كلام بالقيراط ـ أهذهِ كربلاء ؟؟ ـ حسن النوّاب

كلام بالقيراط ـ أهذهِ كربلاء ؟؟ ـ حسن النوّاب
هذه الليلة الثالثة التي اعيش لحظاتها المقدسة في مملكة الدموع وموطن حمام الحضرة وملاذ المعذبين على الأرض ، مدينتي كربلاء المسربلة بالأوجاع والآهات والمجبولة بالغبار والمدججة بالأنقاض وفوضى السكن العشوائي والمروري ولهاث الناس المعدمين الى ارزاقهم مع نداء أذان الفجر ، رأيت بعد الظهيرة طوابير من عربات الحمل الجوالة يتوسد خشبها الخشن اصحابها من الكادحين لقنص ساعة من الراحة من شقائهم المرير ، بقيلولة ملتهبة دبغت شمس آب ملابسهم البالية قبل جلودهم وملامح وجوهم التي استوطنها التعب والألم ، سمعتهم يشخرون مثل موتى يلفظون انفاسهم الأخيرة ، بينما سيارات المسؤولين الفارهة والمشبعة بالهواء المنعش تخطف قريبا من طوابير الكادحين الذين سرقت الحياة كل حقوقهم وتركتهم مثل مشردين على ارصفة الشوارع وعلى مرأى من باب قبلة الحسين ، كنت قبل دخولى الى مدينة المآتم قد زرت مقبرة اهلي حيث قبر امي الذي مرغت وجهي بغباره المضيء وقبر ابي الذي مازال قانطا مثل امير حزين وقبر اختي الذي كان يهدل كحمامة غريبة في بستان مهجور ، هجست ان انفاس امي تنبثق من رخام القبر وتلفح وجهي بعبراتها ، مثلما احسست ان ذراعيها تحتضني حين سجدت على ناصية قبرها ، ذرفت دمعا منكوبا كما لو اني لم ابك من قبل ، وحين ودّعتهما تناهى الى شغاف قلبي صوت ابي مستجيرا وهو يردد رفقا ايتها المدينة بولدي الذي انهكته غربة المنافي ، ثلاث ليال مضت ولم استدل بعد على آثار خطاي التي تركتها قبل سنوات طوال في شارع العباس الذي ازدحم بالحوانيت والعمارات التجارية واصوات الباعة الجوالين ، تساءلت مع نفسي أهذه كربلاء يا سيد الشهداء ؟ اكاد ارى مدينة لا اعرفها ، ولا اعرف شواخصها ولا اجيد التفاهم مع اناسها ، لقد مُسخت مدينتي بدون رحمة ، ولست انا سوى ذلك الغريب التائه الذي يحاول عبثا من الوصول الى مهجع آمن يرى فيه خلانه وسمّاره وأترابه من الصعاليك ومجانينه وفنانينه الساحرين ، سائق التاكسي الذي اوصلني الى بيت اخي في حيّ سكني افتقد الى ابسط مواصفات الحياة المدنية ، كان مهموما ينفث سيجارته بمرارة مشاركا حرقتي على مشاهد الفوضى المخيفة التي صادفتها خلال الطريق ، فلا شارعا معبدا ولا رصيفا ولا ماءً ولاكهرباء ، بينما احتلت الأنقاض والنفايات مساحات واسعة كان يفترض ان تكون حدائق لقاطنيها وفق التخطيط الهندسي لتلك الأحياء التي تبدو لمن يراها اول وهلة كما لو انها تعرضت الى زلزال ، ليست بيوتا لسُكنى البشر تلك التي رأيتها انما خرائب قبيحة آيلة للسقوط ، وبدأت استمع الى هموم سائق التاكسي وهو يطلق حسرات الألم والندم ، فمحافظ كربلاء يطلقون عليه لقب السفير لكثرة رحلات الأستجمام التي يمضيها خارج الوطن ، واذا ما عاد تراه محاطا بقطعان من رجال الحماية واياديهم متأهبة على اسلحتهم حتى لو كان المحافظ في مكتبه الرسمي ، خلفه يقف نادل يفتح له علبة السجائر ويشعل سيجارته الباهظة الثمن ، يدخن المحافظ منها لدقيقة ثم يرمي بالسيجارة الى كوم النفايات ، لم ار شارعا يشفي الغليل ، كل الشوارع متربة وكل الوجوه مغبّرة ، والحسنة الوحيدة التي رأيتها ولمستها ماتقوم به ادارة العتبتين المقدستين من خدمات واضحة للعيان لجميع الزائرين ، رأيت مراوح ضخمة تدفع برذاذ الماء على المارة قرب الضريحين المقدسين لتخفيف وطأة لهيب الشمس عنهم وتلطيف الجو ، وركبت بعجلات مكيفة توصل الزائرين مجانا الى مبتغاهم ، ومشاريع خدمية وصحية تابعة للعتبتين المقدستين ، فتحت ابوابها للغرباء والمهجرين والزائرين ، وحدها ادارة الروضتين جعلتني اشعر بالإنتماء الى هذه المدينة التي تشربت بدماء اطهر الشهداء ، ولولا سخاء خدماتهم الحُسينية لشعرت اني اتجوّل في مدينة ليست لها اية علاقة في كربلاء ، بيد ان الخدمات الجليلة تبدأ بالأضمحلال شيئا فشيئا كلما ابتعدت عن مركز المدنية حتى تنعدم تماما عند عبورك سيطرة العتبة الحسينية ، ترى الشوارع محفورة والبنايات متصدعة والغبار يحتل معالم المدينة دون رحمة وبلاحياء ، والمشاريع الحكومية متوقفة بحجة عدم وصول الميزانية المالية ، عشوائيات فاقت بأعدادها الأحياء المعتمدة رسميا ؟ يا الهي هل هذه كربلاء ام غابة ضارية فتحت ابوابها الى جميع اصناف الذئاب والكواسر واللصوص والعتاة وابناء السحت الحرام ؟ اوّاهُ .. يا وطني .. أهذه كربلاء؟
AZP20
HSNO