أمام أنظار الحكومة.. يحدث في العراق يومياً
مكي الغانم
لو شئنا أن نضع أحد الأمثال الدارجة في صيغة لغوية فصحى ، وبأسلوب أكثر حشمة لصار كما يلي :
زنتْ شكرية .. فقتلوا شاكراً
نعم .. أن ذلك ما يحدث في الحياة اليومية في العراق حاليا ، بعد أن اختلطت القيم ، وتداخلت الارادات ، وصار المزاج القانوني أخا أصغر ، وتابعا مطيعا للقانون المزاجي المتحكم بمصير الأفراد والجماعات ، حتى استفحلت القدرة على تدوير .. وتحوير الامور وتحريف مساراتها ليغدو الحق باطلا .. والباطل حقا ، استنادا الى قاعدة أن القوة بما تمتلك من أدوات هي الحق ، وليس الحق بما يمتلك من سطوة المنطق هو القوة.
حدثني صديق كان يحمل بيدة كومة من الأوراق والوثائق عن واقعة طريفة سوف نسوقها مثلا .. ولن نكتفي بها.. طبعا، بل وسوف نعرج على ما هو أكبر ، وأشد وأنكى ..
كان صديقي يشد قبضته يده بشدة على ملف الأوراق المنهك حين قال :
ــ حدث أن قامت موظفتان في فرعنا ، كانت احداهما من أصحاب السوابق في هذا المضمار بأعمال المتاجرة غير المشروعة بطريقة الآجل، بشكل سري مع بعض من زبائن الشركة التي تعود الى احدى الوزارات العراقية، مقدمة لهؤلاء الزبائن اغراءات مجزية بأرباح اضافية ، تكون واجبة الدفع عند مرور فترة زمنية محددة، وبعد أن أخلت الموظفة ذات الباع الطويل في التصيد والخداع بالتزاماتها معهم، انكشف الأمر، ورفع المتضررون الدعاوى في هيئة النزاهة والمحاكم لاسترداد حقوقهم، وأخذ الأمر مجراه القضائي الأصولي، بعد أن تأكد لهيئة النزاهة أن ما جرى إنما هو سلوك فردي، وألا صلة لفرع الشركة أو بقية الموظفين بالأمر لأن الاجراءات الأساسية كانت أصولية ومستوفية، وأنه لا توجد أية أضرار بالمال العام ، وذلك ما أثبتته اللجنة التحقيقية التي شكلها مقر الشركة لكشف ملابسات الأمر أيضا، لكن ذلك لم يرق لفرع دائرة المفتش العام الذي أراد التغطية على إخفاقه في اكتشاف عمليات المتاجرة التي استمرت لعدة أيام أو ربما أسابيع أو اشهر، رغم زيارات موظفيه المتكررة للفرع، فقام بأعداد تحقيق غير منصف تم بناؤه بكيدية واضحة، وعلى أسس تحمل في طياتها أسس نقضه كليا، كيف لا يفعل ذلك هو ابن أمة تحترم الظالم، وتصف من يذبح بالسيف شجاعا، ومن يقتل الناس بدم بارد بالرجل الصلب، وتمت مصادقة الوزيرعلى توصياته الداعية الى معاقبة عدد من موظفي الفرع بعقوبة الانذار، وبما يفوق العقوبة الموجهة الى احدى المتهمتين الرئيسيتين، والتي أدانتها المحاكم المختصة وأثبتت مشاركتها بشكل أو آخر في عمليات المتاجرة. قال صديقي ذلك وهو يحاول النفاد بكرامته التي وضعت على محك الشبهة، وهو يرتجف من خشية أن تسير الامور على عكس وجهتها الأصلية في قضية عادت الى هيئة النزاهة مرة آخرى بسبب توصيات لجنة المفتش العام، وكان يتحدث وهو يضرب كفاً بأخرى متمتما بهمس وئيد، محاورا نفسه بكلمات لم أفهمها، إلا بعد تكرار رجائي له أن يعيد تلاوة تلك التمتمات بصوت مسموع.. فكانت :
ــ ” يعني .. يصير أن شكرية زنتْ .. فيقتلون شاكراً ..؟ “
بصراحة .. لقد أعجبني المثل بصيغته العامية الدارجة، لأنه صار مصداقاً صارخاً على الكثير من المعالجات غير المنطقية لقضايا الفساد التي تنخر جسد الدولة العراقية ، حيث يتم التغاضي عن العشرات أو المئات من حالات الفساد الكبرى التي كلفت الدولة ملايين أو ربما مليارات الدولارات، لكونها تتعلق بشخوص نافذين في هيكلية الحكم، فيتم تحويل مسارات البت فيها الى دائرة طويلة متداخلة ومغلقة النهايات من لجان تحقيق شكلية لم تتمكن يوماً من البت في أمر جلل، أو أن تنحرف تلك القضايا لتمس موظفين أدنى درجة، ليصبحوا أكباش فداء لسواهم.. وتذكرت على الفور ما تناقلته وسائل اعلام مختلفة أكثر من مرة، وفي أكثر من واقعة من خلال مقابلات شخصية مع مسؤولين سابقين ونوابا من أعضاء لجنة النزاهة البرلمانية وسواها، والتي تؤكد جميعا أنه .. بينما تنفد كل شكرية وأخرى وثالثة بفعلتها دوما ، يتم قتل ألف شاكر بجريرتهن. ومع كل ما يشعر به من خوف ورعب حاول صاحبي أن يضع ما حدث في مقارنة مع أكثر من حالة فساد كبرى أشارت لها الكثير من الأطراف الرسمية ووسائل الاعلام والصحافة بالبنان ، لكنه لم يفعل قبل أن يلتفت يميناً وشمالا ثم يقول :
