الإنفجارات الجماهيرية.. كيف جيّرت وإستقرّت بأيدي القوى السكونية؟

الإنفجارات الجماهيرية.. كيف جيّرت وإستقرّت بأيدي القوى السكونية؟

 

 

عدنان الشريفي

 

الثورة التي لا تخطأ لم تحدث بعد فالثورات والحراك الجماهيري ليست افعالا معصومة بل الطبيعي ان ترتكب كل ثورة اخطاء والثورة التي تمضي بلا تعثر وتتقدم بلا عائق وفقا لخطة عمل واضحة من البداية اقرب الى الخيال السياسي وليست هي الحقيقة فكل ثورة تتعدل وتتغير كلما تخبطت اما الثورة التي تهب ثم تسلم رايتها الى المؤسسات وقوى سكونية فليست ثورة بالمرة فالثورة تغيير سريع يسابق الزمن ونافذ يصل الى اعماق الشعب وشامل لا يستثني من امامه شيئا اما قوى السكون فتفكيرها بطيء لا يأخذ عامل الوقت باعتباره وسطحي يقف عند حدود الشكل وجزئي يعتبر السير خطوة كأنه قطع الطريق بأكمله بينما الثورة حالة جماهيرية تصل بالفعل السياسي الى اعلى درجات الحركة اما قوى السكون جماعات ومؤسسات تحاول ان تهبط بالفعل السياسي الى حالة الجمود الثورة فعل يتحدى السكون اما قوى السكون فتأبى ان تتجاوب مع التغيير لحراك الثوري والجماهيري علاقة بين النقيضين !! العلاقة بين قوى الثورة وقوى السكون علاقة بين نقيضين لا يمكن ان تنهض على الثقة والقبول فأما تغلفها ظلال كثيفة من الرفض والريبة وأي تعايش ينشأ بين الاثنين لا يمكن عن تراضي أو اختيار وإنما لدواعي الحاجة والاضطرار تعايش تحتمه موازين القوى وأقدار اللحظة فقوى الثورة مهما اشتد عودها وقضت حتى على الجزء الغاطس من النظام القديم ستجد نفسها بع ذلك امام قوى ومؤسسات السكون التي يبقى الجزء الاكبر من جسدها مختبئ في الاعماق وقد تضطر الثورة بعد ان تكون قد انهكت الى القبول بها والتعامل معها ومؤسسات السكون بدورها لو عجزت عن منع الثورة أو فشلت في اجهاضها فلن تجد امامها بديلا غير السير في اتجاه التيار وركوب موجة الثورة حتى لا تفقد الزمام تماما من يدها مع انها قوى سكونية تكره نداء الثورة المطالبة بالتغيير الا انها لا تتردد في تلبيته مع انها تمقته بل ولا تتردد في ترديده مع انها تحاول ان ترده هي قوى استاتيكية بطبعها متى حملتها مفاجآت الثورة على الحركة والا تتعهد بتنفيذ اهدافها اما على الارض فتتعامل مع الثورة على وقع ما تراه لا ما تعهدت به وهكذا تمضي العلاقة بين متناقضين الثورة تتحول الى شوكة في حلق مؤسسات السكون لانها تحاول بناء واقع مختلف ومؤسسات السكون تتحول الى عبئ على الثورة لانها تركب على اكتافها متظاهرة لها بالمناصرة بينما هي تثقل عليها وتكاد تغرقها والتناقضات بين قوى الثورة وقوى السكون كثيرة من الاختلاف على اساليب أو حدود تصفية الماضي الى طبيعة وشكل المستقبل والتناقضات بطبيعتها تتصارع ولا تتعايش تتناحر ولا تتوافق تعايشها ان حدث فمؤقت وتوافقها ان تم فهدنة ولهذا يهدد اي ثورة ان لا ترى التناقض بينها وبين القوى السكونية أو ان تضطرها سيرورة التحول من ثورة الى دولة الى وضع عهدة التغيير في يد تلك المؤسسات التي تتردد في تبريد أو تحديد أو تجميد ان لم يكن تبديد الثورة وشيء من هذا يجري حاليا في ما بات يسمى اعلاميا بثورات الربيع العربي وهي تسمية في حاجة الى وقفة ناقدة الثورة لا تسعى فقط الى التخلص من بقايا النظام القديم وهي مهمة ليست سهلة وإنما تحاول ايضا ان تقهر