محسن الموسوي يكشف لـ (الزمان) تفاصيل المؤامرة على شقيقه عزيز السيد جاسم سيرة مفكّر يتنبّأ بمصيره فيختار المواجهة بدلاً من الهرب

739

محسن الموسوي يكشف لـ (الزمان) تفاصيل المؤامرة على شقيقه عزيز السيد جاسم سيرة مفكّر يتنبّأ بمصيره فيختار المواجهة بدلاً من الهرب

الردود تتفاعل مع الكتابات المبكّرة برسائل تعنّون إلى الرفيق موريس في جريدة الحزب الشيوعي

رفض تحذيرات شقيقه من غضب رأس السلطة عليه والتزم موقف المثقف العضوي

السفير العراقي في تونس يتصل بروائي مصري لوقف مذكرات الناقد في 1995

بغداد ـ الزمان

خص استاذ الادب العربي في جامعة كولومبيا بنيويورك والجامعة الامريكية في الشارقة بدولة الامارات الناقد محسن الموسوي (الزمان) بتفاصيل وحقائق غير مكشوفة عن المؤامرة التي تعرض لها شقيقه المفكر المغيّب عزيز السيد جاسم اثر تاليفه كتاب (علي بن ابي طالب سلطة الحق) وكيف كان لإمرأة ان تؤلب رئيس جهاز المخابرات في ثمانينات القرن الماضي لتدبير مكيدة تطيح بالسد جاسم والموسوي مرة والى الابد ، لكن المفكر كان على علم مسبق بالمكيد واخفاها عن شقيقه لحمايته واقدم على الانتحار داخل موقف الامن العام من اجل عدم توريطه بقضية الكتاب.

كما يكشف الموسوي عن دوره في ايصال نسخة الكتاب الى صاحب دار الاداب البيروتية سهيل ادريس عندما كان في بغداد وعن تدخل ادباء عرب ومطالبتهم السلطات بالافراج عن المفكر وشقيقه ومنهم محمود درويش وجمال الغيطاني وغالي شكري وغيرهم من الادباء المصريين الذين شنوا حملة واسعة لاخلاء سبيلهما اضافة الى كشف حقائق ما زالت ملتبسة او غير معروفة من مصدر موثوق.

سيرة لم تكتب

 لكتابة المذكرات أسباب. سأترك الذاتية منها حتى حين فالكتابة عن شقيقي عزيز السيد جاسم تعني ضمناً الكتابة عن تاريخ الحركات السياسية و الاجتماعية في عراق ما بعد ثورة 1958، كما أنها تعني حفراً فيما يشوبه التباس، لا لغياب (موضوعية) الحدث، ولكن لأن مثقفي الحركات السياسية في العراق هم قادتها في أحيان كثيرة، و هم سر التباسها و هفواتها أيضاً. فتاريخ المثقفين العراقيين غالباً ما تأثر بمثالية المبادئ والشعارات التي حالت دون رؤية الواقع و حالت دون الاشتباك الفعلي و المعرفي مع الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية للسكان و أحوالهم و مشاربهم و دياناتهم و طبقاتهم و انتماءاتهم المتباينة ما بين القرى و الارياف و العشائر و الحرف و المهن و الطبقات و الوظائف. و هذا ما يدعوني اليوم الى كتابة هذه المذكرات ، فعزيز السيد جاسم لم يكن قارئاً شغوفاً بالمعارف الانسانية و منذ سن مبكرة تماماً فحسب، كما لم يكن كاتباً مبتكراً منذ تلك السن وهو يخط مراجعاته للايدلوجية الشيوعية في العراق و يقدمها لجريدة اتحاد الشعب سنة 1959 ليستلم هو و القراء الردود المعنونة الى “الرفيق مورس”. لا بل كان فاعلاً في التنظيمات الطلابية و الفلاحية ووصل عضوية اللجنة المحلية في لواء ذي قار على الرغم من ان انتماءه للحزب الشيوعي لم يتجاوز بضع سنوات، منذ سنة 1956، و هو لم يزل طالباً في السنة الاولى من دار المعلمين الابتدائية في الناصرية و عمره خمسة عشر عاماً و لغاية عام 1960 عندما قرر الانفصال عن الحزب الشيوعي، و معايشة الفكر الماركسي و القومي و الاسلامي في معادلة صعبة لكنه وجدها ملزمة في ظل اوضاع العراق الفعلية لا المتخيلة. و لهذا راهن بعد ذلك على الحركات التي تسعى لجمع هذه صدقا و اخلاصاً أو بطراً و ادعاءاً. هنا تلتبس الاراء بشأن مسيرته، و يكثر الادعاء و التلفيق مماَ يستدعي الكتابة. ولهذا جاءت هذه (السيرة). هذه الاسباب مجتمعة هي ما نحن بأمس الحاجة اليه، لاننا بازاء مثقف و مفكر أخلص حتى الموت للمعتقد و الضمير و حب شعبه و أسرته. و لم يوارب و يداهن في ذلك. رأى الموت قادماً فسعى نحوه برباطة جأش سيدركها كل من يقرأ هذه (السيرة). ينبغي ان نتذكر – كما سيتبين بعد حين – انه ولد سنة 1941، و آثار الحرب الثانية طالت القرى و الأرياف و الأوضاع طيلة الأربعينات. كما انه ابن عائلة عرفت بين الناس بانها من “السادة”، اي من نسل أهل البيت. و على الرغم من ان مبادئ عزيز اللاحقة تباعدت عن كل ذلك، الا ان المجتمع استمر في التعامل بموجبها، كما انها بقيت في عمق افكاره، و قادت أيضاً الى علاقته الوطيدة بتاريخ آل البيت لاحقاً.

