هكذا يرحل الطيبون دون أن يقولوا وداعاً

الفنان أحمد البياتي

هكذا يرحل الطيبون دون أن يقولوا وداعاً

عبد عون الروضان

بغداد

هكذا غادرنا الفنان  أحمد البياتي ..سنوات من الغربة في إيطاليا وليبيا. في إيطاليا درس فن النحت على يد أبرز النحاتين الإيطاليين في فلورنسا والبندقية وميلانو وكرارا وحصل على شهادة الدبلوم الفني من فلورنسا وشهادة الماجستير في التقنية الحديثة للمرمر وشهادة التخصص العالي بدرجة امتياز من مدينة كرارا.

 وفي ليبيا عاش عدة سنوات مدرسا وحول بيته الذي يسكن فيه إلى ورشة للخزف يدرب فيها الطلاب على أعمال النحت والخزف وترك وراءه نصب ” تسواهن ” في محلة الماجدية في العمارة حيث ولد عام 1945لأب من أشهر أسطوات البناء في العمارة يومذاك حيث قام ببناء القصور الفخمة لأبناء مدينته ما تزال شاخصة إلى اليوم تحكي الطراز المعماري الرفيع والقدرة الحرفية والبراعة .

  في هذا الجو المعماري عاش أحمد البياتي أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة ودخل دار المعلمين الابتدائية ثم عين معلما في إحدى مدارس ناحية الكحلاء في محافظة ميسان , لكنه لم يكن على وئام مع هذه الحياة المستقرة فترك العمل واتجه إلى إيطاليا ليدرس النحت هناك حيث المتاحف وحيث التماثيل والنصب الفخمة وحيث عبق الماضي وذكريات الفنانين العظام وكان ذلك في سبعينيات القرن المنصرم ليعود إلى العراق عام 1981ليجد نفسه بدون عمل سوى الفن , لقد عمل في مشغله الذي أخذ مساحة واسعة من داره الواقعة في محلة عواشة في مركز العمارة  , لقد اكتظ مشغله بتصاميم مستقبلية لبنايات تخص أبناء محافظة ميسان ابتداء من رياض الأطفال إلى النافورات  والمتنزهات التي تحاكي الأعمال الأوربية وتستلهم التراث العربي الإسلامي الذي استقاه من إرث جده الأسطة حسن  ومن بعده والده الأسطة فليح اللذين شاركا في بناء سوق العمارة الأثري الكبير الذي ما يزال شاخصا حتى اليوم كأحد معالم مدينة العمارة المهمة ودليلا فنيا على براعة أولئك الذين أسهموا في بنائه ومنهم الأسطة فليح والأسطة حسن والأسطوات السوامرة وغيرهم.

يروي لي شقيقي القاص سعيد الروضان الذي كان من أقرب أصدقاء الفنان أحمد البياتي حيث زامله حين كان معلما في الكحلاء أنه كان متعدد المواهب وكان حرفيا يقوم بكل شيء بنفسه فقد كان نجارا يصنع الأبواب  وكان حدادا وكان يصنع الطابوق  في فرن خاص بناه في البيت وكان يهتم بأمور الحديقة المنزلية ويربي الدجاج وكان شاعرا وميكانيكيا ونقاشا وبناء ورساما ونحاتا . لقد كان عدة رجال متميزين في رجل واحد .

تسواهن في ربيع 1992 افتتح النصب وهتفت جماهير الماجدية للفنان أحمد البياتي تحييه وتشجب في الوقت نفسه سرقة اللافته بمئات الأمتار من القماش الأبيض التي غطي بها التمثال قبيل افتتاحه وقد انتزعها أحد المسؤولين يومذاك ووضعها في صندوق سيارته وانطلق هاربا بها غنيمة من الغنائم التي لا تقدر بثمن!!!

 كان الفنان أحمد البياتي اتصل بمحافظ ميسان وكان يومها السيد تايه عبد الكريم وشرح له فكرة البياتي اتصل إقامة النصب وجدواه التاريخية والفنية فأعجب الرجل بالفكرة وأحال إليه تنفيذ المشروع بمبلغ 18 ألف دينار ولمدة ثلاث سنوات وبعد مدة جاء محافظ جديد وهدد الفنان أحمد البياتي بالسجن إذا لم يكمل العمل وجاء بعده محافظ جديد وهدد برمي التمثال في النهر وقال له “” لو مسوي تمثال لصدام بطول متر لكسبت الكثير ” وقد أعلن الفنان أحمد البياتي إضرابه أكثر من مرة عن مواصلة العمل وقد وقف إلى جانبه الأدباء والفنانون من أبناء المحافظة مثل جبار عبد الله الجويبراوي وسعيد الروضان وعلي حسن وادي وماجد البلداوي .    يبلغ ارتفاع التمثال 23 مترا ونصف المتر مع القاعدة التي كان الفنان قد خطط لها أن تكون متحفا للمدينة .عمل الفنان نصبه من مادة البليت قياس 18 مليمترا وحديد الزاوية مما يستخدم في صناعة الأبواب الشبابيك وكان يقوم بعملية اللحام بنفسه مما عرض عينيه لمتاعب جمة اضطر على أثرها لاستعمال قطرات طبية خاصة بعد استشارة الطبيب المختص .كما أنه عمل قالب قاعدة النصب بيده وسلحه بيده وأشرف على عملية الصب بنفسه . وجه التمثال يمثل الجمال السومري وهو يعبر عن ثقة الفنان الكبيرة بالمرأة العراقية وباقة الأزهار التي تطوق الرأس عبارة عن سعف نخيل ينداح فوق الأكتاف ليشكل رأسا للعمارة العراقية بينما تمتد اليد باتجاه نهر دجلة حاملة حمامة وادعة فيما  اليد الأخرى تحمل عجلة الصناعة في إشارة واضحة لأهمية الصناعة في تطور البلد أما عين الحمامة فقد وضع فيها قطعة نقدية من فئة الدينار المعدني المتداول يوذاك الذي يحمل صورة النخل العراقي ويعلق الفنان مازحا حتى يراه الطيارون الأجانب من الجو ويعترفوا بفضل العراق ونخله على البشرية .قبل أن يغادرنا الفنان أحمد البياتي زار النصب العزيز إلى قلبه فرأى ثقوبا قد حدثت هنا وهناك في جسد النصب ومنها واحد جهة القلب تماما فمد يده إلى قلبه وتحسسه ، إنها قد تكون بفعل فاعل أو ربما بفعل العوامل الجويه فرفع شكواه إلى أكثر من مكان إلا أنه لم يجد أذنا صاغية ، ولم يبق أمامنا إلا أن نرفع شكواه إلى الأستاذ صباح المندلاوي نقيب الفنانين العراقيين ليشد رحاله إلى مدينة العمارة وإلى محلة الماجدية وإلى نصب تسواهن النصب الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي نفذ بهذه الطريقة الفريدة التي أبدع فيها الفنان أحمد البياتي وأجاد.