قوى ومؤسسات السكون التي تستمر حتى بعد سقوط النظام القديم بأكمله وهي مهمة اشد صعوبة ولهذا السبب قد لا يرقى ما حدث في العالم العربي حتى الان برغم اهميته وخطورته الى وصف الثورة قد يبدو في هذا الرأي قسوة لكن فيه ايضا مصارحة كذلك فأن تعبير الربيع لا يبدو منسجما مع ما نبصره من مشاهد وما نسمعه من حكايات فليس هناك ورود تتفتح وإنما دماء تراق وليس هناك فراشات تطير وإنما ارواح تصعد لبارئها وليس هناك بشائر لنسيم سياسي ديمقراطي قادم وإنما زوابع وتلال من الغبار والأتربة وضحايا وهذا ما تبثه الشاشات يشاهد القتل والدمار والتشنج وليس التمكين والتهليل والتهاني فكيف والوضع على هذا النحو يستعمل تعبير ربيع كيف !!؟ ما جرى لاكثر من عام ان هبات شعبية عظيمة انفجرت فأسقطت حكاما لكنها لم تسقط بعد كل نظم حكمها القديمة كما لم تلتفت الى مؤسسات وقوى السكون المنتشرة حولها التي بدأت تتلقفها بخبث وتحتضنها بذكاء اما لكي تحبط تلك الثورات بالكلية أو لتديرها بالمنطق الذي تعرفه مؤسسات السكون وهو ان يبقى التغيير دائما لو كان لا فكاك منه في حده الادنى فالسكون لا يحب الحركة وانما تفضل عليها الثبات ولا تميل الى التغيير وإنما الاستمرار ولو اضطرتها الظروف الى الوجود في انواء الحركة وأخطرها بالطبع حالة الثورة فتسعى الى ان تكون بطيئة ولو استطاعت فستجعلها تدور في وضع (الجنود في محلك سر) وبسبب طبيعتها الرجعية المحافظة تعتبر قوى السكون العدو الصامت للثورات تدعي بالعلن انها مع الثورة بينما في العمل تحاول ان تلجمها تزعم انها تريد الثورة ان تنطلق بسرعة ولكن ليس بسرعة الحركة وإنما بسرعة الثبات .. المؤسسات السكونية هي كل بنية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية و اقتصادية عتيقة وعميقة لا تحب الحركة والتغيير تعتبر الحركة ضرر والتغيير شر والتجديد انحراف قد تكون جهازا حكوميا أو سفارة اجنبية أو فئة رجال اعمال أو تيار ايديولوجي واية قوة اخرى تحاول ان تبقي على القديم برغم عيوبه وتسفه الجديد والتجديد برغم اهميته هم فاعلون سياسيون يدافعون عن حالة السكون اما لان سبق لبعضهم قبل الثورة ان استفاد ومنها عندما استحوذ بظلها (النظام) على الحيز العام وباتوا يحاولون ان لا يفقدوه أو لان بعضهم الاخر دخل الى هذا الحيز راكبا قطار الثورة ولا يريد ان يتركه لا وهو للتو دخل اليه مؤسسات السكون العربية متنوعة ونافذة والجيش مثلا مؤسسة سكونية وكذلك القبيلة والطائفة والقوى الدينية مؤسسات سكونية وقوى الجوار النافذة الى جانب قوى العالم الرأسمالي الغربي القافزة على المنطقة هي مؤسسات سكونية لذا يتحتم رسم ستراتيجية تحتسب ادوار وخطورة مؤسسات السكون لكبحها وحدها ومن ثم تفكيكها فلولا قوى السكون الاقليمية في الخليج فمثلا لما كانت ثورة البحرانيين قد احبطت (مطلبهم المواطنة المتساوية والديمقراطية) رغم ان شيعة البحرين صوتوا ضد ايران ولعروبة واستقلال البحرين حين استفتاء ممثل الامم المتحدة لهم  بل ربما كانت قد حققت جزء من اهدافها والإحباط تم بقوات اردنية مدربة انكليزيا وإسرائيليا بسلاح وسيارات نقل سعودية (درع الجزيرة) ونفس قوى السكون الاقليمية هذه التي دخلت في البحرين مع انها لا تحاول ان تغير نفسها سياسيا هي التي رعت المبادرة الخليجية في حالة اليمن وهي لم تفعل ذلك