في هذه البنوراما المؤسسة على الكوميديا السوداء يعرضها علينا، ويتجول بنا حازم كمال الدين، لاكتشاف غابة استوطنها المتوحشين، بعد أن كانت مدينة حضرية يضرب فيها المثل، ويعودها العشرات لما تزخر فيه من عبق عطر التاريخ والحاضر، لتتحول إلى مقاطعات وأقسام لكل فئة سياسية وطائفية، وتفرض هذه الفئات وجودها بالقوة والقهر على الأطراف الأخرى، وهو بتنقلاته يروي معاناة المواطن العادي من حكومة المحاصصة والطائفية التي أسسها المحتل، والعصابات والمليشيات التي تتحكم بمصائر المدينة وأهلها، من دون انحياز لطرف من الأطراف، لان اللوحة ممتلئة بأفعالهم من هذا الطرف أو ذاك، لأجل مصالحهم الذاتية والمكاسب الشخصية، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنه وضع الراوي في موقع فنان وكاتب، وتمثله داليا رشدي، وابنة كاتب وفنان من الأغلبية الصامتة، وبهذا حل الإشكالية لهذه الفوضى، عندما أزاحها من على كتف المثقفين والمتحضرين، ووضعها في يد المتخلفين والجهلة، الذين استلموا زمام الأمور وفرضوا وجودهم وأفكارهم وعاداتهم المتخلفة والظلامية لتسود المجتمع وتتلاعب بمقدراته، إن فرضية محاكمة الرواية أو النص من خلال حادثة الاختطاف، أو ما وضعه من بطلة للقصة، ومساعداها السندباد وعلاء الدين، تبطلها بانوراما المدينة المأساة، فالرواية عن قصة المدينة التي اجتاحها الوباء، ووضع البناء المعماري لسردها، مستغلا نقطة معينة ليتحرك ضمن الرؤية المحددة بحادث الاختطاف وينفتح على عالم متسع من عشرات الحوادث المتشابهة أو المختلفة التي تروي قصة المدينة، ” مضت أشهر طويلة دون أن يفهم بان ما أرويه هو عين الحقيقة وأن كل شئ في الحياة هو انتحال بما في ذلك الاتفاق معه على اختطافه من كتاب الف ليلة وليلة وتحويله إلى بطل معاصر قي هذا الكتاب ” ص74 ، وهذا ما يجب أن يدركه القارئ، بان الرواية مرويات لما حدث ويحدث في مدينة السلام والتي تحمل إرثا ً حضاريا ً منذ عدة قرون، ” وكالفصل الذي ” يحتقر التقاليد” عندما تناولت وجبة الطعام العراقية الشهيرة ” الباجة  ” وجمعت على مائدة واحدة فرسان الدولة الاسلامية والمليشيات، والحرس الوطني، والحاتي، وجنود أمريكان طامعين بتعلم تقنيات تفكيك الباجة تزلفا لمزاج الروح العراقية. ” ص74 . ويروي المأساة التي عاشها الشعب العراقي ما بعد الاحتلال، رواية ( كابهاريت )، الصورة التي سوف تبقى في ذاكرة العراقيين، وكيف طوح بأحلامهم، على أيدي من كانوا يعتقد ونهم، جزء من الحلم، ولكنهم لم يكونوا إلا ما مثلهم في الرواية (علاء الدين ). جزء مما جاء به الاحتلال، والتركيبة التي أرادها الاحتلال لتنفيذ برنامجه الذي جاء من أجله، وأحلهم بديلا عنه في تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي والبغدادي، وتدمير البنية التحتية ، والعلاقات والوشائج.

مشاركة