  ماطلتني كتابة هذه (السيرة التي لم تكتب) منذ سنوات. و كلما سعيت إلى كتابة غيرها سرداً أو تعقيباً و جدتها تحول دون ذلك، فلاهي آ تية بطواعية، و لا هي تفسح المجال لغيرها بالحضور. و تساءلت كثيراً عما يحول دون الكتابة على الرغم من انني شرعت فعلاً بها من قبل عندما بادر أخي و صديقي الروائي المصري جمال الغيطاني الى نشر جزء منها في أخبار الأدب (1995) بعنوان: “عزيز السيد جاسم: سيرة لم تكتب”. و كان سفير العراق في تونس حينذاك قد اتصل اثر وشاية ما طالباً بصراحة التوقف عن نشر مذكرات أدبية و شخصية. لكني قررت التوقف لسبب آخر، وهو سبب يمتلك وجاهته: فهل يكفيني أن أسرد معلومات و بضع وقائع؟ هذه لا تقدم عزيز السيد جاسم تماما. ويتفق صديقه الشاعر العراقي عبدالرحمن طهمازي معي في ذلك: فثمة لمسات خاصة وايقاعات ذاتية و شجون تغيب عن بال العشرات الذين يدعون معرفته، لكنها معروفة عند اصدقائه الخلص، أو عند الفقراء و المعوزين و المنكودين الذين افتقدوه بدموع حارة و آلام ولوعات منذ أن أقتيد في تلك الايام الكئيبة ليلة عيد الاضحى سنة 1991 و التي صادفت الايام الأولى من شهر أبريل (نيسان). قبل عيد الاضحى بيوم و ليلة جاءني السيد جاسم، وهو عامل أوكل له عزيز مكتبة و مكتب استنساخ اعتبرهما في حينه مصدر رزق له و لعائلته. لكنه لم يوفق في كليهما للزوم الاشراف عليهما توكيلاً من الدوائر الامنية. فكل مكتبة أو مكتب استنساخ ينبغي ان يرتبط بدوائر الأمن و باشرافها. لم يوفق ذلك المشروع، و بقى شبه مهجور، خالٍ من الكتب و كاسد في مسعاه. جاءني السيد جاسم مهموماً ليطلعني على ما جرى للسيد ابي خولة. جاءت سيارة بيضاء فيها ثلاثة من “الشعبة الخاصة” و طلبوا منه مرافقتهم. و غاب. و سعيت، و سعى معي صديقه الشاعر حميد سعيد. و لا طائلة.