حبا في ثوار اليمن وإنما لأنها قدرت ان علي عبد الله صالح احترق سياسيا ولو بقى بدعم من دول مجلس التعاون على عكس ارادة اليمنيين قد يتسبب في تحول اليمن الى ثورة هادرة وخنجر يضرب الخاصرة الخليجية بأكملها ولهذا كانت المبادرة الخليجية لإعادة ترتيب المشهد اليمني بحسب ما تراه مؤسسات السكون في المنطقة وليس كما يطالب الثوار اليمنيين مع الردع ايضا من قوات اردنية بسلاح سعودي وقصف امريكي لإرهاب الثوار باسم القاعدة أو الانفصال أو تمرد الحوثيين لهذا دعي الاردن للانضمام الى مجلس التعاون الملكي ولولا قوى السكون القبلية والمناطقية في ليبيا لما كانت ثورة السابع عشر من فبراير 2011 قد انحرفت عن مسارها بهذه السرعة وتلك الخطورة فقد سارعت تلك القوى بمجرد\ ان دخلت الى الحيز العام بعد الدعم الغربي الساحق الذي حرمها القذافي منه لسنوات طويلة الى التمرد على هدف الثورة المبدئي في بناء دولة المواطنة والديمقراطية الحديثة فاهتمت بالقبيلة على حساب الوطن وبالإقليم على حساب الدولة بدلا من ان تتحول ليبيا من ثورة الى دولة اعلنت قوى السكون فيها مشروعها الخاص بالمستقبل بتشكيل (مركز اقليم برقه الانتقالي برئاسة الشيخ احمد الزبير الشريف السونسي) وهو موقف يدل على فكر ما زال يتشرنق في ذاكرة جمعية ضيقة لقبيلة والمنطقة تحاول ان تنسلخ عن الدولة مهددة ليبيا بالتمزق أو بحرب اهلية كبداية لسايكس بيكو جديدة على السايكس بيكو القديمة(مشروع الشرق الاوسط) تعمم على المنطقة العربية المؤسسة العسكرية والقوى الدينية ابرز قوى  السكون التي تلقفت الثورات العربية وأمسكتها بقوة الاثنتين المؤسسة العسكرية والقوى الدينية الاولى لتحمي مصالحها والثانية لتحصد ثمارا فاقت ما زرعته من اجل الثورة ففي مصر مثلا ضلت المؤسسة العسكرية لثلاثين عاما سكونية ثم قدمت نفسها مع ثورة يناير على انها مؤسسة حركة لم يكن ذلك مقنعا فقد كانت لعقود وبسبب المنافع وتشابك المصالح جزء لا يتجزأ من البنية العامة للنظام السابق لكن بنيتها الذهنية لم تسوغ لها القبول بسيناريو التوريث الذي كان يعد له فكانت تنتظر فرصة أو لحظة مناسبة للتدخل لإيقاف هذا السيناريو وليس لإسقاط النظام وهو ما اتاحته لها ثورة الخامس والعشرين من يناير لكن المجلس الاعلى للقوات المسلحة تصرف منذ تولى السلطة وبالقوة كمؤسسة سكونية وليس ثورية سواء فيما يخص تصفية النظام السابق أم وضع اسس نظام جديد لم يهتم المجلس بمعركة التطهير وكأن المصريين ليس لهم مشاكل حادة مع النظام القديم فلم يهتم بتلك المعركة ليس على مستوى الفعل بل حتى على مستوى الخطاب فمن اربع وتسعون رسالة اصدرها المجلس العسكري خلال فترة من شباط الى كانون الثاني لم ترد اشارة الى مطالبة الثورة بتطهير النظام الا بثلاث رسائل مبهمة ومغفلة لم تكن الصورة في مصر افضل حالا القوى السكونية هي التي قطفت ثمار أول انتخابات برلمانية بعد الثورة وأصبحت تتحكم في لجان المجلس التشريعي وتسير اعماله في ضل تهميش عددي ونوعي للقوى الثورية (صاحبة الثورة) وبالذات الشباب الذي كان يفترض ان يشغلوا اغلبية مقاعد المجس التشريعي وبسبب هيمنة قوى السكون على البرلمان المصري الجديد خرج واحد من اعضائه القلائل من ذوي الخبرات العلمية المتميزة بحقل الدراسات السياسية الدكتور وحيد عبد المجيد ليكتب في التاسع