فيحان لـ (الزمان): الإعلام يواجه تحديات في ظل سيطرة النفوذ الحزبي
مقوّمات النهوض بالصحافة المستقلة توفرت بعد 2003 والتطلع نحو منافسة النظيرات الدولية
كربلاء ـ عبدالهادي البابي
يشغل ميدان الصحافة والاعلام في البلدان المتقدمة اهتماما بارزا من لدن الحكام من اعلى مستوياتهم لاصغرها لما له من تاثير في تحريك الراي العام وتغيير بوصلة المسارات الحكومية ، وبعد 2003 تغيرت مهام الصحافة والاعلام في العراق وانتقلت نوعيا لتدخل فضاءات اكثر انفتاحا لتقويم الاداء الحكومي وغير الحكومي لكن ذلك لم يمنع من ظهور وسائل اعلام دخيلة او موجهة من شانها تشويه صور معينة او خلق صور اخرى والترويج لها بما يخدم المصالح الفئوية او الحزبية.وعن الطموح والتطلعات والواقع الصحفي والاعلامي التقت (الزمان) بالتدريسي في قسم الصحافة والاعلام بكلية الاداب في جامعة اهل البيت بمحافظة كربلاء محمد عبد فيحان وكان معه الحوار التالي:
{ تعد الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى احد ابرز الجهات الفعالة لمواجهة هذه التحديات التي يمر بها البلد من مختلف الجوانب فما هو برأيكم الدور الذي يجب أن تضطلع به الصحافة والإعلام في مسؤولية الحفاظ على تماسك الدولة ؟
ــ إن مسارات الخطاب الإعلامي في العراق تسير بأتجاهين الأول تمثله الصحافة الحرة والإعلام المستقل نسبياً وهو ما يمكن أن نطلق عليه إعلام الوطن والمواطن و الثاني إعلام السلطة والأحزاب الحاكمة وهو خطاب يهتم أكثر ما يهتم بمصالح الجهة التي ينتمي إليها سياسيا أو مذهبيا أو حزبيا أو قوميا أو حتى عشائريا , لان الكثير من وسائل الإعلام والصحافة وبضمنها الإذاعات والفضائيات ما عادت تعمل بمعايير مهنية ومبادئ وقيم أخلاقية صحيحة وتبنى على ركائز فكرية وثقافية راسخة وإنما انبرى كلُ من يملك مالاً ومنصباً ونفوذاً ليؤسس أو يفتح قناة إعلامية تبشر لحزبه أو لشخصه أو لمذهبه أو لعشيرته سواء في الانتخابات أم غيرها ولهذا اختلطت الأوراق وتداخلت الخنادق وضاع صوت الخطاب الإعلامي الحر الحقيقي وسط هذه الفوضى من الصراخ والضجيج ,بل راح الكثير من الطارئين على مهنة المتاعب يحاربون هذا الصوت الوطني الحر ويشوهونَ معالمهُ بكل الطرق الخبيثة.
{ ما هي المقومات التي يجب ان تتصف بها وسائل الاعلام؟
ــ أنا أعتقد إن الإعلام الحقيقي الذي يتحمل مسؤولية الحفاظ على تماسك الدولة ومناعتها ضد التحديات الخطيرة داخليا وخارجيا هو الإعلام الذي يتصف بالخصائص والسمات التالية :
1-الصدق والأمانة في نقل الخبر والمعلومة والحدث أولاً بأول دون تزييف أو كذب أو مبالغة أو تهويل أو حجب أو استغلال لوعي الجمهور.
2-الجرأة والشجاعة في قول الحق والحقيقة ومجابهة الظالم الجائر والدكتاتور بعيداً عن التزلف والمجاملة والمحاباة لأغراض مصلحية وكشف الفساد والمفسدين ومحاربتهم وفضحهم أمام الرأي العام ,مهما كلف ذلك الصحفي من ثمنٍ باهض وتضحيات غالية و خسارات فادحة لمكاسب مرحلية زائلة .
3- التأكيد على الانتماء الوطني وحب الوطن والتضحية في سبيله , واعتباره الانتماء الأول والأكبر و الأشرف الذي يسمو ويعلو على كل الانتماءات والهويات الأخرى وتحمل مسؤولية الدفاع عنه بالكلمة الحرة الصادقة والقلم المبدع الشريف والفكر الوطني المنفتح الذي لا يرمي أمامه هدفاً أعز وأغلى من هدف مسؤولية الحفاظ على العراق موحداً تأريخاً وحضارةً وأرضاً وشعباً .