  لكن الغصة التي اختنقت بها منذ ذلك الحين أكبر من ان توصف: فأبو خولة قد طلب مني قبلها بأيام مرافقته لزيارة الوالدة. و انشغلت عنه، و غاب و لم يرها، و غاب و لم أره. و غاب و لم تره (العلوية) كما تسمى والدتي لنسبها الى آل البيت التي عرفت ان مثل هذا المصير ينتظره. نبشت الأرض بعود خشب بقربها بهدوء، و هي عادتها كلما ألم بها القلق و التوتر. قالت أخشى ما قاله له الكشاف. و الكشاف هو قارئ طالع، و كان قريباً مقرباً لعائلتها، لا يقرأ الطالع الاّ للاصفياء الخلّص. الححت عليها أن تفصح. قالت أخشى ان أفصح فيكون ما قيل حقيقةً. و يقال ان تكرار ما يقوله هؤلاء القراء يعني وضع بصمة الواقع على المُقال. لكنها رأت أن الأمر قد يكون كما قال قارئ الطالع. مهدت لذلك بما رأته في الحلم: كيف انها ابصرت دجاجة تنكث ريشها و تقوم وحيدة، و تخشى ان تنتهي هي كذلك، بلا ابن يقف عليها عند وفاتها. و هذا ما جرى فعلاً بعد سنوات. فعزيز غاب قتيلاً شهيداً مظلوماً، و أنا طريد في الخارج، و عباس كذلك، و أخي محمد الذي رافقها طيلة تلك السنوات غاب ذلك اليوم عنها.

  قالت بعد أيام ان قارئ الطالع قال ان ابنها البكر سيغيب و يغيب عنها. و ذلك ما حصل. قتل مظلوماً في العام نفسه. و عندما سأل الشاعر حميد سعيد رئيس البلاد الذي أمر باعتقال ابي خولة، كانت الاجابة لا تتعدى كلمة واحدة: اتركه. و فهمت ذلك على انه قد انتهى و قضى شهيداً. لكني ماطلت، و جاهدت لأكذب نفسي بالتمني. اتذكر ان الناقد عبدالله رضوان (و هو فلسطيني/أردني) قال لي عام 1992 أن (مؤنس الرزاز) لم يزل يتحدث عن والده الدكتور منيف الرزاز الذي قضى سنة 1981 و كأنه لم يزل حياً. ثم أضاف: انه يفعل ما تفعله أنت اليوم و كأن عزيزاً لم يزل حياً. الدولة تمادت كذباً و تلفيقاً، اما الذي جاء بالخبر فلم يكن غير صحفي ساذج اسمه هاتف الثلج الذي كان محط رعاية ابي خولة في يوم ما. قيل انه كان من بين الوشاة، إذ سرعان ما أصبح مرافقاً صحفياً لرئيس البلاد في نيسان 1991. قال ذلك الصحفي المبتدئ: آل جسد أبي خولة الى عظام. لكني لم أفصح بعد عن هذه المماطلة. و تراني أجاهد نفسي لأغالب ما اختنق به: فالرغبات العادية شغلتني عن ابي خولة، و غبت عنه، و لم يزر والدته اضطراراً، و قيل انه أبلغ اصفياءه ان نهايته قريبة و هو مزمع على مواجهة الموت. و منذ بدء العدوان أو قبله بقليل تملكته كآبة شديدة و سوداوية عميقة: قال لحميد سعيد أن العراق داخل نفقاً مظلماً لا نهاية له. و عندما سعيت بعد اسابيع من البرود الى انتظاره على رصيف الشارع أمام مكتب الاستنساخ الصغير جداً في أحد فروع شارع السعدون ببغداد رآني عن بعد، و كان قد قطع الطريق مشياً على الأقدام الى مرقد الامامين في الكاظمية ذهاباً و اياباً. كان يرتدي بدلة زرقاء كالحة. و بان عليه الشحوب. غاب عني معنى ذلك اللون، و هو لون اللوعة و الحزن لدى المتصوفة.

و كان قد بلغ مجاهدات المتصوفة في تلك السنوات، و تحديداً منذ 1988. رآني عن بعد، فتكسرت الكآبة تحت وقع ابتسامته، تلك الابتسامة التي تجب غيرها، الابتسامة التي تجعل عبدالرحمن طهمازي يتذكرها و يغيب فيها باكياً بلوعة كتلك التي يحتمها الغياب الذي غابت معه الابتسامة. تورد وجهه بتلك الابتسامة، و هربت الكآبة. و أوضحت له ما كان شائعاً بين المثقفين من أن رئيس البلاد يمتلئ غضباً عليه. و يبدو ان الوشاة قد أكثروا حقداً و تمادوا كذباً. و لربما قال أبو خوله كتابةً ما رأى لزوم قوله كمثقف يأخذ دوره بجدية منذ نعومة أظفاره.

