توم ريس الظاهر والمخفي في حملة نابليون

مصر وغزو الشرق الأوسط

 

توم ريس الظاهر والمخفي في حملة نابليون

 

ترجمة: فضيلة يزل

 

في الدليل الخاص ببدايات عام 1798، أمرت حكومة القلة التي كان تحكم فرنسا الثورية،  قائد فرنسا الأعلى نابليون بونابرت، بالتخطيط لغزو أنكلترا، لكنه بدلاً من ذلك نظم ونفذ لغزو مصر، الغزو الذي أصبح أول غزو حديث يقوم به الغرب للشرق الأوسط.

 

عندما كانت الدولة الشرق أوسطية أكثر ستراتيجية في الأيام التي سبقت أكتشاف النفط، وكانت مصر المفتاح الرئيس للسيطرة على القدس وطرق التجارة البرية الى الهند، والمصدر الأساسي للثروة البريطانية الواسعة. كانت “الحملة على مصر”، كما يصر الفرنسيون على تسميتها حتى يومنا هذا، التي كان يفترض منها ان تشل الأمبراطورية البريطانية دون المخاطرة بالقيام بهجوم مباشر، فالمخطط الفرنسي كان يهدف تحويل مصر الى مزرعة واسعة للسكر وكذلك لحفر قناة السويس. الأهم من ذلك، بالنسبة لنابليون الذي جعل من نفسه نموذجاً للفاتحين الكلاسيكيين (“رأيت نفسي في الطريق إلى أسيا راكباً فيلاً وعلى رأسي عمامة”)، كانت مصر الخطوة الأولى لحلم كبير بأمبراطورية تشمل كل أسيا.

 

لقد كانت معظم الكتب عن حملة نابليون تركز على المظهر الخارجي لشخصية نابليون وأركان حربه من الرجال الذين أحبوا تبجيله وكانوا ظهيراً داعماً لقيادة الجنرال.

 

في مصر نابليون، كان خوان كول الذي درس التاريخ في جامعة ميشغان وكتب مقالة اقتباسية كبيرة عن سياسة الولايات المتحدة في عالم المسلمين، أهمل تلك الشخصيات الكبيرة الأهمية في الغالب ليقدم الغزو والأحتلال من وجهة نظر المصريين. إذ قال كول ان عمله “يُعنى بشكل أكبر من الأعمال الأخرى،  بدقة تفاعل الأفكار خلال فترة الثورة الفرنسية مع أساليب الحياة العثمانية والمصرية”، وما كانت تفتقر اليه في التواصل والتماسك السردي والقصصي الذي هيأ لأقتباسات رائعة، في الغالب، كانت من المذكرات والمفكرات اليومية المعاصرة، وفي تحليل يعتمد على دراسات مقارنة لمغامرة امريكا حالياً في العراق.

 

كانت خطة نابليون هي الوصول بجيشه لمصر كفاتحين لا محررين، إذ نزلت جيوشه في خليج أبوقير في الأول من تموز عام 1798، ليحتل الفرنسيون الأسكندرية في اليوم التالي، ويتغلبوا على المماليك الذين تفاجأوا بهم ـ الحكام المحلييون المستبدون ـ بفضل توحد تكتيكات سلاح المدفعية والمشاة. وقد أعلن نابليون في بيان وزع باللغة العربية انه مدافع عن الإسلام، جاء ليحرر المصريين من الطغاة. وقد استغل حقيقة ان أغلب الجنود الفرنسيين والثوريين كانوا من المعتقدين بوجود الله أو الملحدين به ليبين ان هذا يعني انهم في الحقيقة (مسلمين) ـ مع كتابة مسلمين   muslimsبالحرف الصغيـرsmall letter، كما أشار كـول ـ لأن رفضهم للثالوث يعني انهم يخضعون لعبادة “الله الواحد”، إذ يتوقع كول ان “إعلان نابليون للمصريين” فشل بشكل كبير لأن ترجمته للعربية كانت رديئة جداً. فقد كتب ” ان الفرنسيين ظهروا لأول مرة أمام النخبة القليلة من المثقفين المصريين من خلال غربال لهجة بربرية وأسلوب كتابة جعلا الفرنسيين يبدون مضحكين نوعاً ما، على الرغم من الإدعاءات الإمبريالية التي قدمها نابليون.