4-الاهتمام بهموم المواطن ومشاكله وآماله وتطلعاته وخدماته وبالأخص الشرائح والفئات الفقيرة والمحرومة والمهمشة واعتبارها من الأولويات في المعالجة والحلول سواء مع الجهات الحكومية أم غيرها .
5-على الإعلام أن يكسر حاجز الخوف في نفسية المواطن وأن ينقل هذا الخوف من المحكومين إلى الحاكمين بجعل رجال السلطة يخشون المواطن ويخافون من صوته وإرادته عندما يقصرون تجاهه .. لأن هاجس الخوف والقمع الفكري عند الناس يساهمان دائماً في صناعة الدكتاتور بطريقة أو بأخرى , فعندما نُحطم هذا الهاجس ونَقتلعهُ من القلوب ونلغي مظاهر التملق والتمجيد والنفاق السياسي للحاكم سوف نكسر ونحطم قيود الديكتاتورية ولن نساهم في صناعتها , لأن الإعلام الحر يخيف الديكتاتور ويؤرقه.
6- توخي الدقة والموضوعية في تناول الأحداث والمشاكل والقضايا المهمة والمصيرية والالتزام بأخلاقيات مهنة الإعلام في العمل الصحفي والإعلامي على صعيدي العاملين والمؤسسات .
بهذه الخصائص والسمات يمكن للاعلام أن يطبع بصمتهُ الواضحة في محراب المسؤولية والحفاظ على تماسك الدولة أرضاً وحكومة وطنية . { كيف يمكن لوسائل الصحافة والإعلام معالجة مشاكل المجتمع وهموم الناس إذا كثرت أمامها المحذورات وبُثّت في طريقها العثرات وأزدادت الممنوعات في كل صغيرة وكبيرة ؟
ــ وسائل الإعلام والصحافة هي الكاسحات الكفيلة بإزالة كل الألغام الممنوعات والمحذورات والعثرات لأنها سلاح فكري سلمي فعال بيد الشعب للدفاع عن قضيته المصيرية والانتصار لها و نحن نواجه تحديات كثيرة وكبيرة في مقدمتها آثار الاحتلال الأمريكي والتدخلات الأجنبية في بلدنا وكذلك التنافس و التنابز الطائفي المقيت لدى البعض من السياسيين وازدياد مظاهر الفساد والمفسدين بالمال العام وإدارة بعض مفاصل الدولة المهمة والحساسة من قبل السراق واللصوص وما أكثرهم وعلى مستويات عالية جداً من المسؤولية الحكومية العسكرية والمدنية ,أضف إلى ذلك المحاصصة الحزبية والمذهبية والعرقية التي عصفت بالعملية السياسية وشوهت وجهها الذي كنا نحلم به وجهاً ديمقراطياً أبيض مشرقاً ناهيكَ عن النقص الواضح والكبير في جميع الخدمات الأساسية للمواطنين فضلاً عن الأزمات والصراعات السياسية التي لا تنتهي على الكراسي والمناصب والامتيازات ووجود السلاح الخفيف والثقيل وبكثافة لدى ميليشيات متعددة و متنفذة خارج حدود الدولة وإرادتها وكذلك التأمر على العراق بهدف تقسيمه وإجهاض وحدته الاجتماعية والحضارية والوطنية وهناك تحديات أخرى كثيرة كلها مطروحة أمام الإعلام تعرقل وتعيق عمل الإعلامي والمؤسسات الإعلامية المستقلة ومع ذلك فأنا أجدُ إن وسائل الصحافة الحرة والإعلام الوطني المستقل هي في قلب قضايا المجتمع ومشاكله وهمومه لمعالجتها والصدح بها أمام الملأ رغم العصي التي يضعها الفاشلون في عجلة هذا الإعلام ورغم الإساءات والاعتداءات التي يتعرض لها الصحفيون وهم يواجهون هذه التحديات ومخاطرها الجسيمة .
