الأُسطورة من حيث المبنى والمعنى

الأُسطورة من حيث المبنى والمعنى
عبدالرزاق صالح
الأُسطورة كمبنى حكائي لها ارتباط قوي بشفهية الكلمة، فمنذ البدء أي في طفولة المجتمع، كانت الأُسطورة تُعَدُّ حاجة ضرورية من أجل دوام الحياة بشكلها الطبيعي وترتيب علاقات الناس الاجتماعية وتصريف حياتهم المعيشية والدينية، حيث ترتبط الأُسطورة بعوالم الآلهة بشكل قوي ومصيري وتخلق من ذلك العالم عالماً زاخراً بالخوارق والمعجزات والصور الخيالية ومتضمناً الخرافات التي تصب في هدف معين وهو خلق الهالة الخارقة والعظمة للآلهة حتى يكن البشر لها الاحترام والتبجيل والتقدير والقداسة وهو المطلب القوي في مثل هذه الحالة من أجل العبادة وتقديم النذور والقرابين لكسب ودهم، لأن الإنسان البدائي كان يعتمد اعتماداً كلياً قي تيسير شؤون حياته على الطبيعة، خاصة في الزراعة وغيرها من الأحوال المعيشية.
إنَّ هذه العلاقة خلقت نوعاً من الوازع الديني بين الفرد والسماء كحالة شعائريةــ طقسية، يعتمد فيها الإنسان على السماء من أجل نزول المطر، فخلق بذلك آلهته التي تزوده بالماء وجعل لها أسماءً وألقاباً، حالها حال الظواهر الطبيعة الأخرى من عواصف ورعد وفيضانات وغيرها من الظواهر، حيث أخذ يربط بين تلك الحالات وبين المسئول عنها، فكان إله الرعد والعواصف، وإله الزرع، وإله الربيع، إله الشمس، إله القمر، وكلها ذات علاقة بأحواله المعيشية، من هنا كانت العلاقة بين أحوال الطقس والأسطورة كبنية حكاية تستند على المرموز الشعائري الديني لأجل توظيف الجانب الشعوري لدى الإنسان في تقبله لهذه الشعائر والطقوس، أن خوفه من غضب الآلهة قد غار بعيداً في لاوعيه الجمعي وعلى مرِّ السنوات، هذه الحالة خلقت آصرة نوعية من أواصر الحيرة والدهشة معاً في صميمه ولا زالت رواسبها متفشية لحد الآن في شكل الخرافة والسحر والشعوذة والودع وتقديم القرابين والفدية والممارسات الغيبية والغبية في الوقت نفسه.
أصبح التجانس الأسطوري مع الخرافة حالة معروفة ــ ولو أن الخرافة تختلف من حيث المبنى والمعنى عن الأسطورة، لكن هدفهما واحدــ هذا الميل للتجانس وَلَّدَ مفتتحاً حراكياً متداولاً كصيغة جديدة ولكن بصبغة وتزيين بنيويين، إذ أن هذه الملازمة جعلت تفكيك البنية صعباً على مستوى الإدراك الحسي، لأن كثيراً من الأفكار الأسطورية قد تداخلت في النسيج الحياتي للناس، حتى أصبح التفكير الإنساني مأزوماً ومشلولاً وغارقاً بالعبودية لأفكار رجعية بالية مستمدة من تراث قديم منذ آلاف السنين، مصبوبة في قالب من الدوغماتية .
إنَّ التطهير من هذه الحالة كحراك ثقافي يجب أن يكون متساوقاً مع حالة الفكر في تطوره ودراسة الحالة بشكل جدي وبناء، لأننا عندما نعالج مرضاً علينا أن نعرفه ونشخصه أولاً، وبعد ذلك نضع الحلول الناجعة من أجل الشفاء من ذلك المرض. المغزى الثاني أو الصورة الثانية هي صورة الأُسطورة من حيث المعنى، وهو غير المعنى الأكاديمي المتداول، أنهُ معنى الإحساس على مستوى بنية الواقع، فالأسطورة في معناها هذا هي التجسيد الحي لفكرة استلاب واقعية الإنسان، وهي تدعو في هذا الجانب إلى جعل الظواهر الكونية والحيوانات والجمادات مساوية للإنسان من الناحية العقلية والفكرية، أي أنسنة الظواهر الطبيعية وهذا المدلول له علاقة بالجانب الميثولوجي في خلق الإنسان سواء من الماء أو من الطير أو الحية أو التنين أو أي مسمى من الحيوان الذي يبحث تحت الماء عن التراب من أجل خلق الإنسان كما تقول أقدم الأساطير المعروفة في كافة أرجاء المعمورة. إنهُ إسقاط قيم حضارية وقمم ثقافية في بحر تداعيات أسطورية وحرق مراحل التاريخ في نار الخرافة، وحتماً ستصب هذه الخزعبلات في خانة الدين الخرافي والغيبيات الغبية وتنطلي على السذج من الناس الذين يصدقون هذه الشعوذة . إنَّ المعنى الإجرائي بحدِ ذاته هو الذي يحفزنا للعمل وبحكمة من أجل الخلاص من بقايا التخلف والجهل والظلمة والظلاميين، بصياغة مفاهيم الحياة بصورة واقعية مستمدة من روح العصر وثقافته وعلومه وثورة اتصالاته ونبذ الشعوذة والماورائيات والدوغماتية في الحياة المعاصرة.
إنَّ البحث عن الجديد هو الذي يصب في هذا المحتوى ويخلق عالماً متجانساً مبنياً على الصدق والتعاون ونبذ الصراعات بكلِّ أنواعها حتى نتخلص من هذه الدماء وشريعة القتل والابتزاز باسم الأسطورة تارة والدين تارة أخرى ــ ألم نتعض من الحروب الصليبية والصراعات الدينية بين الطوائف، منذ سالف الزمان ـــ إنَّ هذه الإشكالية تقودنا كذلك إلى الخرافات السياسية كمعادلة صورية، ومنها الصراعات بين الدولة والكنيسة مثلاً في العصور الغابرة والصراع بين الدولة والدين بشكل عام. وتبقى إشكالية المعنى في هذا الصدد تقود إلى الاختلاف، خاصة على الصعيد الأكاديمي. لكننا ندعو إلى تنمية شاملة ونردد مقولة الفيلسوف غرامشي ودعوته إلى المثقف العضوي .
ويبقى البحث في الأساطير واسعاً وخطيراً على كافة الصعد، وعلى الباحث المهتم في هذا الجانب أن يكون قريباً من أساطيرنا التي لها مساس مباشر في حياتنا وسلوكنا وطريقة تعليمنا وبنائنا الفكري والحضاري حتى يتمكن من فهم طبيعة الفرد في مجتمعه لأجل وضع الحلول الناجعة ومعالجة المشكلات أولاً بأول.
/6/2012 Issue 4226 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4226 التاريخ 14»6»2012
AZP09