من آذار 2012 بجريدة (المصري اليوم) قائلا (الارجح ان من يراهنون الان على مجلس البرلمان ويقف الالاف منهم على ابوابه كل يوم سيدركون خلال اسابيع أو اشهر قليلة حدود دور هذا المجلس وهو كلام له اهميته لأنه يصدر عن محلل سياسي له باعه وعضو برلماني له فعاليته كلام يشير الى ان البرلمان الجديد بسبب الميول السكونية لأغلبية اعضائه لم يعد هو العنوان الصحيح الذي يمكن ان يلجأ اليه المصريين لتحقيق مطالب الثورة نتيجة لهيمنة القوى السكونية على البرلمان بمجلسيه الشعب والشورى باتت مؤسسة الرئاسة هي خط الحماية الأخير ضد قوى السكون) ولهذا واصل الدكتور وحيد عبد المجيد تقييمه للمشهد المصري بالقول ان ايمان المرشح للرئاسة بالديمقراطية سيكون له اهمية اكبر في حالة مصر بالسنوات المقبلة ولم تعد النزعة السكونية لشاغلي معظم مقاعد المؤسسة التشريعية المصرية خافية فتبنى كثير منهم لمطالب الثورة لم يعد يظهر بوضوح على اجندة اعمالهم بقدر ما تظهر عليها قضايا اخرى تلبس لونا ايديولوجيا اسلاميا لا يتفق عليه كثير من المصريين ولم تخرج الثورة في الاصل من اجله وهي طريقة عمل، تتناسب مع الفكر السكوني تستولي على مصادر التغيير ثم تشل حركتها وهو اسلوب يقف عند حدود الانتخابات التشريعية التي جرت والممولة سعوديا والمتفقة بالخفاء فيما بعد مع امريكا حسب تصريحات وزيرة الخارجية كلنتون سيعبر عن نفسه من جديد بمواقف اخرى اقربها تشكيل لجنة تأسيسية لصياغة الدستور نفسه التي سببت احتجاجات مدوية الغت اللجنة فيما بعد وهي من معركتان لن تخوضها القوى السكونية باسم الثورة ومطالب الثورة الا رياء وانما بثقل الاغلبية البرلمانية التي حازتها والمؤسسات السكونية قد تعمل بمعزل عن بعضها لو اقتضت مصالحها ويربط عادة بينها عقد غير مكتوب تتفق على لجم مستوى التحول الديمقراطي الى الدرجة التي لا تهدد ثقافة السكون وفي هذا الصدد لم يكن غريبا ما جرى تداوله من تحليلات ربطت بين المجلس الاعلى للقوات المسلحة في مصر والسياسة الامريكية ممثلة برئيس الاركان حسن عنان وآخرين ظهر فيما يخص الافراج عن المتهمين الامريكيين وبعضهم اسرائيلي في قضية التمويل الاجنبي لعدد من مؤسسات المجتمع المدني المشبوهة والعاملة في مصر باختراق الثورة والالتفاف عليها فالسياسة الامريكية في المنطقة سياسة سكونية تسعى لتأييد نفس القواعد القديمة وإبقائها التي كانت تتبعها مع مصر حتى بعد ان سقط مبارك والمجلس بدوره مؤسسة سكونية لم يكن كأي جهة قضائية أو تنفيذية فالقضاء لا يمكن ان يجرئ على اتخاذ خطوة اطلاق سراح للمتهمين الامريكيين والإسرائيليين دون الرجوع للمجلس فتصرف المجلس بطريقة تؤكد انه لم يتخلص من عقلية المؤسسة السكونية  التي تحكم العلاقات المصرية الامريكية وكأن لا وجود للثورة والإعداد الكبيرة لشهداء الثورة لذا انفجرت المظاهرات السلمية الاحتجاجية على دوره المتواطئ لمرتين المعادي لمطامع اثورة ودليل ذلك سقوط اعداد كبيرة من الشهداء برصاص اوامره حينما طالبوا بعزله عن الثورة والشيء نفسه ينطبق على علاقة الاخوان المسلمين بالمجلس الاعلى وتعد الابرز في تحالف قوى السكون مع بعضها متى ما تسلمت ادارة الثورة فالإخوان تسلموا سلطة التشريع والمجلس العسكري يقبض بقوة على سلطة التنفيذ ويقوم تقريبا بنفس ما كانت تقوم به السلطة التنفيذية