صفحات مجهولة من تاريخ العراق في العهد العثماني

صفحات مجهولة من تاريخ العراق في العهد العثماني

مدرسة الحقوق في بغداد والتأسيس الأول عام 1879 م

فاضل بيات

يضم الأرشيف العثماني في اسطنبول مئات الآلاف من الوثائق المتعلقة بتاريخ العراق في العهد العثماني، ومعظمها تتضمن معلومات فريدة من نوعها تتعلق بمختلف الجوانب التاريخية والحضارية لولاياته الأربع، ومنها وثائق نادرة لا نجد لمعلوماتها أي اشارة في أي مصدر آخر. ويكفي أن اقول أنني صورت مما صورته من هذا الأرشيف المئات من الوثائق وهي تتعلق بمدرسة الحقوق فقط، واذا كان موضوع هذه المدرسة لا يشغل إلا حيّزا متواضعا بين المواضيع المتعلقة بتاريخ العراق في العهد العثماني من حيث الزمـان والمكان والحدث، فكيف يكون وضع المواضيع الاخرى التي تواصلت امتداداتها عبر كل ذلك وشغلت حيّزا واسعا من هذا التاريخ؟ ويمكنني القول، بعد أن تسنى لي الاطلاع على عشرات الآلاف من الوثائق العثمانية، أن هذه الوثائق تسلط الاضواء على كل ما يخطر ببال الباحثين من موضوعات تتعلق بالعهد العثماني، وما موضوع مدرسة الحقوق في بغداد إلا واحدا من هذه الموضوعات.

لم تكن فكرة تأسيس مدرسة الحقوق في بغداد وليدة سنة 1908م حيث فتحت أبوابها للدارسين، بل تعود الى ما قبل هذا التاريخ بسنوات عديدة، وبالتحديد الى سنة 1879م، أي بداية عهد السلطان عبد الحميد الثاني. ويستدل مما ورد في إحدى الوثائق العثمانية النادرة أن السلطان عبد الحميد أراد بعد أن تولّى الحكم أن يطّلع على الأوضاع العامة لولاياته المنتشرة في قارات اوربا وآسيا وافريقيا فأصدر أمرا الى أحد المفتشين لإعداد تقرير عن هذه الأوضاع والبحث عن سبل النهوض بمرافقها المختلفة ومنها التعليم. وكانت بغداد من الولايات التي حظيت باهتمام السلطان العثماني وذلك لحاجتها الى إجراء إصلاحات جذرية فيها. وبعد أن اضطلع المفتش بالمهمة كتب تقريرا عن الأوضاع المختلفة للولايات التي كٌلِّف بدراستها ورفعه الى السلطان عبد الحميد الثاني. ويتضمن هذا التقرير المحفوظ في الأرشيف العثماني باستانبول أفكارا مختلفة تتعلق بالمرافق الحيوية للولايات ومنها الجوانب الإدارية والتعليمية ومقترحات لإجراء الإصلاحات اللازمة فيها. وفي مجال الإصلاح الإداري اقترح المفتش تأسيس مدرسة حقوق في كل من ولايات بغداد وسورية وقوصوة (كوسوفا). ويبدو أن مقترح المفتش في هذا المجال جاء بسبب ما كانت تعاني منه دوائر هذه الولايات من نقص في الكوادر الإدارية والقضائية، واستهدف إعداد متخصصين من أبناء البلد للعمل فيها.

اطّلع السلطان على تقرير المفتش والمقترحات الواردة فيه، ولم يتخذ أي قرار، بل لم يبد أي رأي بشأنه قبل الاستئناس برأي الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء)، فأحاله الى الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) الذي عرضه بدوره على مجلس وزرائه. وبعد مناقشة النقاط الواردة فيه قرر المجلس احالة الملف الى وزير المعارف لبيان رأيه بشأن تأسيس مدارس الحقوق في الولايات المذكورة، وتقدير كلفتها السنوية بقبول مائتي طالب في كل واحدة منها، وكيفية تغطية هذه الكلفة (7 كانون الأول 1879م).

لم يستصوب وزير المعارف مقترح المفتش باشا بتأسيس مدارس الحقوق في الولايات، إلا أنه قبل أن يبرر اعتراضه على ذلك نزل عند رغبة الصدارة العظمى بتقدير الكلفة السنوية لها، فذكر في كتاب أرسله الى الصدارة العظمى في 24 كانون الأول 1879م أن الكلفة التقديرية لكل واحدة من هذه المدارس لا تقل عن مائة ألف قرش في السنة، وذلك في حالة قبول مائتي طالب فيها. غير أن الوزير لم يكتف بايراد هذه التفاصيل، بل سعى الى لفت انتباه الصدر الأعظم الى أمور أساسية تعترض تأسيس هذه المدارس، فذكر أن تأسيسها لا يتوقف على الجانب المادي فقط، بل على توفير مستلزمات أخرى هي اليوم بحكم المفقود في البلاد، يأتي على رأسها الجانب البشري أي الطلاب والمعلمون، إذ ينبغي على الطلاب الراغبين في الدراسة في مثل هذه المدارس العالية أن يكونوا حائزين على شهادة الدراسة الاعدادية التي تلي الدراسة الرشدية، أو أن يمتلكوا معلومات تعادل المعلومات التي يمتلكها خريجو المدارس الاعدادية. والحال أن الأماكن المزمع تأسيس مدارس الحقوق فيها ومنها ولاية بغداد لم تؤسس فيها لحد الآن مدارس اعدادية، ولهذا من غير الممكن توفير طلاب بالمواصفات المطلوبة للدراسة في مدارس الحقوق. كما يتعذر، بل من غير الممكن، تأمين الكادر التعليمي لها. ورأى وزير المعارف أنه فضلا عن العبء المالي لهذه المدارس، فان الفائدة المرجوة منها لتأسيسها لن تتحقق بالشكل المطلوب. ولهذا اقترح تعليق أمر تأسيس هذه المدارس والاكتفاء في الوقت الراهن بتوسيع مدرسة الحقوق في استانبول بالشكل اللازم، واستقدام طلاب من الولايات السلطانية المختلفة وادخالهم فيها، وبهذا يكون بالإمكان رفد دوائر الدولة في الولايات بمتخصصين من ابنائها للعمل فيها، ويتحقق بهذا، الهدف المرجو.

ووجدت الصدارة العظمى رأي وزير المعارف منسجما مع واقع الحال في الولايات، ولهذا ارتأت توسيع مدرسة الحقوق في اسطنبول، واستقدام طلاب من الولايــــــــــــــــــات المختلفة للدراسة فيها والعمل على تطوير مناهجها الدراسية لتتواءم مع المناهج الدراسية لمدارس الحقوق في الدول الاوربية.

وبهذا أُسدل الستار على مسعى تأسيس مدارس الحقوق في الولايات خارج استانبول ومنها ولاية بغداد، وتمّ تعليق المشروع برمته، ولم يٌثر موضوع تأسيسها في بغداد إلا في أواخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني، أو بالأحرى في سنة 1908م لتشهد بغداد ثالث مدرسة عالية بعد المدرسة الحربية ودار المعلمين.