ــ بربكَ .. كيف يمكن لاحد أن يقارن بين ما حصل معنا وبين ما يتم تناولهُ ، وربما تأكيده في كل مرة عن حالة فساد كبرى جرت، وأموال أهدرت في عملية شراء أجهزة فحص المتفجرات ” السونار”، وكيف يمكن التغاضي عن آلاف الارواح التي ازهقت بسبب فشل تلك الاجهزة في عمليات الكشف عن ما يدبره القتلة والارهابيين من تلغيم وتفخيخ، هذا اذا كان هناك من يضع حياة الناس وسلامتهم في أولوية اهتماماته بأعتباره الراعي والمسؤول، قبل أن يضع المال العام المهدور في ذيل اهتماماته ..؟
وبعد أن تلفت يمينا وشمالا مرة أخرى قال :
ــ بالله عليك.. كيف لي أن أنام ليلي وأنا أضاجع تهمة الاهمال الوظيفي زورا وبهتانا، في عملية نصب واحتيال محددة الملامح والشخوص، خسر من خلالها بعض الناس بعض من أموالهم، بينما لا توجه أية تهمة لمن كانوا سببا في خسارة العراق الالاف من مواطنيه.. نساء ورجالا وأطفالا.. مدننا ومؤسسات وبنى تحتية.. وخسارته لجيش قوامه فيلقا كاملا من الرجال والأسلحة والتجهيزات.. ومعسكرات ومطارات، وها نحن نرى العراق اليوم وهو يقف على قدم واحدة مهللا.. مطبلا لجحافل لا حصر لها من شبابه الذين هبوا طواعية، يضحون مرة أخرى بالأرواح والسلاح والمال من أجل استعادة ما تبقى من ركام لعدة محافظات واقضية ونواحٍ، وما يربو على ثلث من أراضيه التي استباحتها القطعان الارهابية بسهولة ويسر منقطع النظير . وأضاف متسائلا : ألم يحدث كل ذلك بسبب أشد أنواع الفساد والاهمال والتقصير.. وغياب الارادة الوطنية وسوء الضمير.؟
تلك الهزيمة الكبرى التي تتحمل وزرها جميع المنظومات الحكومية المختصة ، وتلك الكارثة لم يسائل فيها مسؤول كبير.. أو صغير ..
وأردف قائلا : كنت لا أصدق ما تتناقله وسائل إعلام كثيرة من شكاوى يومية لسكان مدنيين في مدن مضطربة . ومد يده الى جيب قميصه وشدهُ بقوة ، وبصق بشكل إيحائي في جوف القميص واسترسل قائلا :
ــ اللهم لا تجعل في كلامي ظلما لأحد وضعه يارب في ذمة رواة يقولون أن بيوتهم وأحيائهم تتعرض يوميا للقصف العنيف بكافة أنواع الأسلحة من قوات عسكرية حكومية تحاصر مدنهم، مؤكدين أن تلك القوات لا تميز في قصفها هذا بين المسلحين والمدنيين العزل، بل يروي بعضهم في مشاهد مصورة أن أحياءً خالية من الجماعات المسلحة هي ما يتم استهدافها بشكل متكرر أو متعمد، بينما لا يتم استهداف أماكن تواجد الارهابيين المعروفة ، عملا بذات القاعدة التي تقول :
زنتْ شكرية .. فقتلوا شاكر
وبعد أن مسح حبات عرق تلألأت على وجهه المتعب أردف قائلا :
ــ لم أكن ممن يستوردون الزيت أوالشاي أوالسكر ، ولم أكن عضوا في وفد لصفقة روسية ، ولم أكن مستوردا لمعدات الكهرباء الوطنية ، ولم أكن عضوا في لجنة لتبليط الشوارع أو اكساء الأرصفة بالبلاط المقرنص والمرمر، ولم أكن ضمن منظومة الهرم العسكري الذي سلّم ثلث البلاد ، ولا قائدا عسكريا كان هروبه سببا في مذبحة سبايكر.. أنا موظف مخلص بسيط أرعى مصالح وظيفتي وأسرتي ، لا أقل ولا أكثر .. أؤدي الصلاة في مواعيدها ، وأغض الطرف عن الحسناوات .. ولا اقرب المخدرات ولا أسكر .
ثم تنفس الصعداء وتمتم : لا أدري.. يبدو أنه قدر مكتوب أو على لوح الغيب منقوش.. أن نعيش في زمنٍ يحكمه قانون الغاب.. وتتسيده الوحوش.. زمن لم نسمع به حتى في الحكايات عن حكم قرقوش .
وهنا مازحته ضاحكاً وقلت له:
ــ لو كان الأمر بيدي.. وعملا بمنطوق نفس المثل.. لحكمت عليك بالاعدام لقيامك بالتهكم المغرض، المدفوع بأجندة أجنبية لتقويض الدولة الديمقراطية العادلة التي أنشأها عبد الله المؤمن جورج بوش . فضحك.. والهزيمة ترتسم على ملامحهِ.. وأطرق بنظره الى لأرض، مستسلما لقدرهِ، وردد كلمة عامية.. تعني القبول :
ــ ” خوش .. خوش “