في النظام القديم من تدخلات تتعدى كثيرا صلاحيات السلطات الاخرى وبدأ التنسيق بين قوى السكون منذ الايام الاولى للثورة وما زالت تجلياتها تتواصل والإخوان على عكس هوى القوى الثورية قبلوا في معمعة الثورة الدخول في حوار مع عمر سليمان ومن بعده مع المجلس العسكري ثم ايدوا مبدأ تعديل الدستور 1971 وليس اسقاطه كما كانت تطالب قوى الثورة وكانوا أول من دعم الاعلان الدستوري الصادر من المجلس العسكري في 30/3/2012 رغم ما طرأ عليه من تعديلات (لم يستفتي عليها شعب مصر) كما كان في مقدمة من استجاب لمطالبة المجلس العسكري بعدم النزول في مليونيات فضلا عن انه بعد قبضهم على غرفتي البرلمان بات تركيزهم ينصب على الترويج لشرعية البرلمان (لإسقاط شرعية الميدان) وكانوا بقصد أو بغير قصد في اتفاقهم مع المجلس العسكري على ان شرعية الميدان لم يعد لها وجود ان لم يكن الميدان اصبح خارجا عن الشرعية واهم من كل هذا العلامات ان قوى السكون تغفر لبعضها ما تريد عند الحاجة ولهذا اغمض المجلس العسكري عينيه على تأسيس حزب سياسي للإخوان المسلمين من الجماعة الام التي انبثق عنها الحزب ما زال وفق قوانين اشهار من الجمعيات المحظورة هذا ما تفعله المؤسسات السكونية مع الثورات ، لا تقف في وجهها اذا كانت لا تستطيع لكنها تتسلم رايتها متى استطاعت محاولة بذلك ان تحافظ على ما امكنها من الوضع القديم أو تحفظ لنفسها ما استحوذت عليه من حيز عام وإذا اضطرت قوى السكون الى الخوض في غمار عملية التغيير فليكن ذلك عبر عملية اصلاح بطيئة وطويلة المدى وليس بحرق المراحل وتسريع التحولات ولكل من هذه القوى السكونية ليست افضل من يقود التغيير لكنها كثيرا ما تستطيع ان تتسلم رايته لو كانت الثورات بلا قيادة وتنظيم واضحين ان قوى السكون العربية وهي تشارك الان في ادارة المرحلة في بلدانها تقاوم التغيير الثوري المطلوب منها لانها لا تزال وفية للتقاليد السياسية القديمة التي هبت الثورات العربية عليها والبعض الاخر يبدأ في الحركة مع الثورة لكنه ينفصل عنها حينما يجد ان سرعة التغيير المطلوبة منه لا تناسب تفكيره السكوني لاشك ان جماهير الثورات العربية امامها مهام واشغال شاقة وهي تتطلع لانجاز مهمة التحول الديمقراطي الصعبة فكما عليها ان تطهر اوطانها من بقايا النظام القديم عليها مواجهة قوى السكون العتيقة التي تمثلها البنى القبلية والبنى الطائفية والعنصرية والمؤسسة العسكرية أو علاقات التبعية الخارجية من الاقطاب الدولية أو دول اقليمية مجاورة وكلها بنى ذكية قدرت عند لحظة الانفجاريات الشعبية ان الاسلم لها مسايرة الثورة لا ضدها حتى تهدأ فتبدأ افاعيل الفكر السكوني في محاصرتها لتبريدها أو تشتيتها أو انهاكها ويستطيع المرء ان يفهم سبب قوة نفوذ القوى السكونية بسبب عمر الاستبداد بالمنطقة العربية عقود طويلة من السنين بينما عمر الديمقراطية قصير جدا وهذا ليس مدعاة لليأس وإنما اشارة الى ان التصدي لقوى السكون لن يكتمل من ثورة واحدة وإنما سيحتاج الى موجات من العزم والتصميم والمجاهدة الديمقراطية للثورات المتجددة فحتى لو وقعت بعض الثورات العربية في يد قوى السكون ستبقى محاولات التحول الديمقراطي تتكرر لسبب بسيط ان الديمقراطية هي التطور الطبيعي للإنسان ودلالة ذلك المشجعة تقدم العلوم والثقافة وثورة المعلومات