  و لكن هل كان التصوف الذي التزمه أبو خوله جديداً عليه منذ اعتقاله سنة 1988؟ كان الاعتقال حاسماً بدون شك. قبله بأيام و في مطالع شهر حزيران تكرر الكلام كثيراً عن كتابه المزمع نشره بعنوان (علي بن ابي طالب سلطة الحق). تكرر الكلام. و كان الدكتور بشار عواد معروف يعاني أزمة فعلية و هكذا رأيته كلما التقيته في مقر الجبهة الوطنية و مؤتمرها الوطني الذي يديره الراحل حسن العامري. كان العامري قد أبعد عن دائرة الفعل السياسي، و أنيطت به مهمة جمهرة الجمعيات العراقية و العربية لحشدها في الأزمات. و التقيت بشاراً بصفته ينوب عن (المؤتمر الاسلامي)، و عن (المؤرخين).

  لم أكن أدري أن دوراً موكلاً اليه، كما أوكل الى غيره لتجريم كتابات عزيز السيد جاسم. كان و لربما عاش صراعاً داخلياً، وهو ما لا أستغربه، فالدكتور رشدي عليان رحمه الله زارني بعد أشهر، اثر خروجي من الموقف معتذراً، لا عما جرى للكتاب و مؤلفه سنة 1988 ولكن لما جرى لي بسبب ذلك. اما الدكتور عرفان عبدالحميد، استاذ الفلسفة الاسلامية في جامعة بغداد، فقد جلست مصادفة جواره في مؤتمر ببغداد، قبل يومين من اعتقالي و شقيقي. استغربت حرجه من هذه الجيره و تململه، و كأنه يخشى أن يراه آخرون في مثل هذا الموقف. كان يحظى برعاية الدكتور فاضل البراك مدير المخابرات حينذاك، ويود الابقاء على هذه الرعاية. لم أكن عارفاً بما يدور. و يبدو أن بشاراً قد أوكلت له مهمة قراءة الكتاب بهدف منعه أو تحريمه. و أغلب الظن ان دائرتي المخابرات و الأمن طلبتا منه ذلك. الذي اعرفه انه كتب تقريره سلباً ضد الكتاب. و كتب مثله الدكتور رشدي عليان رحمه الله و الدكتور عرفان عبدالحميد. فكلاهما كانا من خبراء الدكتور فاضل البراك عندما كان مديراً عاماً للأمن و بعدها لجهاز المخابرات. و كان ابو خوله (عزيز السيد جاسم) قد كتب مؤلفه في شهر رمضان، و عرضه للنشر، لكن وزارة الثقافة و الاعلام احالته الى وزارة الاوقاف. و كان بشار خبيرها و أحد مستشاريها. و لهذا لم يجد الكتاب طريقه للنشر. و لم يكن الأمر غريباً: فالنزعة الطائفية، اخذت طريقها حينذاك لسوء الحظ. و بدأت (الاوقاف) تعيش خطاً تمييزاً بين الكتب (الموثوقة) و (غيرها): فاليعقوبي و المسعودي و ابو الفرج، و دعبل الخزاعي، ناهيك عن الطوسي و غيره يدخلون باب الدخيل الذي لا يعتد به. لكن بشاراً كان يعيش ازمته إذ كان متوتراً حاداً بدون مناسبة. و استغربت ذلك، حتى جاءني المرحوم الدكتور عصام عبدعلي، و كان من قبل وزيراً للتعليم العالي، و حذرني بسرعة ان بشاراً يشترك في طبخة خاصة ضد شقيقي، و لربما ضدي. و اخبرت ابا خولة. في يومها اخبرني ان المرحوم عبدالرحمن الدوري – و كان مديراً عاماً للأمن العام اتصل به – و طلب نسخة مخطوطة من الكتاب. واعتبر ابو خولة ذلك دليلاً على فشل مكيدة الاوقاف. و كتب مقالة في جريدة العراق يميز فيها بين أنواع الرقابات و الممنوعات، واردفها بأخرى ينبه فيها الى مخاطر الانزلاق في الطائفية، و أخرى يشيد فيها بذكرى الامام الحسين بن عبدالله، و تالية يشكو فيها ما يجري لنخيل العراق و بساتينه من هدر و تدمير و قطع و بتر: (ارحموا عمتكم النخلة).

  لكن الضالعين في كل ذلك يتآزرون في أمر واحد: مصالحهم أولاً. اما مصلحة الوطن و ارضه و اناسه، و اقتصاده، و تكوينه وجغرافيته. فكلها في خبر كان، لا تعنيهم بشيء. “كل شيء للمعركة “: بمعنى تدمير البلاد تحت راية الادعاء بالمعركة القومية مع ايران. كانت الحرب ثماني سنوات من الدمار  القحط والتلف. و المثقفون يسعون جاهدين للحيلولة دون التدهور.

مشاركة