{ الناس عادة تتوق إلى الحقائق مهما كانت مؤلمة وجارحة وهي تكره الرتوش والخداع والكذب فهل أن صحافتنا وإعلامنا اليوم بمستوى هذا التفكير لدى الجماهير العراقية ؟
ــ نعم صحافتنا الحرة وإعلامنا المستقل بمستوى هذا التفكير لدى الجماهير العراقية وان كان دون الطموح ولكنه يتطور بتطور الإيمان بالعملية الديمقراطية و أقول بصراحة أن من ايجابيات التغيير السياسي بعد عام 2003 انطلاق حرية التعبير والرأي فقد سقطت الهتافات والشعارات التي تنادي (بالروح بالدم نفديك يا فلان) وحل محلها الشعار الوطني والهتاف الوطني الحبيب (بالروح بالدم نفديك يا عراق) وأختفت من الشوارع والساحات العامة والبنايات والمؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس صور القائد الضرورة بمختلف أشكالها وأحجامها وصناعاتها لتحل محلها خارطة العراق العزيز كذلك انتهت مرحلة الخضوع والإذعان والعبودية لكل ما يقوله الحاكم أو يأمر به وبدأت مرحلة الحوار والمناقشة ومحاسبة المسؤول مهما كان منصبه ومهما كانت سلطته حينما يقصر أو يخطأ أو يتلكأ أو يسرق أو يبتعد عن خدمة الناس ليبدأ زمن العمل المخلص والعطاء البناء انتهت فترة الأسماء والالقاب المجاهد و البطل و الهمام و العظيم و الملهم و وغيرها لتبدأ فترة تسمية الحاكم أو المسؤول باسمه وبصفته الرسمية لا غير بدون هالة من التضخيم والتعظيم لا يستحقها فهو عندما يقدم انجازاً للشعب ليس منة أو مكرمةً منه وإنما هو بوصفه خادماً للشعب هذا واجبه الحقيقي الذي عليه أن يؤديه بأمانة ونزاهة ومسؤولية تاريخية لخدمة الشعب الذي انتخبه ووضعه في هذا الموقع الأمامي المتقدم ..وعندما يقصر في واجبه الوطني يتعرض للمساءلة الشعبية والقانونية أمام الله والشعب والقضاء ..هكذا تسير الأنظمة الديمقراطية في العالم المتمدن وهكذا تفعل وتمارس وهي تؤمن بحرية الإعلام والصحافة وتحترم الإعلامي والصحفي وتُشرع له القوانين الدستورية التي تكفل له حرية العمل المهني وتضمن له سهولة الحصول على المعلومة المطلوبة دون قيود أو مضايقات أو تجاهل أو إذلال وتحترم إرادته في قول الحقيقة مهما كانت مرة وقاسية بعيداً عن الرقابة والتعسفية الصارمة وتكميم الأفواه.
{ برأيكم هل تحتاج الصحافة العراقية إلى قوانين جديدة مثلاً علاقة الصحفي مع المؤسسات الإعلامية وضمان الحقوق وغيرها ؟
ــ نعم الصحافة العراقية وحركة الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية بحاجة إلى قوانين جديدة تنظم عمل هذه الشريحة ومؤسساتها من حيث الحقوق والواجبات والإيمان بالدور الكبير والرسالة الإعلامية الوطنية والإنسانية التي يؤديها الصحفي تجاه المجتمع والوطن والدولة . ولعل أول هذه القوانين قانون حماية الصحفيين واحترام الحريات الصحفية و بضمنها حرية التعبير والرأي وحق الصحفي بالحصول على المعلومة من مصادرها الحقيقية دون عناء أو اعتداء أو إساءة مقصودة ..وكذلك دعم صندوق تقاعد الصحفيين ورعايتهم علاجياً وانسانياً أضف إلى ذلك رعاية عوائل شهداء الصحافة العراقية والاهتمام بهم مادياً ومعنوياً من قبل الأجهزة الحكومية المعنية .ولكن مع الأسف الشديد لا تزال هذه القوانين مغيبة ومنها ما هو مركون على رفوف قاعة البرلمان أو الحكومة لرفضها من قبل الأسرة الصحفية والإعلامية كونها جاءت بالضد من إرادة الصحفي والصحافة العراقية الوطنية الأصيلة . فجاءت تلبي مطامح السياسيين وغرورهم وتحميهم على حساب تطلعات الصحفيين المشروعة وحمايتهم الواجبة ..