وتونس تمثل وجها اخر من كيفية استيلاء قوى السكون على ثورة المعدمين والشباب والقوى الصاعدة فيها المهمشة والمماثلة للقوى الصاعدة المهمشة في الوطن العربي الذي رسف بقيود سلطة (البسطال) لقمع الشعب باسم فلسطين وردع اسرائيل فلا اسرائيل ردعت وإنما تجبرت وتوسعت ولا فلسطين ردت وتحققت ، تمكنت القوى السكونية ومال البترول السياسي من تعطيل الانفجار الشعبي وحركات بالسعودية وفي سلطنة عمان وبمجلس التعاون وإسناد علي عبد الله صالح وتمزيق الثورة اليمنية وأصبح رأس حربة بيد اسرائيل وأمريكا بالتآمر على النظام السوري بسبب ما سيمر عبر اراضي سوريا لخطوط نفط العراق بقدر مليونين وستمئة وخمسين ألف برميل يوميا ومشروع انبوب خط الغاز القطري لأوربا عبر سوريا وتركيا المنافس للغاز الروسي لان سياسة الهيمنة الغربية والأمريكية تتطلب انظمة تابعة لها تحمي ممرات البترول سواء بالأنابيب أم بالبحار وان لم تفلح بصنعها وعند فشلها بذلك تدمرها مثلما جرى في الصومال (وهذا جوهر مخطط الشرق الاوسط الجديد بأسلوب ناعم) والا بماذا يفسر تسليف الملك السعودي لسعد الحريري مليار دولار لتزويد بؤرهم التآمرية عبر حمص التي تبعد عن لبنان 30 كيلو متراً ودرعا بضع كيلو مترات عن الاردن وجسر الشغور وأدلب عن تركيا والتصريح العلني لفيصل السعود والقطري حمد المكرش بتمويل الاحتجاجات السورية ودعم تركيا وتصريح اوباما بتجهيز المعارضة ومسلحي سوريا بأجهزة اتصال متطورة أو مشبوه القاعدة الليبي بإلحاح مع ألاف المرتزقة الليبيين للوثوب من الاردن وبواخر السلاح الليبي المقبوض عليها بسواحل لبنان وأخيرا شبكت تجسس اسرائيلية في لبنان مع شراكة بعض محتجي سوريا المرمز لها باسم العاج (ان عدم توفر الديمقراطية الاصيلة هو الشرخ الذي ينفذ منه الاعداء سواء لسوريا أم العالم العربي ) وأخيرا الاصلاحات تمت بسوريا بشكل متأخر لذا تؤكد حقائق التجربة والتاريخ ضرورة تجديد الحركة الثورية العربية لقياداتها بتواكب تغييرات العصر ولكي تلعب دورها القائد تاريخيا لقيادة الانتفاضات والحراك الجماهيري وتنفض عنها الجمود والتبعية للأنظمة الاستبدادية التي مسختها عن حقيقة دورها ومهاجمة ثقافة قوى السكون والفساد العربية والفرقة الطائفية والإقليمية التي برمجتها ثقافة كامب ديفد اضافة الى احياء القبلية البغيضة وتفادي الديمقراطية الاصيلة المعادية لنهب العرب سواء باسم الاعمار أم الاستثمار أو التجارة الحرة أو صليبية جورج بوش أو الفاشية الاسلامية أو التسطيح باسم عدم الايمان بالمؤامرة والوطن العربي منذ سايكس بيكو الى الان مسرح دائم للمؤامرة المبرمجة من الرأسمالية الغربية وعلى رأسهم امريكا التي اشعلت الحروب لاستنزاف القوى الثورية لصالح قوى السكون وبعد كامب ديفد ادت سياسة الغرب الى استنزاف تبلور قوى الوطنية في العراق بعد تأميم نفطه بحرب النفط الاولى 1979 و 1980 بين العراق وايران باستنزافهما كأقوى عضوين بالأوبك لثمانية اعوام اي وضعف زمن الحرب العالمية الثانية وحرب النفط الثانية (بالتورط في الكويت) في 1990 وحرب النفط الثالثة باحتلال العراق وتسليم العراق لقوى السكون الطائفية من المكونين اضافة الى سيناريو الاربع سنوات من الاقتتال الطائفي ودور الشوفينيين الاكراد المعترف بهم من امريكا كقومية وعرب العراق طوائف وليسوا بقومية.