 

تقدم الفرنسييون من الأسكندرية باتجاه القاهرة، وقريباً من الأهرامات قهروا جيشاً كبيراً من خيالة المماليك، ليقللوا من شأن الفرسان المصريين الذين كانوا يتصفون بكفاءة ضارية. وقد هرب قائد المماليك مراد بيه الى الصعيد لشن تمرد وحشي بإسناد القبائل البدوية ضد المحتلين. في غضون ذلك، في الأول من آب، أكتشف الأدميرال نيلسون رأس الساحل الفرنسي، المكان الذي أصبح معروفاً بمعركة النيل، والتي تحطم فيها الأسطول الفرنسي. وعزله عن وسائل المعونة الخارجية، فآضطر جيش الحملة النابليونية للقيام بمحاولة ان يصبحوا حكاماً حقيقيين لمصر.

 

على الرغم من ذلك، حاول نابليون في صيف وبداية خريف عام 1798 تأسيس حكومة ذات ممثلين فرنسيي الولاء كما حاول جعل القاهرة مدينة معاصرة. إذ لم تقم سفنه بنقل الجنود فقط بل نقلت أيضاً جيشاً صغيراً من علماء الرياضيات والمخترعين والعلماء والفنانيين والكتاب الفرنسيين، وهولاء عملوا على أكتشاف الأهرامات وتعرفوا على الحجر الرشيد وجمعوا مادة “لوصف مصر” وقد طبع المجلد 24 النادر بعد سنوات لاحقة، وقاموا بوضع خارطة شاملة لمدينة القاهرة (التي كانت أكبر من باريس في ذلك الوقت) وضحت فيها شوارع القاهرة ومستشفياتها، كما نظموا الأشراف على الانتخابات وتقديم العون لتغذية السكان وبناء المخابز الحديثة. لذلك عندما ثار سكان القاهرة في تشرين أول عام 1798، قاموا بإغتيال الخبازين أولاً.

 

قام الفرنسييون بقمع الأنتفاضة بشكل دامٍ، وحولوا الأحتلال الى سلسلة من الأعمال الوحشية من الجانبين. في هذه الأثناء، أصاب مرض الطاعون سكان القاهرة، كما حصل ذلك في الغالب، في القرن الثامن عشر، إذ أخذ الجنود الفرنسييون تفادي الأتصال بالناس فأخذوا يديرون أو يعالجون طلباتهم بكماشات خشبية فمازال المرض يدمر المحتل والمحتلين على حد سواء، بينما أخذ السكان المحلييون يتوحدون من خلال الأنتفاضة والطاعون كشخص واحد ليضاعفوا الهجمات على كل من الفرنسيين والمتعاونين معهم. (يعطي كول تفسيراً رائعاً غير موجود في مجلدات أخرى، حول كيف استغل المصريون تفشي الطاعون في السنوات التي سبقت وصول نابليون كوسيلة لطرد السيطرة العثمانية من المنطقة، وهنا كان المحلييون واعين جداً بشكل تكتيكي لأستخدام البؤس المحلي لتحقيق الهزيمة في صفوف المحتلين الأجانب). لقد لخص رئيس وزراء نابليون لويس بوريين وجهة نظر البعثة الفرنسية بـ : “لم تعد مصر امبراطورية بطليموس، مأهولة بالسكان والمدن الغنية، انها تمثل الآن مشهداً واحداً لا يختلف، للدمار والبؤس. وبدلاً من ان يساعدها الساكنون فيها، من الذين قمنا بتدمير الحالة الأمنية لديهم، لنجدهم جميعاً ضدنا. فلم يكن هناك فرنسيٌ يأمن على حياته فآعتادوا على البقاء على مبعدة نصف ميل من الإماكن المأهولة، أو من جثث الأشخاص الذين ينتسبون إليهم”.ان البعثة إلى مصر تذكر دائماً على انها نقطة البداية لعلم الآثار المصرية أو الأنذار بالحملات المتأخرة التي شنها نابليون، لكن المآساة التي تحدث الآن في العراق ربما تعيد في النهاية تشكيله بوصفها كانت حدثاً تحذيرياً أولياً واسعاً. لاحظ كول ان ” رجال الدين المسلمين توصلوا الى السلطة في الشرق الأوسط اربعة مرات فقط في التاريخ الحديث : في ظل الجمهورية الفرنسية في مصر، وفي ظل خميني ومن جاء بعده في إيران وفي ظل حكومة طالبان في افغانستان، ويمكن ان يناقش الأمر، في ظل النصر الذي حققه الحلف العراقي الموحد في انتخابات العراق في 30 من كانون ثاني 2005 (الحلف العراقي الموحد الذي يقوده رجل الدين الشيعي عبد العزيز الحكيم). وقد حدث الأول والمرات الأربعة بإسناد التنوير الغربي”.