{ لايغيب عن ذهنكم إن الإعلام بصوره ووسائله قد أتخذ كوسيلة يوظفها كل طرف حسب هواه ومصالحه ولاسيما المجال السياسي ماهي برأيك الخطوات التي يجب أن يقوم بها المسؤولون على الإعلام والصحافة العراقية لتفادي وقوع الإعلام في مثل هذه التوجهات والسياسات ؟
ــ ما يؤسف له حقاً ان جزءا من واقع الصحافة والإعلام في العراق أصبح عبارة عن دكاكين سياسية تروج لبضائعها الكاسدة والفاسدة والمأجورة على حساب المصالح العليا للبلاد والعباد وتعمل بالضد من إرادة وفاعلية ونشاط الصحافة المستقلة والإعلام الحر النزيه ولذلك فالمسؤولية كبيرة أمام أصحاب الرأي والفكر والثقافة والإعلام وتتطلب جهوداً مضنية ووقتاً طويلاً وعملاً دؤوباً شاقاً ليس باليسير حتى تستطيع أن تحقق وتنجز مشروعها الإعلامي الوطني الديمقراطي وان تقف بحزم وصلابة في مواجهة هذا المد التسلطي المشوه ..ومن المؤكد أن الخطوة الأولى في هذه المواجهة هي الالتزام بالمشروع الوطني الإعلامي الرسالي النبيل وتطويره والحفاظ عليه من عبث الطارئين والفاسدين وكذلك الإيمان بالتداول السلمي للسلطة وبالصيغ الديمقراطية الحقيقية كونها فعلا وطنيا واجتماعيا وحضاريا و توعويا مسؤولا لا بديل عنها في حياة شعبنا و لاخيار لنا سواها من اجل الوصول إلى مرافئ الأمن والاستقرار والازدهار .
{ هل لديكم طموحات معينة أو مشاريع خاصة أو ملاحظات تخدم الصحافة العراقية؟
ــ أدعو جميع الصحفيين والإعلاميين العراقيين لأن يكونوا بمستوى مسؤولياتهم القيادية في المجتمع وأن يفرضوا سلطتهم الرابعة واحترامهم الكبير والعالي على الجميع وبالأخص الطبقة السياسية لان الصحفي الوطني الواعي المدرك لدوره وقلمه كبير جداً في المجتمعات المتقدمة الراقية ويُحسب له ألف حساب فكم من رئيس جمهورية ورئيس حكومة ووزراء استقالوا أو أُقيلوا بسبب أقلام الصحفيين التي لا تخشى في الحق لومة لائم وما كتبوه وسطروه على الصفحات البيض بشجاعة متميزة في قول الحق دون خوف أو تملق أو تردد أو مجاملة فهل سنصل الى هذا المستوى الحضاري المتقدم كصحفيين وكسياسيين ربما نتطلع إلى ذلك ونقول ليس ذلك ببعيد.
السيرة الذاتية
الدكتور محمد عبد فيحان تولد 1956 تخرج في كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد 1978- بكالوريوس فنون مسرحية – فرع الإخراج -عمل في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون منذ العام 1975وأصبح مديراً لقسم الأخبار والبرامج السياسية فيها – حاصل على شهادة الماجيستير في الإخراج المسرحي عام 1987- حصل على شهادة الدكتوراه فلسفة في الأدب المسرحي (التأليف والنقد) عام 2001 من كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد – عمل في الصحافة منذ العام 1975 وأصبح عضوا عاملاً في نقابة الصحفيين العراقيين في العام نفسه بالهوية المرقمة (1631) كتب الشعر وما يزال طالب في الإعدادية وما يزال يواصل كتابة الشعر – نشر الكثير من المقالات والبحوث والقصائد في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية وكذلك المواقع الالكترونية -احد مؤسسي إذاعة كربلاء ومديراً لها منذ العام 2003 وحتى العام 2009 ، وهي أول صوت ومنبر إعلامي في كربلاء بعد التغيير السياسي -عضو إتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1977 – عضو نقابة الفنانين العراقيين ، واتحاد الإذاعيين والتلفزيونيين .. أشرف على عدد من رسائل الماجستير في مجال الفن المسرحي والصحافة والإعلام ..كما شارك في عدد من المناقشات العلمية لرسائل الماجستير ، حاليا أستاذ وتدريسي لمناهج الصحافة والإعلام في قسم الصحافة بكلية الآداب – جامعة أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء























