قصة قصيرة (2)
رسل وخريف العمر
غادر ابو احمد بيت رسل وهو في حالة نشوة كبيرة.. وكأنه قد ملك الدنيا بأسرها.. فكان يشعر بلذة الصياد الذي فاز بصيد ثمين.. وتعاقبت الايام عليهما وهما يغرقان في شاطئ الحب ويقطفان من ثمار ذلك الحب ما شاء لهما.. حتى جاء من يشوش باذن ابو احمد سلوكية رسل ويقص عليه اخبارها ونوادرها.. فاهتز لسماع كل ذلك.. واعطى لنفسه فرصة للتفكير فاقفل هاتفه حتى لا تتصل به ريثما يستقر على قرار ولاسيما انه كان يحبها حبا عظيما ووجد فيها ما تصبو اليه روحه ونفسه.. وكان عزاؤه الوحيد انها كانت عزيزة على كل اولئك الذين عرفتهم في حياتها ولم يحصل منها احد على شيء حتى وان كانت قبلة.. فكانت تجارتها مع هؤلاء هو الكلام ولا شيء غيره.. وغاب عنها اسبوعا.. كانت هي فيه كالمجنونة لا تعرف كيف تتصل به او تصل اليه.. فكانت في دوامة من القلق والحيرة بعد ان تمكن حب ابو احمد منها واصبح يسري في كل قطرة دم في جسدها.. حتى باتت ترى الدنيا وكل الدنيا من خلاله..
اما ابو احمد فكان في هذه المدة يفكر بسلوكية رسل قبل ان يعرفها وسلوكيتها بعد ان تعرف عليها فوجد انها قد تغيرت فعلا وانها صادقة المشاعر معه ولا شائبة في تصرفاتها..
ولاول مرة رسل لم تستغل ابو احمد فكانت موقنة تماما انه ليس من ذلك النوع الذي يمكن استغلاله وكان رغم علاقتهما الحميمة ورغم عطائها له كان هو يفرض شخصيته عليها وبدلا من ان تسيره هي اخذ منها هذه المبادرة واصبح هو من يسيرها كيفما يريد.. وكانت تتعجب من نفسها وما جرى لها وكيف اصبحت بين ليلة وضحاها اسيرة مقيدة لهذا الرجل.. ورغم من نصائح ابنة خالتها.. بكيفية التعامل معه كانت رسل عاجزة تماما على الاخذ بنصائح ابنة خالتها وكانت ترى لا جدوى منها.. ابو احمد واثق من ان رسل بعيدة كل البعد عن الكذب فان الذي على قلبها على لسانها لا تخاف احدا ولا تخشى شيئا.. وان حادثها فلابد انها ستكون صريحة معه وتحدثه بكل شيء.. وبعد اسبوع من غيابه عنها فتح خط هاتفه حتى تتصل به.. وان كان هو يحترق شوقا لها.. فلم يبادر بالاتصال بها.. اما عنها فانها لم تنفك من الاتصال به بكل لحظة.. حتى دب اليأس الى قلبها فعاودت الاتصال به وقفزت بالملسوعة عندما وجدت هاتفه شغالا.. وما ان اجابها حتى صاحت: ها حبيبي لقد اشغلتني عنك خيراً ان شاء الله.. فاجابها: انا بخير ولكن مشاغل حالت من دون الاتصال بك.. وراحت تحادثه عن قلقها عنه وعن اشواقها له.. وتقص عليه كيف كانت ايامها من دونه.. وطلبت منه ان تراه فورا.. واتفق على ان يلقاها في الكوفي شوب الذي تعودا على ارتياده بعد ساعة واعلمها بانه لديه حديث مهم معها.. وما زاد ذلك من اشواقها ولهفتها لتعرف ماهية ذلك الحديث المهم الذي ان يحادثها عنه.. وحرص ابو احمد ان يكون وصوله قبلها الى الكوفي شوب.. وما ان جلس حملوا له النسكافية فكانوا يعرفون طلبه من دون ان يطلب منهم ذلك.. وقبل ان ينتهي من سكارته قد اطلت عليه بقامتها الهيفاء وجمالها القمري المنير فوقف بانتظار وصولها وما ان وصلت لعنده حتى تبادلا التحية والقبلات البريئة المعتادة للتعبير عن الاشواق.. وما ان جلست حتى وجدها شاحبة الوجه فسألها ان كانت مريضة.. فأجابته بانها بخير الا ان قلة النوم وقلقها عليه قد اتعبها ولاسيما فقدانها للشهية.. واعتذر لها عن ذلك ووعدها بان لا يغيب عنها مجددا.. وتحادثا كثيرا وكانت ترى انه على غير عادته وهناك ما يشغل تفكيره.. ولكنها كانت خائفة ان تلوح بما يشغله.. وبعد مدة صمت حادثها بكل ما سمعه عنها فاجابته بكل هدوء: كل ما سمعته عني يكاد يكون صحيحا وكل ذلك كان طيش شباب للهو والضحك الا انه لم تكن لي علاقة حب حقيقية مع احد.. ولم يلمس يدي احد غيرك.. رغم ما انا به من حرية وليس هناك من يقول لي لا تفعلي هذا او ذاك.. الا اني احترم نفسي وذاتي.. فلذلك قد تخطيت تلك المرحلة وما عاد لها وجود في حياتي فدب الاطمئنان الى قلب ابو احمد عندما سمعها تتحدث وكلها ثقة فقال لها: رسل ماضيك لا يعنيني فهو ملك لك.. ومن يوم تعارفنا ومستقبلا اي حاضرك ومستقبلك فهو ملك لي.. وسوف احاسبك حسابا عسيرا ان اخطأت يوما حتى وان كان ذلك بلا قصد منك.. فقالت: وانا عاهدت نفسي ان لا افعل شيئا غير ان احيا بحبك ودنياك فقال لها مبتسما: وهنا امر اخر.. فقالت: وما هو يا سيدي ويا اميري؟ فقال: هل تقبليني زوجا لك.. وانا بمثل عمرك مرتين.. وما ان سمعت ذلك منه حتى تاهت الكلمات بين شفتيها واكتفت بان تأخذ يد ابو احمد وتطبع عليها قبلة والدمعة في عينيها فرحا.. واجابته: انه يوم سعدي واملي ان اكون زوجة لا خلي حبيب.. ولقد تفاجأت لطلبه ذلك ولم تظن انه سيكون بهذه السرعة.. كانت تعرف انها ستكون له زوجة.. مهما طال الزمن..
وانتهى ذلك اللقاء واعتبرا هذا اليوم تاريخيا في حياتهما.. وطلب منها ان ترتب امورها مع والدتها لهذا الامر.. واعلمها بان الخطبة وعقد القران والزفاف سيكون في يوم واحد.. لانهما سيسافران الى اليونان لقضاء شهر العسل.. واقيمت حفلة الزفاف في نفس القاعة التي تم تعارفهما فيها وكان ابو احمد محط حسد من الجميع لفوزه بملكة الجمال.. وكان كل واحد من الحضور يتمنى ان يكون هو (العريس) ومع انغام الموسيقى والغناء واحتفاء الجميع بهذه المناسبة كانت رسل في قمة جمالها وروعتها.. ولم تكن تسمع او ترى شيئا غير ابو احمد حبيب عمرها.. انتهت حفلة الزفاف في توديعهما من قاعة الاحتفال لانهما سيسافران هذا اليوم وعليهما ان يكونا في المطار بعد ساعة.. وحظي العروسان في الطائرة في ضيافة خاصة وقدم المسافرون لهم التهاني والتبريكات.. وما ان حطت الطائرة في المطار.. حتى اخذها ابو احمد وانطلق الى الفندق.. وما ان استقر الحال بهما في الفندق.. وارتاحا من عناء السفر نزلا الى المدينة للتنزه وقضيا سهرة ممتعة عادا الى الفندق.. وكان كل منهما بشوق وبنار متأججة في القلوب.. وكل منهما يريد ان يطفئ نيرانه في الغوص في انهار بعضهما.. وكان لهما ذلك واصبحا زوج وزوجة.. روحا وجسدا..
قضيا خمسة عشر يوما في اليونان وعادا الى بغداد الى عشهما الذهبي الذي هيأه ابو احمد لهما.. فكانت حياتهما رائعة مثالية بكل ما فيها.. وكان الحب يتدفق عليهما ويزداد يوما بعد يوم.. لقد عرفت رسل كيف تجعل من ايامها حب دائم لا ينتهي.. فكانت بحق زوجة وانثى دائمة العطاء كالشجرة التي تعطي ثمارها الطيب.. وكان هو في قمة سعادته لحصوله على هذه الانسانة الرائعة..
وازدادت اعدادهم في البيت حتى وصل عددهم الى ستة افراد ومضى على زواجهما عقدين من الزمن والحب هو الحب لم يتغير ومازالا عاشقين.. والجميع يحسدونهم على ذلك الحب.. حتى كانوا يقولون لهم بان حبكم لا ينتهي جاريا كالماء في النهر.. وكان هو كذلك فعلا.. وقال ابو احمد لاولاده: علينا ان نحتفل اليوم جميعا اما سبب الاحتفال ساعلمكم به عند عودتي فأريد ان ترتبوا الحفل بما يليق بالمناسبة.. وقالت ابنته: والعشاء بابا فاجابها: لا تفعلوا شيئا فالعشاء سيكون جاهزا فإني رتبت اموري على ذلك.. واعلموا ان الحفل ليس فيه احد غيرنا.. وعند المساء كان البيت يزهو بالانارة والمعلقات من البالونات والنشرات.. والجميع باحلى ثيابهم وكذلك رسل وقد ازدادت جمالا مع تقدم العمر وعند دخول ابو احمد الى البيت نادى عليهم.. واخذ رسل من يدها واوقفها وسطهم وقال لهم: مناسبة احتفالنا هذا اليوم.. هو سبب وجودكم في هذه الحياة انه يوم تعارفنا انا وامكم وهلل الجميع وتعالت الاصوات بالضحك والتهاني والتعليقات الحلوة واخرج ابو احمد سلسلة ذهبية ليزين بها عنق زوجته وليطبع على خدها قبلة قائلا لها: يا احلى زوجة في الدنيا.. فأجابته: تسلملي حبيبي..
محمد عباس اللامي – بغداد
