 

انها وجهة نظر مقترحة، قدمت في الماضي دون ان يتم تطويرها. وكان ذلك لسوء الحظ، لأن كول كان على حق عندما نظم مادته بصيغة مناقشة وتحليل، وليس بشكل أخبار قصصي. (وقد بيّن بشكل اعترافات انه يهدف الى تقديم تاريخ مفصل لما يعرف بمدرسة (اناليس) الفرنسية التي دعت الى “العقلانية، وهذا يعني تاريخ مجموعة من الأمور العقلانية” . بالنتيجة، كان كتابه مناسباً لطلاب المنطقة أكثر من القراء العاديين، أولئك الذين يتطلعون لقراءة تاريخ قصصي شامل ومثير عن البعثة بشكل شامل، الذين ينصحون بأقتناء كتاب بول ستراثرن “نابليون في مصر” الذي طبع في انكلترا في أوائل عام 2007. ففي هذا الكتاب ينهي كول أساساً مقالته عند عام 1799، لكن الفرنسيين ظلوا في مصر لسنتين أخريين، حتى استسلموا أخيراً للبريطانيين في 2 أيلول 1801، فالأنقلاب الذي حدث هو حصولهم على الحجر الرشيد من بين الأشياء الأخرى التي حظوا بها في مصر. وقبل ان يغادروا مصر في تشرين الأول 1799 أحتل نابليون غزة ويافا (جزء من تل ابيب الحديثة) لكن السير سدني سمث هندس لنصر بريطاني كبير في منطقة أكبر، وقد عرفت المدينة على انها “مفتاح فلسطين”. ان حجم الهزيمة كانت كتلك التي أعلن عنها نابليون فيما بعد، إذ قال: “ذلك الرجل جعلني انسى مصيري”. قد يعتقد نابليون ان السيد سدني هو الذي جعله ينسى مصيره، لكن سوء فهمه الشخصي للشرق الاوسط كان المتهم الحقيقي. وقد عرف بورين الحقيقة عندما تفجع بأن مصر لم تعد امبراطورية بطليموسية ـ والجنرال البطليموسي كان ضابط مقدونياً في جيش الكسندر الغازي، ومازال المصريون يقبلونه هو وذريته لثلاثة قرون لاحقة كونهم من الفراعنة، حتى كليوباترا، أخر حاكمة من البطليموسيين، وقد ماتت منتحره. كان المصريون في القرن الثامن عشر على وشك ان يقبلوا بالبطليمي الجديد بشكل جنرال فرنسي كورسيكي، فليس بالأمر المهم، ما هي المعجزات والحريات الجديدة التي وعدهم بها.

 

توم ريس : مؤلف كتاب “المستشرق” ويعد سيرة ذاتية للجنرال الكسندر دوماس.